رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هرمز ومعادلة الأمن الخليجي

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كان الاتفاق الأمريكي الإيراني خطوة جيدة أم سيئة، بل ما إذا كان كافيًا لتهدئة منطقة أصبحت تختبره يومًا بعد يوم. فبعد أيام قليلة من الحديث عن وقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، جاءت الهجمات على السفن التجارية، ثم الردود العسكرية الأمريكية، ثم الهجوم بالطائرات المسيرة، لتؤكد أن الاتفاق لم يتحول بعد إلى استقرار، بل لا يزال أقرب إلى هدنة قلقة. هذه هي نقطة الضعف الأساسية في الاتفاق، فهو يخفف حدة المواجهة، لكنه لا يعالج جذورها بالكامل. النظام الإيراني باقٍ، وبرنامج الصواريخ الباليستية لم يُحسم، وشبكة الحلفاء الإقليميين لا تزال جزءًا من ميزان القوة الإيراني. أما الملف النووي، فهو أخطر اختبار. فالتعهد بعدم إنتاج سلاح نووي لا يكفي إذا لم ترافقه رقابة صارمة وشفافة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومعرفة دقيقة بمصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. من زاوية خليجية، لا يمكن قراءة الاتفاق بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا فقط. الهجمات الأخيرة على السفن في مضيق هرمز وحول المياه العمانية تكشف أن إيران لا تزال تستخدم الممرات البحرية كورقة ضغط. لذلك كان موقف دول مجلس التعاون واضحًا: الترحيب بالدبلوماسية لا يعني القبول بأي رسوم أو قيود أو محاولة لفرض سيطرة سياسية على ممر دولي حيوي. حرية الملاحة ليست تفصيلًا فنيًا، بل جزء من أمن الطاقة والتجارة والغذاء في الخليج والعالم. كما أن كلفة عدم اليقين لا تظهر في أسعار النفط وحدها، بل في التأمين والشحن والسياحة وثقة المستثمرين. فكل حادث بحري، حتى إذا لم يؤدِ إلى خسائر كبيرة، يرفع سؤالًا واحدًا لدى الأسواق: هل يستطيع الخليج ضمان استمرار التدفق التجاري في لحظة الأزمة؟ الرسالة الأهم أن الخليج لا يملك ترف انتظار الضمانات من الآخرين. صحيح أن الحوار مع إيران ضروري، وأن استقرار إيران اقتصاديًا قد يخدم المنطقة، لكن الانفتاح يجب أن يكون مشروطًا وقابلًا للتراجع إذا استمرت التهديدات. العلاقات الجيدة لا تُبنى على حسن النوايا وحده، بل على سلوك قابل للقياس: توقف الهجمات، احترام الملاحة، قبول الرقابة النووية، وعدم تحويل الأزمات الإقليمية إلى أدوات تفاوض. لذلك، يجب أن يكون الرد الخليجي مزدوجًا: دبلوماسية نشطة مع إيران، واستقلالية إستراتيجية أكبر. ويشمل ذلك تسريع مشاريع السكك الحديدية والربط البري، وتطوير بدائل لوجستية للتجارة والطاقة، وتقوية التنسيق البحري والأمني، وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن هشاشة الممرات البحرية. الاتفاق قد يكون فرصة، لكنه ليس طمأنة. وإذا كانت الأزمة قد كشفت شيئًا، فهو أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر نفطي، بل نقطة اختبار لمستقبل الخليج. ومن الحكمة أن يتعامل الخليج مع هذه المرحلة بعقل بارد: يفتح الباب للدبلوماسية، لكنه لا يربط أمنه الاقتصادي بوعود لم تثبت بعد.

