رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في تصريح جديد فج ومثير للأعصاب وبالغ الوقاحة قالت تسيبي ليفني في تصريحات حديثة إن هناك "توافقا إسرائيليا مصريا على خنق حماس". هناك حاجة فورية لتصريحات مصرية رسمية تشرح للرأي العام ما جاء على لسان ليفني، وطبعا تنفيه على الأقل، وهي الوزيرة التي أسهبت في تصريحها ذاك وقالت عندما أقول "نحن" فأنا أقصد إسرائيل ودول عربية عديدة لم تتردد عن تعدادها واحدة بعد الأخرى، وعلى رأسها مصر. مجريات الحرب الوحشية والإبادية التي تخوضها إسرائيل ضد الفلسطينيين وهم تحت الحصار ومعابر "الأشقاء" مغلقة في وجوه جرحاهم ومعاقيهم الذين تجاوزا العشرة آلاف جريح تؤشر مع الأسف باتجاه صدقية تصريحات ليفني الوقحة. والمواقف العربية الرسمية الغائبة والمتواطئة هي الأخرى مع الحرب الإسرائيلية تؤشر ومع الأسف مرة ثانية إلى صدقية ما نطقت به ليفني. كما الاندهاش المتواصل لمسؤولين أمريكيين وغربيين من الصمت العربي "المدوي" وتعليقاتهم العلنية على أنهم لم يروا أبداً في الماضي مثل هذا المستوى من "التعاون" بين إسرائيل وبعض العرب ضد المقاومة الفلسطينية يؤشر أيضاً إلى صدقية تصريحات ليفني. تعزز ذلك كله الاعترافات المتواترة يوما بعد يوم من قبل مسؤولين وإعلاميين إسرائيليين حول مستوى "التنسيق" مع عواصم عربية خلال الحرب. وكأن الجميع لا يريد أن يترك مجالا لأي شك. التصريحات الإسرائيلية التي تريد أن تخرج مما يتم في السر إلى العلن ليست أخطاء إعلامية، أو زلات لسان، بل هي مقصودة وتريد أن تحقق واحدا من أهداف الحرب الجانبية. تريد إسرائيل أن تنتهي من مسألة التعامل سرا مع الأنظمة العربية، وتريد أن تخرج ذلك التعامل والتعاون إلى النور، لتقول للجميع بأنها دولة "عادية" في المنطقة، وتتعاون مع جيرانها ضد الأعداء المشتركين، وهذه المرة "حماس والإسلام السياسي" هو العدو المشترك. وهذا ما قاله بالحرف تقريبا شاؤول موفاز وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق منذ عدة أيام، متغنيا بالفرصة الذهبية ووجود معسكر اعتدال عربي عريض يقف مع إسرائيل، ومع ذلك كله ورغما عنه علينا أن نتساذج ونحسن الظن ونرفض ما يأتي على ألسنة عسكريي وسياسيي وإعلاميي إسرائيل، بل ونمعن في إحسان الظن بـ"الأشقاء" ونقول إن إسرائيل وناطقيها يصطادون في الماء العكر، لكن المسألة ليست أقوالا ولا تصريحات، بل هي أفعال على الأرض، وهذه الأفعال تقول إن بقاء معبر رفح مغلقا والتقارير الإعلامية المتزايدة التي تشير إلى أن مصر تزداد تشددا في مسألة فك الحصار عن القطاع وفتح المعبر تدمر كل نوايا حسن الظن المتآكلة حول المواقف العربية عموماً وإزاء الدور المصري الراهن على وجه الخصوص.
