رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حذر صندوق النقد الدولي من أننا قد نكون بصدد دخول أكبر أزمة للطاقة في العصر الحديث. وتُهيمن المخاطر السلبية على المشهد الاقتصادي في أعقاب اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة أخرى، وما صاحبه من توقف شبه تام لحركة التجارة عبر مضيق هرمز. تشير التوقعات إلى أن الآفاق المستقبلية تُعدُ سيئة بالنسبة للاقتصادات الناشئة، في ظل مواجهتها لفواتير أعلى وتراجع في قيمة عملاتها. وقد أدى النزاع، الذي اندلع خلال موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، إلى تقليص إمدادات الأسمدة والطاقة وغيرها من السلع الأساسية. ولحسن الحظ، كان النمو الاقتصادي في تصاعد قبل اندلاع النزاع، فيما ظلت معدلات التضخم تحت السيطرة، وازدهرت حركة التبادل التجاري. وتمتلك العديد من الدول احتياطيات استراتيجية من النفط والسلع الأخرى، إلا أن هذه الاحتياطيات تظل محدودة بطبيعتها. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن تجارة الخدمات أثبتت قدرتها على الصمود في وجه التوترات الجيوسياسية؛ إذ باتت قطاعات مثل الخدمات المالية، وتكنولوجيا المعلومات، وخدمات الأعمال أقل تأثرًا وذلك بفضل المنصات الرقمية، والحوسبة السحابية، وآليات تقديم الخدمات عن بُعد. ومع ذلك، ستكون التكاليف المتزايدة للتجارة المادية كبيرة. وقد استعرض صندوق النقد الدولي ثلاثة سيناريوهات محتملة بشأن النزاع هي: سيناريو "مرجعي" يفترض أن يكون النزاع قصير الأمد؛ وسيناريو "سلبي" ينطوي على امتداد أمد النزاع؛ وسيناريو "شديد" يتوقع حدوث أضرار واسعة إضافية في منشآت النفط والغاز. وحتى في ظل السيناريو المرجعي، من المتوقع أن ترتفع أسعار سلع الطاقة بنسبة 19% في عام 2026، مقارنةً بانخفاضها الطفيف في أكتوبر 2025، بينما سترتفع أسعار النفط بنسبة 21.4%. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الغاز بنسبة أكبر، نظرًا لتكلفة وتعقيد إعادة عملية استئناف الإنتاج. كما من المتوقع ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتُهيمن المخاطر السلبية على المشهد. ففي السنوات الأخيرة، مال العديد من الاقتصاديين والمستثمرين إلى التقليل من شأن الجغرافيا السياسية باعتبارها مصدرًا للاضطراب الاقتصادي، بعدما شهدوا حالات عديدة من تصاعد التوترات دون تأثير يُذكر على الاقتصاد العالمي. ومن الأمثلة على ذلك النزاع القصير في يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران، والنزاعات الجمركية بين الولايات المتحدة والصين خلال العام الماضي، فضلاً عن الهجمات التي شنّها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر. إلا أن الوضع الحالي يختلف؛ إذ إن حجم الاضطراب الذي طال تجارة السلع الاستراتيجية كفيل بإحداث تغييرات ملموسة في آفاق النمو والتضخم على مستوى العالم. وحتى في حال تسوية النزاع خلال وقت قريب نسبيًا، فإن آثاره الاقتصادية لن تتلاشى سريعًا، بل سيظل له تأثير اقتصادي في مرحلة لاحقة. ومن المرجح أن يشهد الربع الثالث من عام 2026 أكبر ضربة للنمو، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم. وشدّد صندوق النقد الدولي على أهمية تبني أفضل الاستجابات السياسية، محذرًا من اتباع سياسات مالية ونقدية متساهلة في ظل تصاعد الضغوط التضخمية. كما أشار إلى أن التدابير الرامية إلى حماية المواطنين من ارتفاع تكاليف الطاقة ينبغي أن تكون مؤقتة وموجهة بدقة، لتفادي تصاعد الضغوط التضخمية. ومن المتوقع أن يصبح الإنفاق الدفاعي الإضافي أمرًا لا مفر منه، بما في ذلك في دول الخليج، وهو ما قد يحمل بعض الأثر الاقتصادي الإيجابي، لكنه قد يزاحم في المقابل الإنفاق الاجتماعي، وهو ما ينذر بمخاطر حدوث اضطرابات سياسية. وفي الوقت نفسه، يقرّ التقرير بإمكانية مساهمة تحسينات الإنتاجية الناجمة عن تبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إلا أنه يلفت إلى وجود حالة من عدم اليقين بشأن مدى تأثيرها المحتمل. وكانت اقتصادات دول الخليج قد دخلت هذه الأزمة وهي تتمتع بوضع مالي سليم، غير أن ذلك لا ينبغي أن يكون مدعاة للتراخي. فقد تمثل الهدف الاستراتيجي لصناديق الثروة السيادية وعوائد استثماراتها دائمًا في تأمين مستقبل ما بعد النفط، لا أن تُستخدم بوصفها احتياطيًا طارئًا لمواجهة أزمة غير متوقعة. وفي ظل هذه التحولات، تبدو قطر ودول الخليج أمام اختبار يتجاوز قوة الاحتياطيات المالية وارتفاع أسعار الطاقة، إلى القدرة على الحفاظ على الاستقرار وتسريع التنويع الاقتصادي وسط عالم أكثر اضطرابًا وأقل يقينًا. وقد أثبتت قطر قدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة، إلا أن المرحلة المقبلة قد تتطلب مرونة أكبر وحذرًا اقتصاديًا أعلى.
306
| 09 مايو 2026
يسرد البنك الدولي في تقرير حديث الآثار السلبية المتفاقمة للنزاع الحاصل في الخليج، ويشير إلى أن تداعياته ستكون وخيمة حتى في حال عدم استمرار الحرب لأشهر أو سنوات. ويؤثر النزاع بشكل مباشر على ارتفاع معدلات التضخم، حيث يؤدي اضطراب حركة التجارة إلى ارتفاع الأسعار، لا سيَّما أسعار الوقود والسلع الأخرى والمواد الغذائية. كما تسببت الحرب في تعليق أو تأخير شحنات البضائع وإغلاق بعض المجالات الجوية والمطارات، وهو ما أدى إلى تراجع حركة التجارة. وبالإضافة إلى ذلك، تأثرت حركة السفر سلبًا من جراء النزاع، كما ستنخفض التحويلات المالية من الدول المصدرة للنفط إلى دول أخرى في المنطقة، وكانت العديد من دول الخليج تتمتع بمراكز مالية قوية قبل اندلاع الحرب بفضل الانضباط المالي الذي ساد لسنوات قبل نشوب النزاع الراهن، إلا أن هذه المكاسب تراجعت بفعل الحرب التي استمرت لأسابيع معدودة، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط المالية، وفقًا لما أشار إليه التقرير. ويشير تقرير اخر لصندوق النقد الدولي، حدوث ركود أكثر حدة نتيجةً لاضطراب حركة التجارة وتضرر البنية التحتية الصناعية، إلى أن هذا النزاع ينبغي أن يدفع واضعي السياسات الاقتصادية، بما في ذلك المخططون الاقتصاديون في دول الخليج، إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم بشكل جذري. ويرى التقرير أن المخاطر السلبية هي الغالبة، محذرًا من إمكانية حدوث أكبر أزمة للطاقة في العصر الحديث. وأضاف التقرير ما يلي: "قد تتسبب زيادة الإنفاق الدفاعي، المدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية، في تعزيز النشاط الاقتصادي على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية، وإضعاف الاستدامة المالية والخارجية، فضلاً عن مخاطر تراجع الإنفاق الاجتماعي، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تأجيج حالة من السخط والاضطرابات الاجتماعية." وبالنسبة لدول الخليج، ستفرض الأزمة الأخيرة ضرورة ضخ استثمارات ضخمة لتنويع مسارات التجارة. وقد أسفرت الأزمة عن انخفاض إنتاج دول الخليج بنحو 10 ملايين برميل من النفط الخام يوميًا. وأثبت خط الأنابيب الذي أنشأته المملكة العربية السعودية بين الشرق والغرب، والممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، أهميته البالغة، إذ تبلغ طاقته الاستيعابية 7 ملايين برميل يوميًا، إلا أنه تعرض لهجوم إيراني في 9 أبريل. ويُعاني هذا المسار من نقطة ضعف إضافية، إذ تتجه السفن من ينبع شمالاً عبر قناة السويس، أو جنوبًا عبر مضيق باب المندب. وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت السفن العابرة لهذه المنطقة لهجمات شنّها الحوثيون المتحالفون مع إيران، ضمن حملة استهدفت حركة الملاحة التجارية في هذا الممر الحيوي. وتُقدَّر التكلفة الإجمالية لإصلاح الأضرار التي لحقت بقطاع النفط والغاز في دول الخليج من جراء الحرب بنحو 25 مليار دولار أمريكي، وذلك دون احتساب الاستثمارات في البنية التحتية الجديدة. وتواجه الدول المصدّرة والمستوردة للنفط؛ تداعيات وخيمة؛ إذ تواجه الدول المصدّرة تراجعًا في عائدات الصادرات، وفي بعض الحالات أضرارًا في البنية التحتية الصناعية، بينما تضطر الدول المستوردة إلى التعامل مع ارتفاع أسعار الواردات ومخاطر نقص الإمدادات. كما أن تصاعد معدلات التضخم يرجّح إمكانية الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية أو رفعها. وأفاد البنك الدولي بوجود تباينات في الأثر الاقتصادي، حيث بلغت الفجوة بين أعلى توقعات النمو وأدناها لعام 2026 نحو 12 نقطة مئوية كاملة. وتمتلك كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة طرق تصدير تتجاوز الخليج، فضلاً عن بعض مصادر التنويع الاقتصادي، وهو ما يرجّح تحقيقهما لنموٍ في الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري. أما الكويت وقطر تعتمدان بشكل أكبر على الصادرات عبر مضيق هرمز، رغم بعض جهود التنويع الاقتصادي، لا سيَّما من جانب قطر. وكان قطاع السياحة قد حقق نجاحًا ملحوظًا، إلا أن إغلاق المجال الجوي بسبب النزاع فرض قيودًا كبيرة على هذا القطاع. ومن المتوقع أن يشهد الاقتصاد القطري والكويتي انكماشًا في المستقبل القريب. وفي منطقة الخليج، من المتوقع أن يساهم النزاع الراهن في تسريع وتيرة المبادرات الرامية إلى تنويع مصادر الاقتصاد. والتركيز لتحقيق أكبر قدر من التقدم في تعزيز الجهود الرامية لتطوير قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية وغيرها، لتقلل من اعتمادها على النفط والغاز. ومع ذلك، لا تزال جميع القطاعات تعتمد على إمدادات السلع الأساسية. وقد تأثرت بعض دول المنطقة بهذا النزاع بدرجات أكبر من غيرها، غير أن المحصلة النهائية تبدو واحدة وهي أنه لا يوجد رابح في هذه المعركة.
