رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

360

د. عبد الله النعمة

المبنى يَعلو... والمعنى يَخفُت: قراءةٌ في مرآةٍ بريطانية

23 يونيو 2026 , 11:23م

وجهتني دكتورة قطرية خبيرة بالتعليم إلى مقال في مجلة London Review of Books البريطانية الرصينة، للناقد والأكاديمي ستيفان كوليني بعنوان «أسراب من الخنازير بتوجيه » (Squadrons of Pigs)، نُشر في عددها الصادر في الرابع من يونيو ٢٠٢٦، - يُشرّحُ فيه أزمةَ الجامعات البريطانية تشريحاً موجعاً؛ ذلك النظام الذي طالما وُصف بأنه «رائدٌ عالمياً». وخلاصةُ ما انتهى إليه أنّ منطقَ السوق حين تَسلّلَ إلى الجامعة حوّلَ الطالبَ إلى «مستهلكٍ» والشهادةَ إلى «استثمار»، فتسابقت المؤسساتُ على المباني البرّاقة والمرافق الفاخرة، وأنفقت على الواجهات ما أنهكت به جوهرَ التعليم والبحث. بقيَ المبنى شامخاً، وانسحبَ المعنى في صمت. وذلك — في تقديري — أبلغُ درسٍ يُهدى إلينا؛ لا لِنُقارنَ أنفسَنا بهم، بل لِنَحذرَ من بابٍ دخلوا منه ونحن بعدُ على عَتَبته.

فحين كتبتُ قبلَ أيامٍ عن فرحتنا بالتخرّج، وسألتُ: لأيّ إنسانٍ نُخرّجُ أبناءنا؟ لم يكن السؤالُ ترَفاً. فالشهادةُ مبنىً جميل: روبٌ، وزغاريدُ، وقاعاتٌ تتلألأ. أمّا المعنى فهو الإنسانُ الذي يَحملُها؛ هل نالَ معها البوصلةَ التي تُجيبه حين يَسألُه ولدُه يوماً: مَن نحن (هُوية)؟ وحين كتبتُ بعدها عن فرحتنا بترقية شبابنا إلى مواقع القيادة، نبّهتُ إلى الفراغ الذي قد يَتركه صعودُهم في المختبر ومركز البحث. وهنا أيضاً مبنىً ومعنى: المنصبُ والمكتبُ واللجانُ مبنى، والمعرفةُ التي تُصنع في خفاءٍ معنى.

فإذا جمعتُ المقالَين في ميزانٍ واحد، رأيتُهما يقولان شيئاً واحداً من بابَين: أنّ الخطرَ الأكبرَ على أيّ نهضةٍ ليس في نقص المباني، بل في أن تَبتلعَ المبانيَ المعاني. فقد ابتلعت السوقُ معنى الجامعة في بريطانيا، فبقيت الجدرانُ بلا روح. ونحن قد نَبتلعُ المعنى بطريقةٍ أخرى: بكثرة الشهادات بلا كفاءة، وبتعظيم المنصب على حساب البحث، وبالاحتفاء بالواجهة الإدارية حتى يَخلوَ العمقُ ممّن يَملؤه. الصورةُ مختلفة، والداءُ واحد: انتصارُ الشكل على الجوهر.

والتاريخُ يُذكّرنا — كما أشرتُ في حديثي عن التابعين — أنّ الفراغَ الذي يَتركه أهلُ ميدانٍ تَملؤه قوىً في ميدانٍ آخر. فحين انشغلَ رجالُ الصفّ الأول بالإدارة والفتح، نَبَتَ العلمُ في بيوتٍ تَفرّغَت له وصبرت عليه، فأنجبت الحسنَ البصريَّ وسعيدَ بنَ المسيّب وعطاء بن أبي رباح (رحمهم الله جميعا). والعبرةُ أنّ المعنى لا يَحيا إلا حين يَجدُ من يَتفرّغُ له ويَحرسُه؛ فإن تركناه بلا حُرّاسٍ ذبَل وإن شَمختِ المباني.

ولستُ هنا أنعى، فنحن في قطر نَملكُ ما لا يَملكه كثيرون: إرادةً سياسيةً تُؤمن بالإنسان، ومجتمعاً يُكرّمُ العلمَ، وموارد تَكفي لِنُحسنَ الاختيار. ومن مَلَكَ هذه الثلاثَ يَستطيعُ — إن وَعى الدرسَ — أن يَبنيَ المبنى دون أن يَخسرَ المعنى. وذلك يَبدأ من قرارٍ بسيطٍ في جوهره، عسيرٍ في تطبيقه: ألّا نَقيسَ نجاحَ الجامعة بعدد خرّيجيها، ولا بفخامة مبانيها، ولا بعدد مناصبها العليا؛ بل بما تُنتجُه من معرفة، وما تَغرسُه في خرّيجيها من سؤالٍ وبوصلة، وما تَصونُه في مختبراتها من عقولٍ لم تَستنزفها المكاتب.

إنّ المباني تُبنى في سنوات، أمّا المعاني فتُغرَس في أجيال. والأممُ التي أدركت هذا قدّمت المعنى وجعلت المبنى خادماً له؛ والتي نَسِيَته وجدت نفسَها — كما في المشهد الذي رسمه كوليني — تَملكُ صروحاً عاليةً وأرواحاً خاوية. ونحن، بإذن الله، أهلٌ لأن نَختارَ الطريقَ الأحكم: أن يَبقى المبنى لنا، وأن يَبقى المعنى فينا.

مساحة إعلانية