رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أثناء إجازتي التي أمضيتها في أيسلندا والنرويج هذا العام، قضيت أسبوعين في التنزه سيرًا على الأقدام وزيارة الوجهات السياحية. وخلال الرحلة بأكملها، لم أستخدم النقود الورقية ولو في معاملة واحدة. وتُصنف النرويج باعتبارها واحدة من أكثر الدول المتصلة رقميًا، حيث تتم 3- 4 ٪ من المعاملات المالية فقط باستخدام الأموال النقدية. وقد يتصور المرء أن عالم التجزئة القائم على استخدام وسائل التكنولوجيا الفائقة يقتصر على الاقتصادات المتقدمة فحسب، ولكن هذا الأمر ليس صحيحًا.
ورغم أن المعاملات النقدية لا تزال هي المهيمنة في قارة أفريقيا، يتزايد استخدام المدفوعات الرقمية بوتيرة سريعة. وقد أفاد تقرير صادر عن شركة ماكينزي في عام 2022 أن الدول الأفريقية، ولا سيَّما مصر ونيجيريا وغانا وكينيا وجنوب أفريقيا، تعمل على تطوير البنية التحتية وأطر السياسات اللازمة لدعم هذا النمو. وتعكف منطقة التجارة الحرة في قارة أفريقيا على تطوير نظام الدفع والتسوية الأفريقي. وفي عام 2021، شهدت المدفوعات التي تتم عبر الجوال نموًا بنسبة 39 % في أفريقيا، مع ارتفاع قيمة هذه المعاملات إلى أكثر من 700 مليار دولار، أي ما يقرب من 70 % من قيمة المدفوعات العالمية باستخدام الجوال. وبشكل متزايد، باتت المدفوعات الإلكترونية تتم بطريقة آنية. ويعزز هذا التطور من التبادل التجاري عبر الحدود.. وما يحدث في العديد من الاقتصادات التي كانت تفتقر إلى البنية الأساسية الشاملة للنطاق العريض هو أنها تخطت شبكة الويب 1.0 واتجهت مباشرة إلى تكنولوجيا الهاتف الجوال. وكانت الآثار الاجتماعية لهذا التحول رائعة، حيث يمتلك أقل من نصف السكان في أفريقيا حسابًا مصرفيًا، في حين تمتلك نسبة كبيرة منهم هاتفًا جوالاً. ويتميز نظام تحويل الأموال عبر الهاتف الجوال بأنه تحويل سلس تديره الشركة المشغلة لشبكة الهاتف الجوال، بشكل مستقل عن النظام المصرفي. ويمكن ربط المحفظة الرقمية أو الإلكترونية بحساب مصرفي، وتعمل بطريقة مماثلة، عادةً مع الهاتف الذكي. ويمكن لهذه المحافظ أن تقدم خدمات مثل دفع الفواتير وتحويل المدخرات، بالإضافة إلى معاملات البيع بالتجزئة.
وبالنسبة لتجار التجزئة، يمكن أن يكون النقد محفوفًا بالمخاطر ومكلفًا، من حيث إجراءات نقل الودائع النقدية إلى البنك، وضمان أمن هذه الودائع. وتتميز عمليات الدفع بالبطاقات والهاتف الجوال بأنها سريعة وسهلة للعملاء. وبالنسبة للحكومات، يُعد تصنيع الأوراق النقدية وسك العملات المعدنية أمرًا مكلفًا، خاصة بالنسبة لأوراق البوليمر فائقة التقنية المصممة للحد من تزوير العملات. ومع حلول المعاملات الرقمية محل النقد، باتت الحكومات ووكالات تنفيذ القانون في وضع أفضل يتيح لها إمكانية تقليل فرص التهرب الضريبي والتجارة غير القانونية وغسيل الأموال. وتترك المعاملات الرقمية سلسلة من البيانات، في حين لا يمكن تعقب الأموال النقدية فعليًا. وتُعد المخاوف المتعلقة بالخصوصية أحد الاعتبارات المهمة. فرغم أن القدرة على تتبع المدفوعات أمر مبرر بالنسبة لوكالات تنفيذ القانون لتعقب العصابات الإجرامية المشتبه بها، إلا أن ذلك قد يشكل انتهاكًا لحقوق حماية البيانات للمواطنين الملتزمين بالقانون، لذلك يجب أن تكون التشريعات متوازنة وأن تُنفذ بشكل فعال. وهناك مخاوف من إمكانية اعتماد كبار السن من ذوي الدخل المنخفض الذين لا يمتلكون هاتفًا ذكيًا أو خدمات مصرفية عبر الإنترنت على الأموال النقدية. بالإضافة إلى ذلك، يختار بعض الأشخاص عدم الاتصال رقميًا على الإطلاق، إما بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، أو لمجرد تفضيلات شخصية. وفي نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اتخذت السويد واحدة من أكثر الخطوات عزمًا بإقدامها على استبدال المعاملات النقدية بالمعاملات الرقمية، ولكن الحكومة اضطرت إلى التراجع جزئيًا بعد تعرضها لانتقادات. وفي أوائل عام 2020، أصدرت الحكومة السويدية قانونًا يلزم البنوك بتقديم الحد الأدنى من الخدمات النقدية. وتشهد قطر معدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 14 % في استخدام المدفوعات الرقمية. وفي عام 2021 وحده، ارتفعت مدفوعات التجارة الإلكترونية عبر نظام QPay التابع لمصرف قطر المركزي بنسبة 53 %. وبحلول شهر يوليو 2023، وصل حجم المعاملات التي تمت عبر نقاط البيع الإلكترونية إلى 27.2 مليون معاملة بقيمة 6.48 مليار ريال قطري. كما أصبحت مراقبة دفع الأجور أسهل بفضل المدفوعات الإلكترونية. وشهدت دولة قطر في الماضي مشكلة التأخر في دفع الرواتب لا سيَّما في قطاع البناء. ومنذ عام 2015، بات هناك نظام لحماية الأجور يفرض عقوبة على صاحب العمل إذا تأخر عن دفع الراتب لأكثر من سبعة أيام، ولم يعد الدفع نقدًا مرحباً به. وهناك ميزة أخرى، في سياق الاقتصادات على غرار الاقتصاد القطري الذي يسعى إلى التنويع وعدم الاعتماد على النفط والغاز، وهي تشجيع قطاع التكنولوجيا المالية، حيث لا يمكن إجراء عمليات الدفع عبر الهاتف الجوال وغيرها من أشكال الدفع الرقمي إلا في حالة وجود نظام فعال وآمن. ومع ذلك، لا يوجد نظام رقمي خالٍ من العيوب. ولا يمكن مكافحة التجارة غير المشروعة والتهرب الضريبي باستخدام التكنولوجيا وحدها، فلابد من وجود قوانين فعالة وهيئات تنظيمية قوية، ولكن الحد من استخدام الأموال النقدية سيساعد في هذا الأمر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4809
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1494
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026