429
| 02 مايو 2026
رغم أن وقف إطلاق النار بين أطراف النزاع الدائر حاليًا في الخليج يبدو صامدًا، إلا أن سبعة أسابيع فقط من الحرب كان لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي. فقد ارتفعت أسعار النفط من حوالي 70 دولاراً للبرميل قبل اندلاع هذا النزاع في 28 فبراير إلى أكثر من 100 دولار، قبل أن تتأرجح حول هذا الرقم. ولن يؤدي إعادة فتح مضيق هرمز إلى عودة سريعة للنشاط التجاري والاقتصادي الطبيعي. فقد تضررت بعض منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال والنفط، وتقلص الإنتاج في الآبار النفطية غير المتضررة، كما أن استعادة الضغط وإعادة التشغيل الكامل يتطلب وقتًا وخبرة فنية متخصصة. وفي المتوسط، سيستغرق إصلاح المنشآت النفطية ما بين ثلاثة وخمسة أشهر، وقد يمتد ذلك لفترة أطول في بعض المواقع. أما في حالة مصنع رأس لفان لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، الذي فقد 17% من طاقته الإنتاجية جراء الهجوم الإيراني في 10 مارس، سيستغرق إصلاح الأضرار عدة سنوات. وقد أدى النزاع إلى تعطيل جميع جداول الملاحة البحرية. وسوف ترتفع تكاليف التأمين نظرًا لتزايد المخاطر التي تهدد حركة الشحن في المنطقة. وهناك أسباب أخرى لتأخر تأثير الحرب. ففي بداية الأعمال العدائية، كانت الدول تمتلك مخزونات من السلع الأساسية، بالإضافة إلى احتياطيات استراتيجية، بينما كانت السفن المشحونة قبل بدء النزاع في طريقها بالفعل إلى وجهاتها. وفي شهر مارس، سُحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، ولكن هذا المصدر محدود بطبيعته. وتمتد التداعيات الاقتصادية لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره، بدايةً من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى منتجي المحاصيل الزراعية. وقد شهدت بعض الدول انقطاعات في التيار الكهربائي وتطبيقًا لسياسات ترشيد استهلاك الطاقة. كما ان قطاع الطيران الأوروبي يعاني من نقص حاد في وقود الطائرات. ويُحدد أحدث تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي حول توقعات النمو العالمي ثلاثة سيناريوهات هي: التوقعات المرجعية، في حال حدوث نزاع محدود وإعادة فتح المضيق بسرعة، ففي هذه الحالة سيتباطأ النمو العالمي من 3.3٪ إلى 3.1٪، ويصل التضخم إلى 4.4٪. والسيناريو الثاني هو سيناريو سلبي يتمثل في حدوث زيادات كبيرة ومستمرة في أسعار الطاقة، وفي هذه الحالة سينخفض النمو إلى 2.5٪ ويبلغ التضخم 5.4٪. والسيناريو الثالث والأخطر، في حال استمرار النزاع لفترة طويلة مع حدوث مزيد من الأضرار التي تطال منشآت النفط والغاز في الخليج، ففي هذه الحالة سيتراجع النمو إلى 2% فقط، بينما سيتجاوز معدل التضخم 6%. ويشير السيناريوهان الأخيران إلى إمكانية حدوث ركود تضخمي عالمي. وسيكون التأثير متفاوتًا للغاية، حيث ستشهد الدول المتضررة بشكل مباشر من النزاع، مثل إيران والكويت ولبنان وقطر، أكبر الصدمات، إلى جانب الأسواق الناشئة الهشة التي تعتمد على استيراد السلع الأساسية. ومن المتوقع أن تشهد قطر تباطئا اقتصاديا، من معدل نمو معتدل إلى انكماش بنسبة 8.6%، وهو أكبر من نسبة النمو السلبي التي توقعها البنك الدولي في وقت سابق من شهر أبريل والبالغة 5.7%. ويعني ارتفاع مخاطر التضخم أن خفض أسعار الفائدة العالمية بات مستبعدًا في المدى القريب، مع ترجيحات بإمكانية الاتجاه نحو زيادتها في بعض الاقتصادات. ومن المرجح أن يكون لهذا النزاع تأثير كارثي على بعض المزارعين، نظرًا لأن مضيق هرمز يمثل ممرًا تجاريًا لنحو ثلث حركة نقل الأسمدة البحرية في الظروف العادية. وفي هذا السياق، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن نحو 45 مليون شخص قد يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، في حال استمر النزاع حتى منتصف العام الحالي واستقرت أسعار النفط عند مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. وفيما يتعلق بالنفط، توجد مصادر أخرى حول العالم، لكن نفط الخليج رخيص وسهل الاستخراج. كما أنه نفط خفيف، ما يجعله أقل تكلفة في التكرير من النفط الثقيل القادم من فنزويلا. وتُصدّر المنتجات النفطية المكررة عبر الخليج، لذا فقد تتأثر بعض الدول التي تفتقر إلى قدرات تكريرية محلية بشدة، نظرًا لاعتمادها على هذه الإمدادات. حتى مع استمرار وقف إطلاق النار، لن تعود الأوضاع سريعًا إلى طبيعتها، إذ تمتد تداعيات النزاع تدريجيًا عبر أسواق الطاقة والتجارة والغذاء. وما يواجه الاقتصاد العالمي اليوم ليس اضطرابًا مؤقتًا، بل مرحلة ممتدة من الضغوط الاقتصادية بتكلفة مرتفعة.
