رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد دأب حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، على إبراز أهمية تنويع مصادر الدخل الوطني، كخيار إستراتيجي، خاصة في كلمات سموه، بمناسبة افتتاح دورات الانعقاد العادي المتعاقبة، لمجلس الشورى في السنوات الخمس الأخيرة. حيث بيّن أن الإستراتيجية الشاملة للتنمية الوطنية، تشمل من بين أهدافها، تنويع مصادر الدخل، الذي يمثل خياراً إستراتيجياً لا غنى عنه. وقد تم إعداد "الإستراتيجية الشاملة للتنمية الوطنية بالتنسيق مع القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني تحقيقاً لمبدأ الشراكة الكاملة لمكونات المجتمع، وسعياً لضمان التنفيذ والالتزام على الصعيدين التخطيطي والتنفيذي".
رؤية قطر الوطنية 2030
من جهة أخرى، استندت رؤية قطر الوطنية 2030 إلى أربع ركائز مترابطة تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتشكل تلك الركائز الإستراتيجية التنموية لدولة قطر، وهذه الركائز هي التنمية البشرية، التنمية الاجتماعية، التنمية البيئية والتنمية الاقتصادية. ومن أهم تلك الركائز التنمية الاقتصادية التي تعتبر مقدمة وشرطاً لازماً لتحقيق الركائز الأخرى، والتي تهدف إلى تنمية اقتصاد متنوع الأنشطة ومصادر الدخل، واقتصاد تنافسي قادر على تلبية احتياجات الاقتصاد الوطني والمجتمع من السلع والخدمات، وإلى تأمين مستوى معيشي مرتفع حاضراً ومستقبلاً.
مساهمة القطاع الخاص
وقد أناطت الإستراتيجية، بالقطاع الخاص، مهمة المساهمة الفاعلة في تحقيق التنوع الاقتصادي وتنوع الدخل. وقد كان هذا التكليف تجسيداً لرؤية سمو الأمير لدور القطاع الخاص القطري، تلك الرؤية التي تتضمن مشاركة القطاع الخاص، بدور خلاق في عملية التنمية، ومبادرته بتطوير مشاريع مبتكرة وعصرية، وقيامه بتنمية البحوث وتطوير الصناعات، ومساهمته في تنويع مصادر الدخل الوطني.
تطوير القطاع الخاص
لتمكين القطاع الخاص من تنفيذ رؤية سمو الأمير الإستراتيجية، والمساهمة في تحقيق الإستراتيجية التنموية الوطنية تنفيذاً لرؤية قطر الوطنية 2030، بالتالي المساهمة في تنوع الأنشطة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل، لابد من اعتماد خطة واضحة وإستراتيجية لتطوير القطاع الخاص وتأهيله للعب دوره المنشود وفقاً لرؤية قطر الوطنية، على أن تشمل تلك الخطة، إزالة نقاط الاختناق والعوائق، التي تعترض القطاع الخاص، وحل المشاكل الملحة.
لذا تبرز أهمية تطوير القطاع الخاص، وإزالة العوائق وحل المشاكل، التي تعترض تطوره، وتحسن الموقف العام تجاه القطاع الخاص، والنظر إليه كمجموعة رواد ومبادرين وشركاء في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولتطوير القطاع الخاص، لابد من جهدين متوازنين: (أ) جهد ذاتي تقوم به مؤسسات القطاع الخاص، و(ب) جهد تنموي وداعم تقوم به الدولة.
من حيث الجهد الذاتي، يجب أن تبادر وحدات القطاع الخاص، إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة من النمو، تضمن مساهمة ذات قيم مضافة وزيادة القدرة التنافسية في الأسواق المحلية من جهة، وحتى في الأسواق العالمية والإقليمية من جهة أخرى. بما يتطلب ذلك، أن تأخذ وحدات القطاع الخاص، بالأساليب العلمية العصرية في التطور والتوسع، وتوزيع السلطات والمسؤوليات، وإبراز الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية لرأس المال، من خلال المساهمة الفاعلة في تحقيق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورؤية قطر الوطنية 2030.
أما من حيث الجهد التنموي، فيتطلب تطوير القطاع الخاص، وضع خطة تهدف إلى تذليل العقبات، وحل المشاكل، التي تعترض القطاع الخاص، وإيجاد حلول للوفاء باحتياجات القطاع الخاص الآنية والمرحلية على المدى القصير، أما إستراتيجياً، فيجب اعتماد رؤية وخطة عمل، وتحديد الأهداف خلال السنوات العشر القادمة، ووضع جدول زمني لتحقيق تلك الأهداف وتطبيق الرؤية وخطة العمل ومتابعتها.
