رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

513

سعدية مفرح

لماذا نهرب من الحقيقة.. أحياناً؟

11 أغسطس 2025 , 01:23ص

هناك لحظات لا تحتاج فيها الحقائق إلى من يبحث عنها، إذ تأتيك وحدها، بكامل ملامحها الواضحة، كما لو أنها تقف أمامك وتقول؛ أنا هنا. ورغم ذلك، يختار المرء أحيانًا أن يدير وجهه عنها، كأنه يخشى أن يلتقي بعينيها فيكتشف في انعكاسهما شيئًا لا يريد الاعتراف به. ذلك الاختيار ليس دائمًا بدافع الجهل، بل قد يكون وليد خوفٍ من يقينٍ لا يترك مساحة للهرب، أو من مسؤوليةٍ ستثقل الكتف إن أقرّ بها.

إن الوضوح، على قسوته، أرحم من العيش في منطقة الظلال. لكن النفس البشرية بارعة في ابتكار ستائر كثيفة، تخفي بها ما تعرفه مسبقًا، لتبقى في مساحة بينية، تتظاهر فيها بالبحث عن الحقيقة وهي تعرف جيدًا أين تقف. هناك مثلا من يفسّر علامات الطريق على هواه، لا لأنه لا يفهمها، بل لأنه لا يريد الوصول إلى المحطة التي تشير إليها.

والتجاهل، بهذا المعنى، ليس غيابًا عن الوعي، بل فعل وعيٍ مضاد، يلتف على نفسه ليصنع منطقة آمنة مؤقتة، تمامًا كما يغمض الطفل عينيه ظنًا منه أن الظلام سيجعل الخطر يختفي. لكن في حياة الكبار، لا يختفي الخطر حين نغمض أعيننا، بل يزداد رسوخًا، ويستقر في زوايا حياتنا حتى يصير جزءًا من هوائها.

المفارقة أن الحقائق التي نتظاهر بعدم رؤيتها لا تغادر، بل تنتظر بصبرٍ لا يُصدق. قد تطرق بابك مرةً في لحظة هدوء، ثم تعود لتطرق في قلب عاصفة، ثم تقرر أن تجلس أمامك، حتى وأنت تواصل الانشغال عنها. هي تعرف أنك تراها، وأنك لم تخدع أحدًا إلا نفسك. ولعل أشد أنواع الإنكار إيلامًا هو ذاك الذي يدرك فيه المرء أنه يرى الحقيقة بوضوح، لكنه يصر على تصنيفها في خانة الشك، كي يحتفظ لنفسه بحق البقاء حيث هو.

يظن بعضنا أن تجاهل ما هو واضح يمنحهم فسحة أمان، لكنه في الواقع يؤجل فقط لحظة الاصطدام. والاصطدام المؤجل أقسى من المباشر، لأنه يأتي محملًا بوزن الأيام التي قضاها المرء في بناء قلعته الورقية، معتقدًا أنها منيعة. وعندما ينهار كل شيء في لحظة، يدرك فجأة أن كل ذلك الجهد كان مكرسًا لحماية وهم، لا لحماية نفسه.

ليس الاعتراف بالحقيقة عملًا سهلًا، لكنه في جوهره فعل تحرير. أن تواجه ما تعرفه، حتى لو كان موجعًا، يعني أنك اخترت أن تمشي على أرض صلبة بدلًا من أن تواصل الدوران على رمال رخوة. والمرء حين يفتح عينيه على اتساعهما، يكتشف أن الوضوح لا يقتله، بل يمنحه قوة لم يكن أن يتصور أنه يملكها، لأن الشجاعة الحقيقية ليست في خوض معركة ضد خصم مجهول، بل في مواجهة ما تعرفه جيدًا وتخشى أن تنطق باسمه.

وثمة حقيقة لا بد من الاعتراف بها؛ نحن لا نتهرب من الواقع لأنه غامض، بل لأنه واضح إلى حد يربكنا. فالغموض يترك للخيال مساحة للترتيب والتأويل، أما الوضوح فيحشرنا في زاوية ضيقة، لا يسعنا فيها سوى أن نقرر؛ إما أن نعترف ونمضي، أو نستمر في تجاهل لا يحمي أحدًا من تبعاته.

ويظل السؤال معلقًا: ما الذي نكسبه فعلًا حين نغض الطرف عما نعرفه؟ ربما لحظات قصيرة من سلامٍ كاذب، لكنها تنقضي، تاركة وراءها صدى الحقيقة يزداد قوة مع كل تجاهل جديد. وما إن يحين الوقت الذي لا يعود فيه ممكناً التهرب، نكتشف أن مواجهة الحقيقة في بدايتها كانت أيسر ألف مرة من مواجهة تراكماتها بعد أن تضخمت وصارت جبلاً لا سبيل لتجاوزه إلا بتسلقه، حجرًا بعد حجر، وجملة بعد جملة، حتى نصل إلى قمته ونرى العالم من علٍ، خاليًا من كل تلك الستائر التي علّقناها بأيدينا يوم اخترنا ألا نرى.

مساحة إعلانية