276
| 26 أبريل 2026
على مدى عقود، ظلّت المؤسسات المالية الغربية تتصدر المشهد الاقتصادي العالمي، فعلى صعيد وضع السياسات الاقتصادية وتقديم المشورة للحكومات المتعثرة، إلى جانب إقراض الاقتصادات الناشئة، تولى كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أدوارًا محوريةً. أما على مستوى البنية التحتية للنظام المالي العالمي، فقد احتكر نظام «سويفت» للتحويلات البنكية وشركتا البطاقات الائتمانية العملاقتان «فيزا» و«ماستركارد» موقع الصدارة بلا منازع. ويشهد هذا الواقع اليوم تحولاً ملموسًا، مع صعود اقتصادات ناشئة إلى مصاف الدول المتقدمة، وسعي القوى الاقتصادية الإقليمية إلى إيجاد بدائل للدولار، إضافة إلى الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية. ويرتبط ظهور أنظمة بديلة جزئيًا بالتنافس الجيوسياسي، لكنه يعكس أيضًا رغبةً متزايدةً في تعزيز الاستقلالية الاقتصادية وتسريع وتيرة النمو المحلي. وتتيح الثورة الرقمية خيارات جديدة لأنظمة دفع دولية فورية وأكثر سهولة، يمكن أن تكون تحت إدارة شركة خاصة، أو حكومة وطنية، أو تحالف إقليمي من الحكومات. وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت الدولار كسلاح عبر سياسة العقوبات التي تنتهجها، وهو ما دفع الدول المتضررة من هذه العقوبات، وفي مقدمتها روسيا في السياق الحالي، إلى البحث عن بدائل للمنصات المالية الغربية. وفي عام 2020 أطلقت البرازيل نظام Pix، وهو منصة مدفوعات فورية للتحويلات الرقمية تعمل بتقنية Reals، سرعان ما أصبحت وسيلة الدفع الأكثر استخداماً في البلاد. ويعمل النظام على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وهو ما جعله ركيزة أساسية في البنية المالية الرقمية للبرازيل. ويُمثل مشروع mBridge مبادرة مشتركة بين عدة بنوك مركزية لإنشاء منصة رقمية دولية للعملات، تتيح إمكانية تنفيذ المدفوعات العابرة للحدود بطريقة مباشرة بين الأطراف دون وسطاء. ويضم المشروع في عضويته كلاً من الصين والسعودية، ويُنظر إليه باعتباره بديلاً محتملاً لشبكة «سويفت». وقد بدأ استخدام المنصة يتوسع تدريجيًا من قِبل البنوك الصينية في تنفيذ المدفوعات الدولية، في خطوة تعكس توجهًا متناميًا نحو استخدام أنظمة دفع أكثر استقلالية وكفاءة. وتسعى أوروبا كذلك إلى تحقيق قدر من الاستقلالية عن الدولار. فقد روّجت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، لفكرة إطلاق عملة رقمية يشرف عليها البنك المركزي الأوروبي. وفي السياق نفسه، شكّلت تسعة بنوك أوروبية ائتلافاً لإصدار عملة مستقرة مربوطة باليورو. وأطلقت دول مجلس التعاون الخليجي نظام «آفاق»، وهو منظومة دفع إقليمية تتيح إمكانية تسوية المدفوعات بشكل فوري وبتكلفة منخفضة عبر منصة تعتمد أعلى معايير الأمان. ويأتي هذا النظام بديلاً للبنية التقليدية القائمة على ترتيبات المقاصة الثنائية بين البنوك المراسلة، فقد كان في المنطقة ستة أنظمة دفع مختلفة، لكل منها تنسيق ملفات خاص وأساليب اتصال مستقلة. ويدير هذا النظام شركة المدفوعات الخليجية، وهي شركة خاصة تمتلك أسهمها البنوكُ المركزية لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمنح المنظومة إطارًا مؤسسيًا موحدًا يعزز كفاءتها وموثوقيتها. ولا يقتصر دور نظام «آفاق» على تحسين كفاءة المعاملات فحسب؛ حيث يمكن لعمليات الدفع العابرة للحدود التي تتم بسرعة وسهولة وأمان المساهمة في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية في المنطقة. كما سيتمكن أمناء الخزائن في الشركات من إنشاء مركز إقليمي لإدارة المدفوعات والتحصيلات، بما يعزز انسيابية الحركة التجارية. وبينما كان أساس ثروة اقتصادات الخليج يعتمد على صادرات النفط والغاز إلى مختلف أنحاء العالم، تشهد المنطقة اليوم تنويعًا متسارعًا في مصادر الدخل ونموًا اقتصاديًا إقليميًا ملحوظًا. فقد ارتفعت قيمة التجارة البينية بين دول الخليج من 58 مليار دولار في عام 2010 إلى أكثر من 146 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بأن تتوسع هذه الأرقام بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة. وتشهد قطاعات متعددة، من بينها السياحة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية، نموًا لافتًا. ومن المتوقع أن يسهم في تسهيل العلاقات التجارية وتشجيع تدفق الاستثمارات، ويوفر بيئة أكثر تكاملاً للشركات والمستثمرين. ولا يُعدّ تطوير نظام «آفاق» بحد ذاته لعبة قوة جيوسياسية، بل هو مبادرة عملية تهدف إلى تحديث وتبسيط أنظمة الدفع الإقليمية لدعم التجارة والتنمية الاقتصادية. وقد يمثل هذا النظام تمهيدًا لإمكانية اعتماد عملة موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي الست في المستقبل، وهو ما يعزز التكامل المالي في المنطقة. ويعكس هذا ديناميكيتين رئيسيتين في الارتقاء التكنولوجي لأنظمة الدفع مع انتقالها نحو التسوية الفورية، والثانية هي التحول من عالم أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة والمؤسسات الغربية إلى جغرافيا سياسية متعددة الأقطاب.
297
| 14 أبريل 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار الأجانب بلغ 5.1 مليون في عام 2025، في نتيجة تعكس نجاح رؤية وُضعت بوضوح قبل سنوات قليلة. ففي عام 2021 أُطلقت الاستراتيجية الوطنية للسياحة بهدف طموح يتمثل في استقطاب 6 ملايين زائر سنويًا بحلول 2030. آنذاك بدا الهدف كبيرًا مقارنة بالأرقام التي لم تكن تتجاوز نحو مليوني زائر قبل الجائحة، إلا أن تجاوز حاجز الخمسة ملايين اليوم يؤكد أن الخطة لم تكن مجرد طموح نظري، بل مسار مدروس يجري تنفيذه بثبات وفاعلية. في أواخر 2022 وبداية 2023، أدى ارتفاع الدولار إلى زيادة كلفة زيارة الخليج، قبل أن تتغير المعادلة مع تحولات السياسة الأمريكية وضعف العملة لاحقًا. كما أسهمت قيود التأشيرات في بعض الدول الغربية على الزوار الآسيويين في تعزيز جاذبية المنطقة. ومع ذلك، فإن جاذبية قطر لا تقوم على عوامل خارجية فحسب، بل على مبادرات مبتكرة أثمرت نتائج ملموسة. وشهدت الاستعدادات لكأس العالم 2022 استثمارات كبيرة في تطوير البنية التحتية، خصوصًا النقل والطاقة الفندقية، مع رؤية واضحة لضمان استدامة هذه الأصول بعد البطولة. ومنذ ذلك الحين، واصلت قطر استضافة فعاليات كبرى رياضية وثقافية، فلم يقتصر الجذب على كرة القدم، بل شمل سباق الفورمولا 1، ومؤتمر Web Summit، واستضافة أندية ومنتخبات عالمية ضمن مهرجان قطر لكرة القدم، إلى جانب باقات سياحية متكاملة للجماهير. كما يمتد الزخم إلى القطاع الثقافي، مع حفلات لنجوم عالميين مثل شاكيرا وجون ليجند، واستضافة معرض آرت بازل قطر للمرة الأولى في الشرق الأوسط، ما يعزز مكانة الدولة كوجهة متكاملة للفعاليات الكبرى. يُظهر تقرير 2025 تفاوتًا في أداء الفئات الفندقية؛ إذ سجلت فنادق الخمس نجوم إشغالًا بنحو 65%، مقابل أكثر من 80% للفنادق من نجمة إلى ثلاث نجوم، ما يعكس فجوة واضحة في المعروض متوسط التكلفة. هنا يبرز دور الحكومة في توجيه الاستثمار نحو هذه الفئة عبر الحوافز التنظيمية والتمويلية، وتسهيل إجراءات الترخيص، ودعم تطوير شركات الإرشاد السياحي لرفع جودة التجربة المتكاملة. وعلى مستوى السوق ككل، ارتفع متوسط الإشغال إلى 71% في 2025 مقارنة بـ69% في 2024 و58% في 2023، فيما تظل الشقق الفندقية عنصرًا مهمًا لتلبية احتياجات العائلات الباحثة عن مساحات أوسع وخيارات إقامة أكثر مرونة. ومن التفاصيل المهمة التي وردت في التقرير السنوي أن ما يقرب من ثلث الزوار في عام 2025، أي 32%، وصلوا عن طريق البر. ويأتي العديد من الزوار إلى قطر من دول الخليج المجاورة، حيث تتميز شبكة الطرق الطويلة في المنطقة بالكفاءة والحداثة. من المتوقع أن يزداد دور النقل البري مع تنفيذ مشروع القطار السريع الذي سيربط الدوحة بالرياض، بحيث لا تتجاوز مدة الرحلة ساعتين. هذا الربط سيشكل تحولًا مهمًا لقطاع السياحة وقطاعات أخرى، إذ يفتح أمام قطر سوقًا مجاورًا يضم نحو 8 ملايين نسمة، مقابل عدد سكان يقارب 3 ملايين في قطر. بالنسبة لسكان الرياض، ستكون الدوحة أقرب من العديد من مدن المملكة، ما يعزز حركة الزوار ويشجع الاستثمارات السعودية في قطر، إلى جانب فرص استثمارية أكبر للقطريين في الرياض. كما قد تستفيد قطر من تدفقات جماهير كأس العالم 2034 في السعودية. ومن المخطط استكمال المشروع بحلول عام 2031. ويعكس نمو قطاع السياحة نجاح في تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص، لكن المرحلة المقبلة تتطلب خطوات عملية واضحة. من الضروري معالجة فجوة الفنادق متوسطة التكلفة التي تسجل أعلى نسب إشغال، وتحسين ربط النقل العام بالمناطق السياحية، ووضع جدول سنوي منظم لتوزيع الفعاليات على مدار العام للحد من الموسمية. كما ينبغي زيادة متوسط إنفاق الزائر وإطالة مدة إقامته عبر تطوير سياحة الأعمال والعائلات، والاستعداد مبكرًا للاستفادة من القطار السريع بين الدوحة الرياض بخطط تسويق وتنقل مدروسة. وفي الوقت ذاته، يتعين تحفيز القطاع الخاص من خلال حوافز استثمارية واضحة، وتسهيل الإجراءات، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإرشاد والأنشطة السياحية، بما يعزز التنافسية ويرفع جودة التجربة. كما يجب الاعتماد على بيانات دقيقة حول سلوك الزوار وأنماط إنفاقهم، واستخدامها في توجيه التسويق والاستثمار نحو الأسواق والشرائح التي تحقق أعلى عائد للاقتصاد. نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بمدى ترجمة هذه السياسات إلى عوائد اقتصادية مستدامة.