372

| 29 يونيو 2026

معضلة الفائدة والتضخم

عاد التضخم إلى صدارة المشهد الاقتصادي، بعد فترة اعتقدت فيها الأسواق أن المعركة الكبرى ضده قد انتهت. فقد بلغ التضخم في الولايات المتحدة ذروته في منتصف عام 2022 عند 9.1 %، ثم تراجع مع رفع أسعار الفائدة. لكن الأرقام الأخيرة تشير إلى أن الضغوط السعرية لم تختفِ، إذ وصل مؤشر أسعار المستهلكين إلى 4.2 % على أساس سنوي في مايو 2026، بينما بقي التضخم الأساسي عند 2.9 %. لهذا السبب، لم يعد خفض أسعار الفائدة خيارًا قريبًا كما كان يتوقع بعض المستثمرين. فقد أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه الأخير سعر الفائدة عند مستوى يتراوح بين 3.5 % و3.75 %، لكنه أرسل رسالة واضحة بأن التضخم لا يزال أعلى من الهدف، وأن استقرار الأسعار ما زال الأولوية الأساسية. هذه الرسالة مهمة عالميًا، لكنها أكثر أهمية لدول الخليج، حيث ترتبط معظم العملات بالدولار الأمريكي. فكلما بقيت الفائدة الأمريكية مرتفعة، بقيت تكلفة التمويل مرتفعة في المنطقة، وتأثرت القروض، والاستثمارات، وأسواق العقار، وقدرة الشركات على التوسع. المشكلة أن التضخم الحالي لا يأتي من الطلب وحده. جزء كبير منه مرتبط بصدمات خارجية، خصوصًا أسعار الطاقة واضطرابات الإمداد نتيجة التوترات في الشرق الأوسط. وهذا يضع الفيدرالي أمام معضلة صعبة: رفع الفائدة لا يستطيع إنهاء الصراعات أو إعادة فتح سلاسل الإمداد، لكن التهاون مع التضخم قد يسمح له بالترسخ في الأسعار والأجور. وتزيد الضغوط السياسية من صعوبة القرار. فالرئيس دونالد ترامب يفضّل خفض أسعار الفائدة لدعم النمو والأسواق، بينما يواجه رئيس الفيدرالي كيفن وارش اختبارًا مبكرًا لمصداقيته. فهو لا يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع البيت الأبيض، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يُنظر إليه كرئيس للفيدرالي سمح بعودة التضخم. لذلك تبدو السياسة النقدية الأمريكية الآن عالقة في منطقة وسطى: لا خفض قريبًا، ولا رفع سريعًا إلا إذا استمرت الضغوط السعرية. وهذا يعني أن الفائدة المرتفعة قد تبقى لفترة أطول، حتى لو كانت الأسواق والحكومات تتمنى عكس ذلك. وقد يستخدم الفيدرالي أدوات أخرى لإدارة السيولة والميزانية العمومية، لكن هذه الأدوات لا تعوض عن سعر الفائدة إذا أصبح التضخم أكثر ثباتًا. فالسياسة النقدية تستطيع تهدئة الطلب، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة صدمات الطاقة أو المخاطر الجيوسياسية. الخلاصة أن عصر التخفيضات السهلة لم يعد قريبًا. التضخم قد يبقى فوق المستوى المستهدف خلال 2026، وربما يمتد أثره إلى ما بعد ذلك إذا لم تستقر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. وبالنسبة لدول الخليج، فإن بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة يعني أن مرحلة السيولة الرخيصة لن تعود سريعًا.