بعيدا عن حسن الظن أو سوئه، يمكن أن نحلل الموقف المصري من الحرب القائمة ومن حاضر ومستقبل قطاع غزة من منظور واحد يتيم وهو العداء لحماس باعتبارها التمثيل الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين التي يعتبرها النظام المصري العدو رقم واحد في عالمه المُتوهم. معنى ذلك أن كل العوامل الأخرى والمعطيات، سواء الراهنة أو المُتطورة سوف تُخضع قسرا لهذا المنظور قصير المدى، ما تقوم عليه النظرة المصرية هو عدم خروج حماس بصورة المنتصرة مهما كلف الأمر بلو الانتهاء إلى صيغة تهدئة في المفاوضات الجارية تزيد من الحصار على حماس وتضعفها... وتخنقها، وهو الخنق الذي تحدثت عنه ليفني، مشكلة هذا المنظور. ومن ناحية تحليل سياسي بارد وبعيدا عن العواطف وعن التوقعات الأخوية، أنه قصير النظر وليس له أفق في النجاح، فضلا عن انعكاساته السلبية على مصر ذاتها. فمن ناحية أولى لم تعد المسألة مسألة حماس ولا مطالبها، بل هي مسألة ومطالب وحقوق الفلسطينيين كلهم. لقد نجحت المقاومة إلى حد كبير في أن تعيد إنتاج مطالبها في سياق المطالب الفلسطينية الأعرض والأهم، والتي قام حولها إجماع فلسطيني من غزة إلى رام الله، هذه المرة، وبسبب خطل حسابات الحرب النازية ومناصريها ضد قطاع غزة، حدث عكس ما كان مخططا له: لم يكن هناك من خيار أمام السلطة الفلسطينية في رام الله والتي تآكل رأسمالها السياسي والوطني إلى ما هو قريب من نقطة الصفر، إلا الاقتراب من مطالب المقاومة وتبنيها، لأنها مطالب الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة. وعبر هذا الاقتراب والتمثيل الفلسطيني الموحد في مفاوضات القاهرة أحبط هدف آخر للحرب وهو إعادة تقسيم الفلسطينيين وتخريب المصالحة الفلسطينية. لقد عززت الحرب تلك المصالحة، وربما سوف ترسخ الوحدة الفلسطينية، وبانتظار النتيجة النهائية للمفاوضات. وعلى رأس مطالب الفلسطينيين هناك مسألة فك الحصار، والتي يُطالب العالم بها، وحتى أوباما قد تحدث عنها. على ذلك فإن مسألة خنق المقاومة الفلسطينية سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة لم تعد ممكنة من ناحية عملية إلا عبر طريقة واحدة وهي خنق القطاع كله. وخنق سكانه الـ 1.8 مليون فلسطيني هناك. سوف نتجاوز هنا عن مدى التواطؤ في مسألة المساهمة في خنق المقاومة ونضع ذلك جانبا، لكن نركز على أن هدف إسرائيل والمتواطئين معها في إنجاز هذا الخنق لم يعد ممكناً.
الركن الثاني لمنظور "خنق المقاومة" يقوم على التالي: هذه المقاومة هي التي تسببت في إراقة دماء الفلسطينيين لأنها لم تكن رشيدة ولم تقدر عواقب الرد الإسرائيلي المتوحش. والمرحلة القادمة يجب أن تقوم على "تعقيم" قطاع غزة من المقاومة، كما تم "تعقيم" الضفة الغربية من المقاومة. وبعدها لن تُراق الدماء الفلسطينية. تتوازى مع ذلك إعادة إعمار القطاع بأموال خليجية لا تمر عبر حماس حتى يعيش الناس في حالة أخرى، بعيدا عن النار والمقاومة، ويستشعرون الفرق. هذا الحل السينمائي يفترض الغباء الفادح عن الآخرين وعند الفلسطينيين خصوصاً. ذلك أنه حل طبق في الضفة الغربية على مدار العقد الماضي ولم يستشعر الفلسطينيون الفرق، فالذي حصل هناك أن حققت إسرائيل كل أهدافها بالجملة أو بالتقسيط: أنهت المقاومة، وواصلت مهزلة المفاوضات حتى تقول للعالم بأن "عملية سلمية" لا تزال قائمة. وبالتوازي مع ذلك واصلت توسيع الاستيطان وتعميقه، وتهويد القدس وصهينتها... وفي الظل كان الفلسطينيون يزدادون فقرا وذلا هذه المرة. منظور "خنق المقاومة" و"إعمار غزة" في الوقت نفسه هو خدعة تافهة تم تجريبها من قبل، وعلى الوافدين حديثا إلى دفة القيادة السياسية في مصر أن يقرأوا ذلك مليا حتى لا يتورطوا فيما لن يجر إلا السوء على مصر.
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
524
| 26 أكتوبر 2015
هل (ولماذا) فشل الربيع العربي؟
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً... اقرأ المزيد
1453
| 12 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
553
| 28 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1950
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1350
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1164
| 11 أكتوبر 2026