765
| 22 فبراير 2026
حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول المرغوبة، لكنها شهدت تدفقات استثمارية ضخمة خلال العام الماضي. فقد تضاعف سعرها أربع مرات بين أوائل عام 2025 ويناير 2026، ليرتفع من أقل بقليل من 30 دولارًا للأونصة ليبلغ ذروته بعد تجاوزه لحاجز الـ 120 دولارًا. وفي الأسبوعين الماضيين، انخفض سعرها إلى النصف تقريبًا ليصل إلى حوالي 70 دولارًا، وهو انخفاض حاد، ولكنه لا يزال أكثر من ضعف مستواه المسجل قبل 12 شهرًا. وعلى الرغم من هذا الانخفاض، فقد واصل المستثمرون الأفراد شراء صناديق الاستثمار المتداولة في الفضة. وقد شهدنا تقلبات حادة في أسعار المعادن. فقد اكتسب الذهب خلال السنوات الأخيرة أهمية متزايدة لدى البنوك المركزية والأثرياء باعتباره وسيلة للتحوط ضد التضخم في العملات الورقية. ويُنظر إلى حيازة حصة كبيرة من الذهب على أنها خطوة حكيمة ضمن محفظة استثمارية متوازنة. وقد ساهم ارتفاع السعر في جذب الصناديق الاستثمارية المتداولة، بينما لجأ آخرون إلى الاقتراض لشراء الذهب في سوق العقود الآجلة، مراهنين بذلك على تحركات الأسعار المستقبلية. وبلغ سعر الذهب ذروته لفترة وجيزة بعدما ارتفع إلى أكثر من 5500 دولار للأونصة في مطلع هذا العام، مقارنةً بحوالي 2000 دولار للأونصة في عام 2024. ومنذ ذلك الحين انخفض السعر إلى نحو 5000 دولار. وتُمثل صناديق المؤشرات المتداولة للذهب أكثر من 4000 طن على مستوى العالم، بعد أن سجلت نموًا بنسبة 25 % خلال عام 2025. وفي السوق الفعلية، يسود قدر أكبر من الشكوك. فقد رفض تجار الذهب في بعض مناطق آسيا الشراء بالأسعار العالمية، حيث كانوا يعرضون شراء الذهب بخصم يصل إلى 30%، وهو ما يدل على عدم ثقتهم في الارتفاع الحالي للأسعار. وقد اتبعت الفضة مسار الذهب، إلا أن الفارق الرئيسي بينها وبين الذهب يكمن في صغر حجم التداولات، مما يزيد من حدة تقلبات الأسعار عند ضخ استثمارات مضاربة كبيرة نسبيًا فيها أو في توقعات أسعاره المستقبلية. ويُعد هذا مثالًا بارزًا على سمة بارزة للأسواق في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؛ وهي توفر مستويات مرتفعة من السيولة القابلة للاستثمار عالميًا، وارتفاع مستوى تحمل المخاطر، إلى جانب حالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، مما يؤدي إلى حدوث تقلبات حادة في الأسعار. ويميل مديرو المحافظ الاستثمارية إلى تجنب المعادن النفيسة؛ إذ إنها لا تدرّ أرباحًا نقدية، وبالتالي لا يمكن تقييمها بناءً على خصم التدفقات النقدية المستقبلية. ويعني ذلك وجود نسبة كبيرة نسبيًا من المستثمرين الأفراد في أسواق الفضة والذهب. ومع ذلك، يدرج بعض مديري الأصول حصة من الذهب ضمن محافظهم الاستثمارية المتنوعة. ولا يمكن أن يرتفع سعر الذهب إلى ما لا نهاية، ولكنه يمثل مصدرًا للقيمة على المدى الطويل. أما سعر الفضة فيبدو أكثر عرضة للانهيار. وقد ارتفع سعر النحاس، وهو معدن له استخدامات صناعية مهمة، من حوالي 10,000 دولار للطن في أكتوبر الماضي، إلى مستوى قياسي يزيد على 14,000 دولار في أواخر يناير، قبل أن يستقر عند حوالي 13,000 دولار للطن. وكان السبب الرئيسي وراء الانخفاضات الأخيرة في أسعار المعادن هو التغيير في لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياسته منذ مؤتمر دافوس الشهر الماضي. فقد اعتُبر إعلانه عن اختيار كيفن وارش، وهو شخصية تقليدية نسبيًا، رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، مؤشرًا على أن أسعار الفائدة والدولار لن تنخفض إلى مستويات متدنية للغاية. وقد أدى ذلك إلى الحد من المخاوف بشأن التضخم وتعزيز أصول الدولار الأمريكي. وقد شهدت العملات المشفرة انخفاضات كبيرة في أسعارها. يتداول البيتكوين حاليًا بأقل بكثير من أعلى مستوى له على الإطلاق. فقد كان البيتكوين يتداول بسعر أدنى بكثير من ذروته التاريخية، حيث تراوح سعره في أوائل فبراير بين 64,000 و65,000 دولار، ليعود إلى مستويات نوفمبر 2024. ومنذ ذلك الحين، تعافى السعر ليقترب من 68,000 دولار. وكانت أعلى قيمة له، عند أكثر من 125,000 دولار، قد سُجلت في أكتوبر 2025. وعلى الرغم من التراجعات الأخيرة، تظل أسعار الذهب والفضة مرتفعة بشكل ملحوظ مقارنة بما كانت عليه قبل عام، وبينما عاد مستوى معين من الثقة إلى الأصول المقومة بالدولار، يبقى الاتجاه طويل الأمد هو التدهور التدريجي للعملات الورقية، بما في ذلك الدولار، الذي استقطب في السابق نسبة كبيرة من السيولة الاستثمارية الباحثة عن ملاذ آمن في العملة الاحتياطية الرئيسية عالميًا.