300

| 22 يونيو 2026

الخليج وتسارع الثورة الرقمية

يؤكد الإعلان الصادر في أواخر عام 2025 أن قطر أصبحت أحدث دولة خليجية، بعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تؤسس شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، على أن المنطقة أصبحت تتجه بخطى متسارعة لتصبح مركزًا للتكنولوجيا المتقدمة. وتُعد شركة «قاي» (Qai) من الشركات المملوكة بالكامل لجهاز قطر للاستثمار، الصندوق السيادي لدولة قطر. وستعمل الشركة على تطوير تطبيقات تجارية، مثل الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، بالاعتماد على التقنيات القائمة، بدلاً من تطوير نماذج لغوية ضخمة خاصة بها. وقد ارتبطت فعالية الذكاء الاصطناعي بقدرة هذه التقنيات على تحديد تطبيقات متخصصة تتلاءم مع سياق تجاري محدد. ويأتي هذا الإعلان في إطار مسار أوسع نطاقًا لتطور رقمنة اقتصادات دول الخليج؛ إذ تساهم الفرص الاستثمارية وتوافر مصادر الطاقة الرخيصة بالمنطقة في جعلها وجهة جذابة لشركات التكنولوجيا العالمية، مع تشجيع الحكومات للمؤسسات المحلية، وسعيها إلى تعزيز بنيتها التحتية الرقمية. ويسهم ذلك بدوره في تمكين الاقتصادات الخليجية من تحقيق أقصى استفادة من التقنيات الناشئة، إلى جانب تنويع مصادر عائدات التصدير، بعيدًا عن الاعتماد الحصري على إيرادات النفط والغاز. ويؤكد تقرير جديد صادر عن صندوق النقد الدولي على أن التحول الرقمي في منطقة الخليج يسير بخطى حثيثة. ويقر التقرير بأن دول الخليج قد وضعت استراتيجيات واضحة للتحول الرقمي، وجعلتها في صميم مسارات التنمية الاقتصادية. ويحدد التقرير ثلاث ركائز أساسية هي في القطاع العام ينبغي أن يتمثل الهدف في توسيع عملية تقديم الخدمات الرقمية وتحسينها، بما يؤدي إلى رفع الكفاءة، وتعزيز تحصيل الإيرادات، وتحقيق قدر أكبر من الشفافية المالية. وفي القطاع المالي ينبغي تشجيع الخدمات المصرفية الرقمية، إلى جانب إنشاء شركات التكنولوجيا المالية وتطويرها، بما يسهم في تعزيز الشمول المالي، ومساعدة الأفراد الذين لا يملكون حسابات مصرفية. وفي قطاع الشركات، من المتوقع أن تتحقق مكاسب في الإنتاجية بفعل تحسين البنية التحتية الرقمية، وتطوير المهارات الرقمية، واعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي. كما توجد إمكانية لتحسين سبل الوصول إلى العملاء وزيادة المرونة في التسعير. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى فقدان بعض الوظائف، ولكنه سيؤدي أيضًا إلى توفير فرص عمل جديدة. وتُحرز دول الخليج تقدمًا ملحوظًا في بعض الجوانب الرئيسية، لا يقل كثيرًا عن معايير الاقتصادات المتقدمة في مدى جاهزيتها للمراحل المقبلة من الثورة الرقمية. وفي ما يتعلق بالتقدم نحو رقمنة خدمات القطاع العام، خلص صندوق النقد الدولي إلى أن دول الخليج باتت على الأقل في مستوى مماثل للاقتصادات المتقدمة. وبحسب مؤشر الوصول الرقمي المعزز (EDAI) المعترف به دوليًا، نجحت المنطقة في تقليص الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة. ويستند هذا المؤشر، الذي طوره صندوق النقد الدولي، إلى تقييم القدرات الرقمية لدى السكان وجودة التكنولوجيا، ويشمل خمسة عناصر رئيسية هي: توافر البنية التحتية، وتيسير سبل الوصول إليها، والمعرفة الرقمية لدى السكان، وجودة خدمات تكنولوجيا المعلومات، واستخدام الإنترنت. إلا أن التقدم لا يزال متفاوتًا.