واقع الاستراتيجية
إذاً فالرؤية واضحة وتسابق الزمن، والاستراتيجية معتمدة لتحقيق تلك الرؤية فهل نجح القطاع الخاص في أداء المهمة؟، وهل قامت الدولة ممثلة بوزاراتها ومؤسساتها وهيئاتها العامة بالجهد التنموي المطلوب؟ في حقيقة الأمر، وفي الوقت الذي تراخت فيه بعض وحدات القطاع الخاص، في أداء المهمة المنشودة، بسبب استمرار العوائق والنظرة السلبية للقطاع الخاص، التي ما زال بعض المسوؤلين يعتمدونها في ذلك الوقت، وعلى الرغم من استمرار تلك العوائق والصعوبات، لا بل تنوعها، قامت بعض وحدات القطاع الخاص، بالدور المأمول والمنشود، متغلبة على العوائق، ولم تنتظر النائمين، مسجلة بذلك قصة نجاح جديرة بالإشادة ولاعتمادها كمثال يحتذى.
قصة نجاح
قامت ثلة من رجال الأعمال، مؤمنة بقوله تعالى "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، ومسترشدين بتوجيهات سمو الأمير، بتأسيس شركة قطر لسحب الألومنيوم، آملين التمتع بمزايا وحوافز تشجعية للمساهمة في تحقيق الرؤية والإستراتيجية الوطنية لتنويع مصادر الدخل. أما الواقع، لم يتغير، وكان على الشركة أن تواجه نفس المشكلات التي يعاني منها القطاع الخاص بشكل عام، في ظل هذه الأجواء أبحرت سفينة قطر لسحب الألومنيوم، محققة قصة نجاح جديرة بأن تكون قدوة ومثالاً يحتذى، كما هو مبين أدناه:
ليس انحيازاً، إنما بموضوعية مطلقة، أود أن أسجل بإيجاز شديد قصة نجاح القطرية لسحب الألومنيوم.
هل يتوقع أحدنا أن شركة قطرية، تورد مواد لتشييد مقر الإدارة الرئيسية لشركة غوغل في لوس انجلوس. وأن تورد أنابيب ألومنيوم لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) تستخدم في الصواريخ التي تطلقها الوكالة. وكيف تمكنت هذه الشركة القطرية من المنافسة المحلية، وفي الأسواق العالمية والإقليمية، وحتى في الولايات المتحدة نفسها. هذه إحدى حقائق إنجازات القطرية لسحب الألومنيوم، وفيما يلي قائمة الإنجازات المتحققة خلال 10 سنوات من عمر الشركة:
المشاريع التي تم تنفيذها داخل دولة قطر باستخدام منتجات الشركة، معظم المشاريع الخاصة باستضافة دولة قطر لكأس العالم 2022، على سبيل المثال لا الحصر: ريل قطر – أبراج كتارا – أبراج لوسيل قطر، جزيرة جيوان، جزيرة قطيفان، بالإضافة إلى المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية ومدينة مشيرب وبعض ملاعب كأس العالم قطر 2022.
المشاريع التي تم تنفيذها في الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام منتجات الشركة: استاد كرة القدم في مدينة سينسيناتي في ولاية (أوهايو)، والمبنى الرئيسي لشركة غوغل في ولاية كاليفورنيا.
HANGER ONE BUILDING/ MOUNTAIN VIEW CALIFORNIA، أنابيب ألومنيوم تستخدم في صناعة الصواريخ التي تطلقها وكالة ناسا، SPACEX- NASA. وفتح الأسواق الإقليمية والعالمية: تمكنت الشركة من فتح أسواق تصديرية والمنافسة فيها وهي: الكويت، العراق، الأردن، فلسطين، سلطنة عمان، اليمن، تونس، المغرب، كندا، أستراليا ودول الاتحاد الأوروبي والتوسع والاستحواذ على شركة منافسة خلال بضع سنوات من المباشرة بالإنتاج.
ختاماً، وقد ثبت نجاح الشركة في أداء المهمة، وبأن القدرة على المنافسة ليست حكراً على شركات معينة، ولتكن قصة النجاح هذه دافعاً لتقديم الحوافز، وتذليل العقبات، وحل المشاكل، التي تعترض نمو القطاع الخاص.
”هذه المقالة ، لا تعبر بالضرورة ، عن رأي القطرية لسحب الألومنيوم» .
عضو مجلس إدارة القطرية لسحب الألومنيوم
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4938
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4779
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1608
| 13 مايو 2026