663
| 15 فبراير 2026
يشهد العالم حاليًا نهاية حقبة العولمة، وبات يتعين على الاقتصادات متوسطة الحجم التعاون في مجالي التجارة والأمن من أجل البقاء والازدهار. وقد برز هذا الموضوع بقوة في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عُقد هذا العام في دافوس بسويسرا، وجمع قادة العالم. وعلى مدى عقود طويلة، ساد عالمٌ تحكمه اسميًا قواعد مستندة إلى مبادئ منظمة التجارة العالمية، في ظل قواعد اقتصادية صاغها كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين يدعمان حركة التجارة الحرة بين الدول. ورغم أن الالتزام بالقواعد العالمية لم يكن متكافئًا، وأن القوى الكبرى كانت أقل عرضة للمساءلة، فإن قدرًا من الانضباط واحترام القيم المشتركة والأعراف غير المكتوبة كان قائمًا، وهو ما مكّن التجارة العالمية من الازدهار. غير أن تلك الحقبة قد انقضت، ولم يعد النظام العالمي القائم على القواعد موضع ثقة. ويعني الجمع بين أنماط التجارة المتكاملة والتخلي عن النظام القائم على القواعد أن القوى العظمى باتت قادرة على تعظيم نفوذها، وقد بدأت فعليًا في ممارسة ذلك على نحو يشبه توجهات الإمبراطوريات في الماضي. وما يميز الاقتصاد العالمي اليوم مقارنة بالعصور السابقة التي هيمنت عليها القوى العظمى، هو وجود عدد كبير من الاقتصادات متوسطة الحجم، تتمتع بمستويات دخل مرتفعة نسبيًا، وملتزمة بمواصلة التبادل التجاري. وفي خطاب لاقى استحسانًا واسعًا في دافوس، أوضح مارك كارني، رئيس وزراء كندا، أنه إذا ما تفاعلت القوى المتوسطة كلٌ على حدة مع مطالب القوى الكبرى، فإنها تدخل في منافسة فيما بينها على نيل الامتيازات، وتتفاوض من موقع ضعف شديد. أما إذا تعاونت هذه الدول فيما بينها بذكاء، فيمكنها أن تبلور «مسارًا ثالثًا». وأوضح كارني أن الدولة التي تعتمد على الواردات لتأمين جزء كبير من احتياجاتها من الوقود والغذاء، وتحتاج إلى تحالفات من أجل الدفاع عن نفسها، ستظل بطبيعتها عرضةً لمواطن ضعف محتملة. غير أن الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة تستطيع تشكيل تحالفات عملية متعددة للتخفيف من أي تهديد ناتج عن الحروب التجارية أو النزاعات الفعلية. ولم يُعد التعاون بين هذه الاقتصادات يمثل خيارًا سياسيًا أو أخلاقيًا بل أصبح ضرورة إستراتيجية. وقد تسعى القوى الكبرى إلى استغلال مزاياها عبر تكتيكات الحروب التجارية، لكنها ستحقق عوائد متناقصة مع اتجاه القوى المتوسطة إلى بناء تحالفات فيما بينها أو مع قوة منافسة. وقد دأب الرئيس ترامب على استخدام أسلوب فرض الرسوم الجمركية على الواردات، أو التهديد بفرضها، لممارسة الضغط على دول أخرى. وبحكم أن الولايات المتحدة تُعد أكبر سوق استهلاكية في العالم، فقد تمكن من انتزاع تنازلات ملموسة. غير أن هذا الأسلوب يفقد تدريجيًا جزءًا من فعاليته، مع تنامي حجم التجارة البينية بين كندا والاتحاد الأوروبي والصين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول تجمع ميركوسور في أمريكا الجنوبية والهند ودول منطقة المحيط الهادئ، وتراجع اعتمادها النسبي على السوق الأمريكية، ولو كان ذلك بشكل هامشي في المدى القريب. وبعد وقت قصير من انعقاد المؤتمر، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارية مع الهند، تنص على خفض أو إلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 95 % من السلع المتبادلة بين الجانبين. وكانت هذه الاتفاقية قيد النقاش لما يقرب من عقدين، غير أن المفاوضات تسارعت بفعل سياسة الرسوم الجمركية التي انتهجها الرئيس ترامب. وفي العام الماضي، انطلق أيضًا حوار حول اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي، علمًا بأن هذين التكتلين يمثلان معًا نحو 32 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهناك دروسٌ مستفادة لدول الخليج، التي تُصنّف ضمن فئة القوى المتوسطة، وتتمتع مجتمعةً بنفوذٍ تفاوضيٍّ كبيرٍ في التجارة العالمية. وقد حافظت الولايات المتحدة على علاقاتٍ وثيقةٍ مع دول مجلس التعاون الخليجي خلال إدارة ترامب، حيث كانت المنطقة أولى محطات زياراته بعد انتخابه. ومع ذلك، لا تزال الدروس المستفادة من التعاون مع القوى المتوسطة الأخرى تحظى بأهمية. فعلى سبيل المثال، اضطرت قطر إلى إقامة روابط تجارية جديدة، بشكل مباشر مع الصين، لتجاوز العقبات التي واجهت التجارة في الماضي القريب نسبيًا. ومن النادر أن يكون لخطاب واحد يلقيه زعيم عالمي تأثير دائم، لكن خطاب رئيس الوزراء كارني في منتدى دافوس هذا العام قد يشكل استثناءً. فإلى جانب تقديمه نقدًا محددًا، عرض كارني رؤية واضحة لكيفية تعاون القوى المتوسطة بفعالية، وأن هذا الاتجاه بدأ يظهر بالفعل على أرض الواقع.
384
| 01 فبراير 2026
تقع دول الخليج تقريبًا في منتصف المسافة بين الولايات المتحدة والصين جغرافيًا، كما أنها تقف على مسافة متقاربة منهما من الناحية الجيوسياسية. وبموجب اتفاق «باكس سيليكا» (Pax Silica)، الذي وقّعته دولة قطر مع الولايات المتحدة في 12 يناير، ثم أعقبتها دولة الإمارات العربية المتحدة بعد ذلك بثلاثة أيام، يلتزم الأطراف الموقعون على هذا الاتفاق بالتعاون في مجالات الإمداد والبنية التحتية لدعم صناعة الذكاء الاصطناعي. وتم التوصل إلى هذا الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وقطر والامارات دون إثارة استياء الصين، الشريك التجاري والدبلوماسي المهم، التي تُعدّ من أبرز المستوردين للغاز الطبيعي المسال من قطر، على سبيل المثال. ولا تزال الصين تهيمن على عمليات استخراج وتنقية المعادن النادرة، الضرورية للعديد من الاستخدامات التقنية المتقدمة. ولا يُعدّ اتفاق «باكس سيليكا» معاهدة تجارية رسمية، بل هو بيان للمبادئ المشتركة. ويتمثل الهدف الأسمى للولايات المتحدة من توقيع هذا الاتفاق في ضمان أمن سلاسل الإمدادات لصناعة الذكاء الاصطناعي التي تشهد نموًا سريعًا، مع توفير فرص اقتصادية لشركائها. وقد زار وكيل وزارة الخارجية الأمريكي للشؤون الاقتصادية، جاكوب هيلبرغ، منطقة الخليج في يناير بالتزامن مع توقيع الاتفاق، حيث صرَّح قائلاً: «بالنسبة لدولتي الإمارات وقطر، يُشكّل هذا تحوّلاً من بنية أمنية تتمحور حول الهيدروكربونات إلى بنية تركز على السياسات القائمة على السيليكون.» ولا يقتصر الأمر على دول الخليج، بل يشمل أيضًا أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والمملكة المتحدة. ويكتسب هذا الاتفاق أهمية كبيرة، فهو يُذكّرنا بأنه على الرغم من كثرة الحديث عن التخزين «السحابي» للبيانات، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي تتطلب قدرًا كبيرًا من الموارد الطبيعية وسلاسل الإمدادات. وتحتاج مراكز البيانات الضخمة التي تُبنى للجيل القادم من تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى السيليكون والمعادن الأرضية النادرة، وقبل كل شيء، الطاقة، التي تتوافر في دول الخليج العربي بكميات وفيرة وبأسعار زهيدة نسبيًا، سواءً كانت من مصادر الوقود الأحفوري أو من مصادر الطاقة المتجددة. وتشهد مراكز البيانات طلبًا كبيرًا ومتزايدًا على الكهرباء، ومن المتوقع أن يتضاعف استخدام الطاقة ثلاث مرات بحلول عام 2030. وكانت شركات OpenAI وSoftBank وOracle قد أعلنت خلال العام الماضي عن مشروع مركز البيانات العملاق «ستارجيت» (Stargate) الذي تبلغ تكلفته 500 مليار دولار. وسيُقام هذا المركز في الولايات المتحدة، إلا أن شركة MGX، الذراع الاستثماري التكنولوجي لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، تُعدّ من كبار المستثمرين في المشروع. وتستثمر دولة قطر كذلك بشكل كبير في هذا المجال. ففي شهر ديسمبر من العام الماضي، أعلن جهاز قطر للاستثمار عن تأسيس شركة «Qai»، وهي شركة ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي. وقد شكلت هذه الشركة مشروعًا مشتركًا مع شركة الاستثمار العالمية «بروكفيلد» (Brookfield) لإنشاء مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي. وسيشمل هذا الاستثمار، الذي تبلغ قيمته 20 مليار دولار، إنشاء مركز حاسوبي متكامل في قطر، مع إمكانية توسع الاستثمارات إلى الخارج أيضًا. ويستثمر جهاز قطر للاستثمار أيضًا في مشروع xAI التابع لإيلون ماسك، إلى جانب شركاء استثماريين من بينهم شركتي فيديليتي (Fidelity) وإنفيديا (Nvidia)، وذلك ضمن جولة التمويل التي تبلغ قيمتها 20 مليار دولار. وتشمل هذه الاستثمارات مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تحت العلامة التجارية «جروك» (Grok). ورغم الحديث عن التقييمات المبالغ فيها لشركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فإن التطور الأوسع نطاقًا يُشير إلى ثورة صناعية نظرًا للإمكانات الهائلة والمتنامية. وقد يحقق بعض المستخدمين التجاريين للذكاء الاصطناعي مكاسب أكبر من تلك التي يحققها مُقدّمو الحلول أنفسهم. يعكس اتفاق «Pax Silica» مع قطر رؤية أمريكية أوسع تبحث عن شركاء يمتلكون الاستقرار والموارد والطاقة ورأس المال، في ظل تحول الذكاء الاصطناعي إلى قضية اقتصادية وجيوسياسية. وترى واشنطن في قطر شريكًا قادرًا على دعم البنية التحتية الرقمية وربط سلاسل الإمداد العالمية، مع الحفاظ على توازن علاقاتها مع الصين. لذلك، لا يمثل الاتفاق تعاونًا تقنيًا فقط، بل خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل مراكز القوة في الاقتصاد الرقمي بعيدًا عن النفط. وقد اتخذت دول الخليج خطوة ذكية بوضع نفسها في صميم عملية تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. فهناك مكاسب اجتماعية وبيئية محتملة من التطبيقات الذكية، ولن تُقاس العوائد بالعائدات المالية فحسب.