393

| 14 يونيو 2026

أزمة السياحة في الخليج.. ما العمل الآن؟

بعد ست سنوات فقط من تسبب جائحة كوفيد-19 في توقف معظم أنشطة السفر والسياحة، يواجه قطاع السياحة والضيافة في الخليج أزمة جديدة لا تقل صعوبة. فقد أدى النزاع الذي اندلع في 28 فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى إلى إغلاق المجال الجوي لعدة أسابيع، وتضرر بعض البنية التحتية، وتصاعد المخاوف الأمنية، وهو ما انعكس مباشرة على أعداد الزوار وحركة الطيران ونسب إشغال الفنادق. لكن التعامل مع هذه الأزمة يجب ألا يبدأ من وصف الخسائر فقط، بل من تحديد ما يمكن فعله الآن. المطلوب خطة إنقاذ ذكية وسريعة تقوم على تنشيط الطلب المحلي والخليجي، تخفيض التكاليف التشغيلية والرسوم الحكومية، دعم الرحلات الجوية، تسهيل تنظيم الفعاليات، توفير تمويل مرحلي للفنادق القابلة للاستمرار، وإعادة بناء الثقة في الأسواق الخارجية. فالسياحة لا تتعافى بمجرد فتح المجال الجوي، بل تحتاج إلى إدارة نشطة للطلب والتكاليف والصورة الذهنية. لذلك، فإن أول مسار يجب أن يكون تنشيط السياحة المحلية والخليجية. فالزائر القادم من أوروبا أو آسيا قد يؤجل السفر إلى المنطقة بسبب المخاوف الأمنية، بينما الزائر الخليجي أقرب إلى الواقع الإقليمي وأكثر قدرة على تقييم المخاطر. ومن هنا، يجب أن تتحول الحملات التسويقية في هذه المرحلة نحو العائلات الخليجية، والإقامات القصيرة، وعطلات نهاية الأسبوع، والباقات التي تجمع بين الفنادق والمطاعم والمتاحف والفعاليات الترفيهية. كما يجب أن يكون التسعير مرناً لا عشوائياً. التخفيض العام للأسعار قد يضر بصورة السوق ولا يضمن زيادة كافية في الطلب. الأفضل هو تصميم عروض محددة للإقامات الطويلة، والعمل عن بعد، والعائلات، والفعاليات الصغيرة. أما الحكومات، فيمكنها دعم القطاع من خلال أدوات عملية لا تعتمد فقط على الإعانات المباشرة. من أهم هذه الأدوات تخفيض أو إعفاء بعض الرسوم الحكومية بصورة مؤقتة، مثل رسوم التراخيص السياحية، ورسوم البلدية، ورسوم الفعاليات والتصاريح، وبعض رسوم الخدمات. فهذا النوع من الدعم يخفف الضغط على التدفقات النقدية فوراً، من دون أن يتحول إلى إنفاق مباشر بلا مقابل. إلى جانب ذلك، يمكن للحكومات إطلاق قسائم سياحية داخلية للمواطنين والمقيمين، تستخدم في الفنادق والمطاعم والمتاحف والجولات المحلية. هذه الأداة أفضل من الدعم العام، لأنها توجه الإنفاق مباشرة إلى القطاع المتضرر، وتشجع الطلب المحلي في وقت قد يتراجع فيه الطلب الخارجي. كما يمكن تسهيل التأشيرات وخفض بعض رسوم الدخول المؤقتة للزوار من الأسواق المستهدفة، حتى لا تكون الإجراءات نفسها عائقاً إضافياً أمام التعافي. أما التمويل، فيجب أن يكون مرحلياً وذكياً. يمكن إنشاء صندوق لإعادة تمويل الفنادق المتضررة من خلال البنوك، بصيغة قروض حسنة من دون فوائد، مع فترة سماح مناسبة وجدول سداد طويل. غير أن هذا التمويل يجب ألا يكون بديلاً عن إعادة الهيكلة أو خفض التكاليف. ومن الأفضل ربطه بالحفاظ على العمالة قدر الإمكان، وعدم استخدام السيولة في توزيعات الأرباح أو المكافآت الإدارية، وتقديم خطة تشغيلية واضحة، كما تستطيع الحكومات دعم القطاع من خلال الطلب الحقيقي على الخدمات، فبدلاً من تقديم دعم مالي فقط، يمكن توجيه بعض البرامج التدريبية، والاجتماعات، والمؤتمرات الداخلية، والفعاليات الرسمية إلى الفنادق المحلية، ويمكن كذلك تنظيم فعاليات ثقافية ورياضية بالشراكة مع القطاع الخاص، بما يرفع نسب الإشغال ويعيد الحركة إلى السوق.

