رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
◄ هل هناك زيادة في أجر الصائم في اليوم الصائف الحار؟
► الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ، إن في الصوم الخير الكثير والثواب الجزيل عند الله تعالى، وهو من أفضل العبادات فرضا كان أو نفلا.
فمن صام لله يوما واحدا إيمانا واحتسابا باعده الله عن النار سبعين سنة، ففي الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا. وفي رواية: ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا.
◄ ما هي كفارة من أفطر عامدا بلا عذر في نهار رمضان ؟
► لا شك أن الفطر في نهار رمضان بغير سبب شرعي كبيرة عظيمة، وخطأ جسيم لا يجوز الإقدام عليه. فإن كان الفطر بسبب الجماع كان أعظم من غيره، لأن من جامع في نهار رمضان متعمداً وجب عليه القضاء والكفارة وهي: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد من بر أو نصف صاع من تمر، أو أرز، أو غير ذلك من قوت البلد، ولو صنعت لستين مسكيناً طعاماً وجمعتهم عليه لكان حسناً، ولو كلفت شخصاً ثقة - إمام مسجد، أو غيره - بتوزيعها، فلا حرج، لكن لابد من التأكد من معرفته بطريقة توزيعها. أما من أفطر بالأكل أو الشرب ونحوهما فلا يجب عليه إلا القضاء في قول أكثر أهل العلم، لكن يلزمه التوبة والاستغفار، لأن الفطر بدون عذر شرعي معصية عظيمة ، والله أعلم.
◄ متى تصوم الحائض ؟
► انقطاع دم الحيض عن المرأة قبل طلوع الفجر -ولو بلحظة- يوجب عليها الإمساك وصيام يومها، ولو طلع عليها الفجر وهي لم تغتسل من الحيض فصومها صحيح، فلا يشترط لصحة الصوم الغسل من الحيض أو الجنابة، وبإمكانها أن تغتسل بعد ذلك؛ لكن لا يجوز لها تأخير الغسل حتى تفوتها صلاة الفجر.
قال الإمام مالك في المدونة: إن رأت المرأة الطهر قبل الفجر اغتسلت بعد الفجر وصيامها مجزئ عنها.
وعليه درج الشيخ خليل فقال: ووجب الصيام إن طهرت قبل الفجر وإن بلحظة.
والله أعلم.
◄ متى نكلف أبناءنا بصيام الفريضة ؟
► إن قلم التكليف لا يجري إلا على من كان بالغًا، فمن لم يبلغ فإنه لا يجب عليه الصيام ولا غيره من العبادات لقوله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم. أخرجه أبو داود وغيره. والبلوغ يحصل بالاحتلام، أو بظهور شعر العانة، أو بأن تحيض الأنثى .
◄ الصوم في السفر ؟
► يجوز للصائم أن يفطر إذا سافر أثناء النهار وهو صائم، لما رواه مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب. انتهى.
وروى مسلم أيضاً عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهاراً ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر.
◄ صيام من يستعمل أدوية ؟
► إذا كنت تخشى خشية تستند إلى تجربة راسخة أو خبر طبيب ثقة أنك ستتضرر إذا لم تأخذ الدواء، ولم يمكن تناول الدواء في غير وقت الصيام. فلا حرج عليك في الإفطار؛ لقول الله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. {البقرة:184}. فتفطر وتقضي الأيام التي أفطرتها بعد رمضان، وننصحك باستشارة الطبيب حول إمكانية تناول الدواء في غير وقت الصيام، فإن أخبرك بإمكانية ذلك فخذه، وإن زال عنك المرض لم يجز لك الفطر والله أعلم.
◄ صيام مرضى السكري ؟
► مرض السكر وإن كان مرضاً مزمناً إلا أنه أنواع، فمنه ما يشق معه الصوم على المريض ويضر به، فإن كان أبوك من هذا النوع فلا يجوز له أن يصوم لقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) والنهي هنا يشمل قتل الروح، ويشمل ما فيه ضرر، ويكفيه إخراج الكفارة عما أفطره، أما إن كان من مرضى السكري الذين مرضهم خفيف بحيث لا يؤثر الصوم عليهم، فيلزمه القضاء ولا تجزئه الكفارة. والله أعلم.
◄ المرأة إذا حاضت قبل غروب الشمس ؟
► من شروط صحة الصوم بل من شروط جوازه الخلو من الحيض، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أليس إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم" أخرجه البخاري.
وعليه فإن من رأت الدم قبل الغروب ولو بلحظة فصومها فاسد وعليها القضاء، لقول عائشة رضي الله عنها: " كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" متفق عليه ، والله أعلم.
◄ صيام من أصبح على جنابة ؟
► استحب بعض أهل العلم لمن كان جنبا في إحدى ليالي رمضان ألا يدخل الفجر عليه إلا وقد اغتسل من جنابته ، لكن من أدركه الفجر وهو جنب فما عليه إلا الاغتسال فقط وصيامه صحيح.
والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع ثم يغتسل ويصوم" وزاد مسلم في حديث أم سلمة (ولا يقضي). والله اعلم.
◄ صيام الحامل والمرضع وكفارة الصيام ؟
► لا إثم على المرأة في فطرها لأجل الحمل والرضاعة إذا كان الغالب على ظنها أنها تتضرر بالصوم أو يتضرر به ولدها، وليس من شرط حصول غلبة الظن بالتضرر مراجعة الطبيبة، بل إن ذلك قد يُعرف بالعادة والتجربة.
والواجبُ على المرأة حسابُ الأيام التي أفطرتها في هذه الرمضانات، ثم تقضي هذه الأيام عند الاستطاعة.
وإن كان فطرها لأجل الولد فعلى وليه إطعام مسكين عن كل يوم أفطرته ولا يلزمها التتابع في قضاء رمضان، بل يجوز أن تصوم أيام القضاء متفرقة أو متتابعة، وإن كان التتابع أولى.
- حال كبير السن في الصيام وهل يصام عنه؟
- نسأل الله لأبيك الشفاء من كل داء، واعلم أنه إذا كان عاجزاً عن الصيام عجزاً دائماً فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم مداً من طعام، لقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ {البقرة:184}، فإذا عجز عن الإطعام لم يلزمه شيء.
قال ابن قدامة في المغني: فإن كان عاجزاً عن الإطعام أيضاً فلا شيء عليه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. انتهى.
فإذا أيسر أبوك فيما بعد فالفدية في ذمته يجب عليه إخراجها، وأما أن تصوم عن أبيك فلا يشرع هذا لأن كل نفس بما كسبت رهينة، وإنما دل الدليل على مشروعية الصوم عن الميت فيقتصر عليه والله أعلم.
قطر وألمانيا.. تعاون إستراتيجي مثمر
يتجه التعاون الاستراتيجي بين دولة قطر وجمهورية ألمانيا الاتحادية، نحو آفاق واعدة، في ظل الزيارات المتبادلة على أرفع... اقرأ المزيد
81
| 06 فبراير 2026
الذكاء الاصطناعي في الميزان!
تنامي التطور العلمي في عصرنا وصل لدرجات لا يمكن للعقول البشرية تَحمّلها أو توقعها، وصارت حياة غالبية الناس... اقرأ المزيد
276
| 06 فبراير 2026
الارتباط الوثيق بين الأزمات وعملات الدول
تعودنا منذ عقود على اعتبار العملة الخضراء مقياسا لوزن الدول. فالأقوى اقتصادا والأكثر تأثيرا في معاملات التجارة والصناعة... اقرأ المزيد
138
| 06 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2127
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
945
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
705
| 04 فبراير 2026