639
| 26 يناير 2026
يتجاوز مفهوم التكنولوجيا المالية مجرد شركات تطوير تطبيقات الخدمات المصرفية. فنحن نعيش ثورة تكنولوجية في أساليب تقديم الخدمات المالية في مختلف قطاعات الاقتصاد، بدءًا من قطاع الخدمات المصرفية الشخصية وصولًا إلى قطاع التأمين بين الشركات. ولا يزال أمامنا مجال واسع للنمو. ويسرد تقرير حديث صادر عن بنك قطر للتنمية هذا التطور ويقدم توصيات لتحقيق المزيد من التقدم. ويشير التقرير الصادر عن البنك إلى أن قطاع التكنولوجيا المالية في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي يشهد نموًا مرتفعًا، حيث من المتوقع أن ترتفع إيراداته من 5.6 مليار ريال قطري في عام 2023 إلى 31.7 مليار ريال قطري بحلول عام 2030. وتُعدّ تطورات التكنولوجيا المالية حديثةً نسبيًا في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن وتيرة نموها تتسارع بعد بداية بطيئة. وساهمت جائحة كوفيد- 19 في تسريع وتيرة التطور، مما أدى إلى حدوث زيادة في التسوق عبر الإنترنت. وفيما يتعلق بعدد شركات التكنولوجيا المالية، تتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة منطقة الخليج بعدد 686 شركة، بينما تحتل قطر المرتبة الرابعة بعدد 102 شركة. ويُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل متزايد في مجموعة واسعة من التطبيقات، حيث يمكن أن يُساعد في كشف الاحتيال عبر تحديد أنماط الأنشطة المشبوهة، والتحقق من الجدارة الائتمانية. كما يُمكن تحسين خدمة العملاء من خلال تقديم نصائح فورية عبر روبوتات الدردشة الذكية. وتُساعد نماذج اللغة الكبيرة، ضمن ضوابط مُحددة، في تقديم استشارات مالية مُخصصة. بالإضافة إلى ذلك، يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُساعد في دعم الامتثال للوائح التنظيمية. ويشهد قطاع التأمين تحولاً جذرياً بفضل التكنولوجيا. وتُعرف هذه التكنولوجيا اختصاراً باسم «تكنولوجيا التأمين» (InsurTech)، حيث تُسهّل على العملاء إمكانية إدارة وثائق التأمين وتسوية المطالبات بسرعة. كما تُتيح هذه التكنولوجيا للمواطنين ذوي الدخل المحدود والفئات الأقل حظاً إمكانية الحصول على خدمات التأمين. ويمكن أن تساهم زيادة الكفاءة التشغيلية في مساعدة شركات التأمين على خفض أقساط التأمين. وعلى الصعيد العالمي، من المتوقع أن يشهد سوق تكنولوجيا التأمين معدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 38 ٪، ليصل إلى 678 مليار ريال قطري بحلول عام 2030. ومع ذلك، فإن تكنولوجيا التأمين لا تمثل سوى 0.3٪ فقط من إجمالي سوق التأمين العالمي، الذي يبلغ 6.9 تريليون دولار. وكان مصرف قطر المركزي قد أطلق إستراتيجية وطنية للتكنولوجيا المالية في عام 2023. وترتكز هذه الإستراتيجية على أربعة محاور رئيسية هي: البنية التحتية، والنمو، والمهارات، والشمول المالي. وقد تم التخطيط لتنفيذ نحو 29 مبادرة خلال السنوات الخمس الأولى، وبدأ تنفيذ العديد منها بالفعل. وفي العام نفسه، أُطلقت الخطة الإستراتيجية الثالثة للقطاع المالي في الدولة، التي تشمل الخدمات المصرفية، والتمويل الرقمي، والتأمين، وأسواق رأس المال. ويُعدّ قطاع التكنولوجيا المالية القطاع الرائد في مجال رأس المال الاستثماري في قطر، حيث استقطب تمويلاً بقيمة 46 مليون ريال قطري، أي ثلاثة أضعاف ما استقطبه أي قطاع آخر. وكان إنشاء مركز قطر للتكنولوجيا المالية عاملاً أساسيًا في حدوث هذا التطور. فقد تأسس المركز عام 2022، ويُقدّم برامج متنوعة تُوفّر للشركات الناشئة خدمات التوجيه والإرشاد في مجال الأعمال ودعمًا في الوصول إلى الأسواق. وقد ساهم المركز بأكثر من 54 مليون ريال قطري بحلول عام 2024، وأطلق خمسة برامج متتالية. وقد ارتفع إجمالي سوق المدفوعات الرقمية في قطر من 107 مليارات ريال قطري في عام 2022 إلى ما يقدر بنحو 130 مليار ريال قطري في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 181 مليار ريال قطري بحلول عام 2028. كما انخفضت قيمة معاملات مدفوعات التجارة الإلكترونية، مما يشير إلى أن المدفوعات الرقمية تُستخدم بشكل أكبر في المعاملات اليومية. ويُصنف التقرير خمس فئات وفقًا لنضج السوق وإمكاناته، وهي: الإقراض بين الأفراد، وخدمة الشراء الآن والدفع لاحقًا، وتكنولوجيا التأمين، والمحافظ الرقمية، والمدفوعات الرقمية. وتتمتع جميع هذه الفئات الخمس بإمكانات نمو، بينما تُصنف تكنولوجيا التأمين والإقراض بين الأفراد ضمن الفئات الأقل نضجًا. وقد صُنفت التوصيات تحت ثلاث فئات هي: الاستفادة من الدعم الحالي، مثل مركز قطر للتكنولوجيا المالية؛ واستكشاف الفرص المتاحة في سلسلة القيمة، مثل التعاون بين شركات البرمجيات والجهات الفاعلة الحالية؛ ومنح الأولوية لتحديد احتياجات السوق، بما في ذلك القطاعات التي لا تحظى بالخدمات الكافية.