426

| 07 يونيو 2026

النفط في عصر التراجع

يُعدّ تدمير الطلب Demand Destruction ظاهرةً راسخةً ومعروفة في علم الاقتصاد. ويحدث هذا التدمير عندما يؤدي تقليص العرض لفترة طويلة، أو ظهور تقنية ثورية، إلى انخفاض مستمر في الطلب، يصعب تعويض جزء كبير منه، وهو ما يُمثّل تغييرًا جوهريًا في السوق. فهل نشهد هذا الأمر في قطاع النفط والغاز، نتيجةً للصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما يصاحبه من حصار لمضيق هرمز؟ ورغم أن ارتفاع أسعار النفط ظل معتدلاً حتى الآن، فمن المحتمل أن تواصل الأسعار ارتفاعها بدلاً من التراجع. وقد لجأت الاقتصادات المتقدمة إلى ضخ كميات كبيرة من احتياطياتها النفطية للتخفيف من آثار اضطرابات الإمدادات، إلا أن هذا الإجراء بطبيعة الحال لا يمكن أن يستمر لأجل غير مسمى. كما جرى الاعتماد على المخزونات التجارية، ولكنها أيضًا محدودة الكمية. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك بالفعل كميات كبيرة من النفط والغاز قيد النقل عند اندلاع الصراع، غير أن هذه الكميات تتراجع مع كل أسبوع يستمر فيه إغلاق المضيق. ومن المتوقع أن يشكل بلوغ أسعار النفط مستوى 100 دولار أو أكثر للبرميل، مقارنة بنحو 65 دولارًا في عام 2025، سمة ملازمة للاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة. وقد يؤدي هذا السيناريو إلى حدوث انخفاض طويل الأمد في الطلب على المنتجات النفطية، وتشير بعض المؤشرات إلى أن هذا الأمر قد بدأ يحدث بالفعل. ووفقًا لاستطلاع أجرته مجلة "الإيكونوميست"، انخفض الطلب على النفط في شهر أبريل بنحو 4 ملايين برميل يوميًا مقارنةً بالتوقعات. ومن حيث الحجم، تُعد هذه أكبر صدمة في إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث. لكنها لا تمثل، على الأقل حتى الآن، أكبر صدمة اقتصادية. ويعود ذلك جزئيًا إلى انخفاض كثافة استهلاك النفط في الاقتصاد العالمي منذ أزمتي أسعار النفط في عامي 1973 و1979. ففي أواخر القرن العشرين، كانت مؤشرات النمو الاقتصادي تتحرك بعلاقة عكسية تقريبًا مع أسعار النفط، إلا أن هذه العلاقة أصبحت أضعف في الوقت الراهن. ففي عام 1973، كان يُستهلك حوالي 131 لترًا من النفط لكل 1000 دولار من نمو الناتج المحلي الإجمالي، بينما انخفض هذا الرقم إلى 52 لترًا بحلول عام 2025. وعلى سبيل المثال، أصبحت أوروبا أقل اعتمادًا على النفط والغاز في توليد الكهرباء. وقد أسفر الاستثمار في الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، فضلاً عن تعزيز قدرات شبكات الكهرباء، عن تقليل حدة الاضطرابات والتضخم مقارنة بما حدث في عام 2022 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي أدى إلى تقليص إمدادات النفط والغاز. وفي فرنسا، يبلغ سعر عقد الطاقة الآجل لمدة عام واحد حوالي 50 يورو لكل ميغاواط في الساعة، مقارنةً بذروة تجاوزت 1000 يورو في أغسطس 2022. ويمثّل تطوّر الطاقة المتجددة سمةً من سمات انخفاض الطلب على النفط والغاز غير أن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا من ذلك، إذ إن النفط باعتباره سلعة حيويةً له استخدامات عديدة تتجاوز بكثير عمليات التكرير لإنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات. ومن بين المنتجات المكررة النفتا، التي تأثرت إمداداتها بالصراع في منطقة الخليج. وتُعدّ النفتا المكون الأساسي للبلاستيك، كما تحتوي المركبات الكهربائية على العديد من المكونات المشتقة من النفط، بما في ذلك الأجزاء البلاستيكية في الهيكل، والسوائل الهيدروليكية، وبعض مكونات بطاريات الليثيوم أيون. وبالمثل، تُستخدم المواد البلاستيكية في الألواح الشمسية وتوربينات الرياح. وتشمل السلع الأخرى المتأثرة بإغلاق مضيق هرمز الهيليوم، الذي يُستخدم في تصنيع الشرائح الإلكترونية الخاصة بالذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية. كما تأثرت بشكل كبير إمدادات الأسمدة الموجهة للقطاع الزراعي نتيجة الحصار، إلى جانب الألومنيوم الذي يدخل في العديد من الاستخدامات الصناعية. وقد لا تتوافر بدائل لبعض السلع، إلا أن التغيرات في بعض القطاعات، إلى جانب النفط والغاز، قد تكون طويلة الأمد. ففي قطاع السياحة، ظهرت أزمة حادة في منطقة الخليج، حيث أدى اندلاع النزاع وإغلاق المجال الجوي إلى انخفاض حاد في عدد الرحلات السياحية. كما ساهم نقص إمدادات وقود الطائرات في حدوث ارتفاع حاد في أسعار تذاكر الطيران. ومن المرجّح أن يستغرق تعافي قطاع السياحة وقتًا طويلاً. ويُعدّ التنقل اليومي مثالاً آخر على ذلك. فقد رشدت العديد من الدول استهلاك الطاقة، أو فرضت أسلوب العمل من المنزل في القطاع العام للحد من استهلاك البنزين، في الوقت الذي شهد ارتفاع أسعار الوقود في محطات التزويد. ونظرًا لتزايد القيود المفروضة على إمدادات النفط والمنتجات ذات الصلة، فمن المتوقع استمرار هذه الإجراءات لفترة طويلة.