312
| 17 يناير 2026
مع مطلع العام الجديد، يصعب التنبؤ بمستقبل الأسواق. فقد أثارت مؤشرات احتمال حدوث فقاعة استثمارية في أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بعض التراجعات في أسهم التكنولوجيا، لكنها غالبًا ما كانت تعقبها موجات صعود. وتبدو التقييمات مرتفعة إلى حدٍّ كبير، لكن ينظر كثير من المستثمرين إلى صورة أشمل، مفادها أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في تحسين أداء الأعمال في مختلف القطاعات، بل وربما إحداث تحول جذري فيه على مستوى الاقتصاد إجمالاً. وكانت شركة بلاك روك، وهي أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، قد أعلنت استمرارها في تبني نهج «المخاطرة المحسوبة» في توقعاتها لعام 2026. ولا تزال الشركة متفائلة بشأن أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية، وإن كان ذلك بشكل انتقائي، وأشارت إلى أن الوقت الحالي مناسب للاستثمار النشط، «لمن يمتلكون رؤية ثاقبة حول الشركات التي ستنجح في الاستحواذ على الإيرادات». ومن المتوقع أن يصل حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى 8 تريليونات دولار بحلول عام 2030، بينما يُقدّر أن تبلغ الزيادة في إيرادات الشركات العملاقة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي حوالي 1.6 تريليون دولار سنويًا. غير أن هذه الأرقام لا تروي القصة كاملة، إذ إن أحد أسباب عدم اعتبار التقييمات المرتفعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي فقاعة استثمارية هو أن هذه التقنية لها تطبيقات في مختلف قطاعات الاقتصاد. وتُشبه شركة بلاك روك ثورة الذكاء الاصطناعي بالثورات الصناعية السابقة، مثل المحرك البخاري والكهرباء، لما لها من دور في زيادة الإنتاجية وتحفيز التنمية الاقتصادية. ويشير التقرير إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة على المدى الطويل بلغ حوالي 2 % سنويًا خلال القرن الماضي. وإذا ما أسهمت ثورة الذكاء الاصطناعي في زيادة هذا المعدل بشكل ملموس، فسيكون ذلك حدثًا تاريخيًا. ورغم أن تحقيق مثل هذه النتيجة يُعدّ «أمرًا بالغ الصعوبة»، إلا أن «بلاك روك» ترى أنه ممكن التحقيق. ويُعدّ توفير الطاقة أحد أهمّ المعوقات في الولايات المتحدة؛ إذ من المتوقع أن تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ما يصل إلى خُمس الكهرباء المُولّدة في الولايات المتحدة بحلول عام 2030. وفي مجال الطاقة، قد تتفوق الصين في المنافسة، حيث أثبتت قدرتها على بناء بنية تحتية واسعة النطاق بتكلفة معقولة باستخدام مصادر طاقة متنوعة تشمل الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية والطاقة النووية والفحم. ويُعدّ برنامج «ديب سيك» (DeepSeek)، وهو نموذج لغوي صيني يتميّز بقدرة تنافسية عالية، أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة مقارنةً بمنافسيه في الولايات المتحدة الأمريكية. وتصف شركة فرانكلين تمبلتون، في تقريرها «توقعات الاستثمار العالمية»، «عصر الذكاء» بأنه أحد الموضوعات الرئيسية. ويشير التقرير إلى أن ثورة الذكاء الاصطناعي ما زالت في بداياتها، وأن إمكانية تحقيق مكاسب في الكفاءة على مستوى الاقتصاد إجمالاً تبقى «هائلة». وتحدد ثلاثة موضوعات مترابطة، الأولى هي توسّع نطاق الفرص الاستثمارية – حيث تفوقت الأسهم الأمريكية على غيرها لسنوات عديدة، وبينما لا تزال التوقعات قوية، تبرز فرص استثمارية أوسع نطاقًا داخل الولايات المتحدة وعلى الصعيد الدولي. ومن المتوقع أن ترتفع أرباح الشركات الأمريكية الصغيرة، نظرًا لانخفاض أسعار الفائدة وتكاليف خدمة الديون. وتُظهر الأصول في الأسواق الناشئة إمكانية تحقيق عوائد مجزية. والثانية هي انحدار منحنى العائد – حيث سيؤدي انخفاض أسعار الفائدة بالتزامن مع ارتفاع التضخم عن المستوى المستهدف إلى انحدار منحنى العائد بشكل حاد. ومن المرجح أن يستمر مجلس الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة في عام 2026، في حين أن هناك عاملين آخرين من شأنهما أن يتسببا في ارتفاع منحنى العائد وهما: زيادة الطلب على رأس المال لتمويل الاستثمار، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي والطاقة؛ واستمرار زيادة الاقتراض من قبل الحكومات في أكبر الاقتصادات. وأخيرا ضعف الدولار - تراجع الدولار الأمريكي بنحو 10% في عام 2025، ومن المتوقع أن يتراجع بشكل أكبر. ومع انخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة في أوروبا، ستنخفض تكلفة التحوط من العملات. ومن المرجح أن ترتفع أسعار السلع الأساسية، باستثناء النفط. وفي الأسواق الناشئة، ستنخفض تكاليف الاستيراد ومعدلات التضخم، وهو ما يسمح للبنوك المركزية بتخفيف السياسات النقدية، وبالتالي دعم أسعار السندات. وقد شهدت التصنيفات الائتمانية في الأسواق الناشئة تحسنًا ملحوظًا. وعلى الرغم من وجود أساس منطقي للتفاؤل، إلا أن عبارة «التفاؤل الحذر» قد تكون مناسبة في 2026.
543
| 11 يناير 2026
عندما انهارت أسعار النفط في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لتصل إلى أدنى مستوياتها دون سعر 20 دولارًا للبرميل بعد أن كانت قد بلغت ذروتها خلال الحرب العراقية الكويتية، شكّل ذلك الأمر تحديًا هائلاً للدول المصدّرة للنفط. فقد كشف هذا الانهيار هشاشة الاقتصادات التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على سعر عالمي متقلب لا يمكن التنبؤ به لسلعة واحدة. ومنذ ذلك الحين، استخلص صانعو السياسات في منطقة الخليج دروسًا مهمةً حول كيفية الحد من دورات الازدهار والركود، وإعادة التوازن إلى اقتصاداتهم. وبعد مرور ثلاثة عقود على هذا الوضع، يجد تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي صعوبةً في رصد أوجه قصور تُذكر في مسار التقدم المحرز. وفي أحدث تقرير صادر له عن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية (ديسمبر 2025)، أشاد الصندوق بالسياسات المتبعة في مختلف مجالات السياسة الاقتصادية، بما في ذلك السياسات النقدية والمالية، وكذلك السياسات المرتبطة بالتجارة وبيئة الأعمال. ولا تزال صادرات النفط والغاز تمثل المصدر الرئيسي للدخل من الصادرات في المنطقة. وقد حافظ سعر النفط على استقراره اللافت خلال العام الماضي، حيث تراوح عادةً بين 60 و70 دولارًا للبرميل، على الرغم من الارتفاعات الكبيرة في أسعار بعض السلع الأساسية الأخرى مثل المعادن النفيسة. ومن المرجح أن يظل السعر مستقرًا إلى حد معقول، نظرًا لتوازن العوامل التي قد تؤدي إلى حدوث تقلبات حادة في سعره. وقد شهد السوق فائضًا نسبيًا في المعروض، في الوقت الذي تباطأ فيه النمو الاقتصادي، وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وفنزويلا. وقد ساهمت حكومات المنطقة في دعم مبادرات التنويع الاقتصادي عبر منح الأولوية للتحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي. ويشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي «تقترب من مستوى الاقتصادات المتقدمة أو تضاهيها، كما يتضح من مؤشر الوصول الرقمي المعزز»، حيث حققت أداءً جيدًا في مجالات البنية التحتية الرقمية والقدرة على تحمل التكاليف. ويشير التقرير إلى الأصول الخارجية التي تحتفظ بها دول الخليج، على الرغم من تفاوتها بين دولة وأخرى. فقد تراوحت قيمة الأصول الاستثمارية الدولية الإجمالية بين 90% من الناتج المحلي الإجمالي في البحرين و760% من الناتج المحلي الإجمالي في الكويت حتى عام 2023. ويشير التقرير إلى سمتين سلبيتين إلى حد ما، وهما مرتبطتان ببعضهما هما: مدى استمرار هيمنة القطاع العام باعتباره الموفر الرئيسي للوظائف، والمصدر الرئيسي للاستثمار. ويرى صندوق النقد الدولي ضرورة تعزيز التنمية بقيادة القطاع الخاص. وقد كانت معدلات النمو في القطاع غير النفطي جيدة، ومن المتوقع أن يرتفع النمو بنسبة تتراوح بين 2.5% و4.5%، مدعومًا باستضافة المنطقة لفعاليات دولية كبرى، لا سيَّما الفعاليات الرياضية. وتتفاوت حصة الصادرات غير النفطية بشكل كبير، بدءًا من 5-7% من الناتج المحلي الإجمالي في الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية، وصولًا إلى 60% في الإمارات العربية المتحدة، وهو ما يعكس تطور المراكز التجارية والصناعية. وعلى الرغم من أن مستوى التوظيف في القطاع العام في المنطقة أعلى من المستوى الأمثل لتحقيق اقتصاد متوازن، إلا أنه يعني أن ثروة النفط موزعة إلى حد ما على مختلف قطاعات الاقتصاد، وليست حكرًا على النخبة، وهو ما يدعم الطلب المحلي. ومع ذلك، يرى صندوق النقد الدولي ضرورة تقليص الفجوة في الأجور بين القطاعين العام والخاص. ولطالما رحّبت دول الخليج بالمهاجرين، كما أن لديها نظاما متطورا لتأشيرات العمل. وقد ساهم ذلك في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في منطقة تتمتع بمعدل مرتفع لدخل الفرد ولكن عدد سكانها الأصليين منخفض. وتتمتع المنطقة بموقع استراتيجي يمكّنها من استقطاب الكفاءات من جميع أنحاء العالم، لا سيما مع تراجع ترحيب الولايات المتحدة وأوروبا بالمهاجرين. ويوصي الصندوق أيضًا بمواصلة تطوير الأسواق المالية المحلية، حيث أشار إلى وجود مجال لتوسيع نطاق أسواق الائتمان والسندات. وتتمتع الدول التي لديها نسبة أعلى من الديون بالعملة المحلية، وقواعد استثمارية متنوعة، بعوائد سندات أكثر استقرارًا وسيولة سوقية أكبر خلال فترات الضغوط المالية. وبشكل عام، وعلى الرغم من أن التوقعات الاقتصادية العامة للعالم لا تزال «تميل نحو الجانب السلبي»، حسبما يشير التقرير، فإن دول الخليج تبدو في وضع جيد يتيح لها إمكانية مواجهة التحديات بنجاح.
375
| 05 يناير 2026
في عام 2016، كانت سباقات الفورمولا 1، تعاني من تراجع شعبيتها وعلامتها التجارية. فقد انخفضت أعداد الحضور والمشاهدين، وكانت نتيجة بعض السباقات متوقعة إلى حد ما، كما أن قاعدة المشجعين كانت تتكون في الغالب من الذكور وكبار السن. ومع مرور سبعين عامًا على انطلاقتها، كان تمثيل هذه الرياضة ضعيفًا إلى حد ما خارج موطنها الأصلي في أوروبا. استحوذت شركة ليبرتي ميديا على مجموعة الفورمولا 1 في 2016، وأدرك المالك الجديد أن رياضة الفورمولا 1 لم تحظَ بالترويج الكافي لنفسها. فمع ضعف حضورها على وسائل التواصل الاجتماعي، كانت تواجه صعوبة في استقطاب الجيل الجديد من المتابعين. ولم تكن هذه الرياضة عالمية بالمعنى الحقيقي، فعلى سبيل المثال، لم تجذب سوى جمهور محدود في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث توجد سباقات سيارات محلية منافسة مثل ناسكار وإندي 500. ومنذ ذلك الحين، وتحت إدارة شركة ليبرتي ميديا، المالكة لحقوق سباقات الفورمولا 1، شهدت هذه الرياضة تحولاً جذريًا، لتصبح علامة تجارية عالمية تحظى بشعبية واسعة ومكانة مرموقة. وكان من أبرز العوامل المؤثرة في هذا التحول مسلسل "درايف تو سرفايف" (Drive to Survive)، الذي بدأ عرضه على شبكة نتفليكس في عام 2019. فمن خلال عرض الدراما التي تدور خلف الكواليس، أصبح السائقون أقرب إلى الواقع وأكثر إنسانية بالنسبة للجيل الجديد من المشجعين. وأعقب ذلك عرض فيلم الحركة "الفورمولا 1: ذا موفي" (F1: The Movie)، من بطولة براد بيت. وقد ساهمت هذه المبادرات، إلى جانب الرعاة الجدد والحملات التسويقية المتميزة على وسائل التواصل الاجتماعي، في تعزيز قاعدة المشجعين وجذب عدد أكبر من الشباب والمتابعات من النساء. وتشير جميع الإحصائيات في نفس الاتجاه؛ فقد وصل عدد مشجعي سباقات الفورمولا 1 هذا العام إلى 826.5 مليون مشجع، بزيادة قدرها 90 مليونًا منذ عام 2023. ويتجاوز عدد مشاهدي السباقات عبر التلفزيون على مستوى العالم مليار مشاهد. وقد لوحظ حدوث نمو واضح في عدد المشجعين في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج. ففي الفترة ما بين عامي 2007 و2012، لم يُقم أي سباق للجائزة الكبرى في الولايات المتحدة. أما الآن، تستضيف الولايات المتحدة سنويًا ثلاثة سباقات للجائزة الكبرى، بما في ذلك سباق لاس فيغاس الليلي المبتكر، كما تستضيف دول الخليج أربعة سباقات تُقام في البحرين، والسعودية، وقطر، وأبوظبي. وتكشف هذه الشراكات والمشاريع الفرعية عن براعةٍ فائقة، حيث تعقد شراكات مع شركات الألعاب، على سبيل المثال. وتُعدّ علامة "هوت ويلز" (Hot Wheels) التابعة لشركة "ماتيل" (Mattel) خيارًا مثاليًا، بينما تتميز مجموعة المبادرات التي انطلقت بالتعاون مع شركة ليغو للألعاب بأنها ممتعة للغاية. وقد تلقّى سائقو السباقات نماذج لكؤوس مصنوعة باستخدام مكعبات الليغو، بل وحتى نسخًا طبق الأصل بالحجم الطبيعي لسيارات الفورمولا 1 من ليغو قابلة للقيادة. وكما هو الحال في جميع الرياضات الحديثة، حوّل تحليل البيانات السباق إلى علم دقيق، حيث باتت كل تفاصيل القيادة، والسائق، والحلبة، والطقس تُسجّل في بيانات تصل سعتها إلى أكثر من تيرابايت لكل سباق. وكان فريقٌ مكون من 40 محللاً يعمل في مركزٍ بالمملكة المتحدة على بُعد آلاف الأميال، ويراقب هذه المعلومات، ويقدم التوجيهات اللازمة لمساعدة الفنيين في منطقة الصيانة. وتُتيح الرياضة التي تعتمد بشكلٍ كبير على التكنولوجيا فرصًا للمصنّعين لعرض ابتكاراتهم. فعلى سبيل المثال، تُعدّ شركة شل العملاقة في قطاع إنتاج النفط من الرعاة الرئيسيين لفريق فيراري منذ زمنٍ طويل، وتقدر قيمة رعايتها للفريق بحوالي 40 مليون يورو للموسم الواحد في الوقت الحالي. وتُروّج الشركتان لمنتجات بعضهما البعض، وقد طوّرت شل وقودًا متخصصًا لسيارات الفورمولا 1، وهو ما ساهم في تحسين أدائها. وقد حققت سباقات الفورمولا 1 ديناميكية تجارية مربحة تضاهي العلامات التجارية الفاخرة، حيث يزداد الطلب كلما ارتفع السعر. ويساهم حضور سباق الجائزة الكبرى في منح الشخص مكانة اجتماعية مرموقة. وقد تتجاوز تكلفة الباقات المؤسسية لحضور بضعة أيام من منافسات السباق بصفتك ضيفًا لفريق أو راعٍ في سباقات الفورمولا 1 مبلغ 30 ألف دولار. وتتماشى هذه الظاهرة مع توجه تجاري ملحوظ يميل إلى دفع مبالغ إضافية مقابل خوض تجارب استثنائية. ويهدف جزء كبير من النشاط في وسائل الإعلام الجديدة إلى تشجيع الناس على حضور السباقات بشكلٍ مباشر. الفورمولا 1 مثال حي على أن التسويق الذكي يحوّل الرياضة إلى قوة عالمية مؤثرة.
294
| 16 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...
4281
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...
3693
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...
1467
| 13 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
1026
| 11 مايو 2026
قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...
849
| 13 مايو 2026
في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...
693
| 13 مايو 2026
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...
663
| 12 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
633
| 09 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية،...
624
| 14 مايو 2026
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...
612
| 13 مايو 2026
أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...
585
| 11 مايو 2026
نُقل عن الصحابي عبد الله بن مسعود رضي...
561
| 09 مايو 2026
مساحة إعلانية