522

| 16 مايو 2026

آفاق قاتمة للاقتصاد العالمي

حذر صندوق النقد الدولي من أننا قد نكون بصدد دخول أكبر أزمة للطاقة في العصر الحديث. وتُهيمن المخاطر السلبية على المشهد الاقتصادي في أعقاب اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة أخرى، وما صاحبه من توقف شبه تام لحركة التجارة عبر مضيق هرمز. تشير التوقعات إلى أن الآفاق المستقبلية تُعدُ سيئة بالنسبة للاقتصادات الناشئة، في ظل مواجهتها لفواتير أعلى وتراجع في قيمة عملاتها. وقد أدى النزاع، الذي اندلع خلال موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، إلى تقليص إمدادات الأسمدة والطاقة وغيرها من السلع الأساسية. ولحسن الحظ، كان النمو الاقتصادي في تصاعد قبل اندلاع النزاع، فيما ظلت معدلات التضخم تحت السيطرة، وازدهرت حركة التبادل التجاري. وتمتلك العديد من الدول احتياطيات استراتيجية من النفط والسلع الأخرى، إلا أن هذه الاحتياطيات تظل محدودة بطبيعتها. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن تجارة الخدمات أثبتت قدرتها على الصمود في وجه التوترات الجيوسياسية؛ إذ باتت قطاعات مثل الخدمات المالية، وتكنولوجيا المعلومات، وخدمات الأعمال أقل تأثرًا وذلك بفضل المنصات الرقمية، والحوسبة السحابية، وآليات تقديم الخدمات عن بُعد. ومع ذلك، ستكون التكاليف المتزايدة للتجارة المادية كبيرة. وقد استعرض صندوق النقد الدولي ثلاثة سيناريوهات محتملة بشأن النزاع هي: سيناريو "مرجعي" يفترض أن يكون النزاع قصير الأمد؛ وسيناريو "سلبي" ينطوي على امتداد أمد النزاع؛ وسيناريو "شديد" يتوقع حدوث أضرار واسعة إضافية في منشآت النفط والغاز. وحتى في ظل السيناريو المرجعي، من المتوقع أن ترتفع أسعار سلع الطاقة بنسبة 19% في عام 2026، مقارنةً بانخفاضها الطفيف في أكتوبر 2025، بينما سترتفع أسعار النفط بنسبة 21.4%. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الغاز بنسبة أكبر، نظرًا لتكلفة وتعقيد إعادة عملية استئناف الإنتاج. كما من المتوقع ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتُهيمن المخاطر السلبية على المشهد. ففي السنوات الأخيرة، مال العديد من الاقتصاديين والمستثمرين إلى التقليل من شأن الجغرافيا السياسية باعتبارها مصدرًا للاضطراب الاقتصادي، بعدما شهدوا حالات عديدة من تصاعد التوترات دون تأثير يُذكر على الاقتصاد العالمي. ومن الأمثلة على ذلك النزاع القصير في يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران، والنزاعات الجمركية بين الولايات المتحدة والصين خلال العام الماضي، فضلاً عن الهجمات التي شنّها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر. إلا أن الوضع الحالي يختلف؛ إذ إن حجم الاضطراب الذي طال تجارة السلع الاستراتيجية كفيل بإحداث تغييرات ملموسة في آفاق النمو والتضخم على مستوى العالم. وحتى في حال تسوية النزاع خلال وقت قريب نسبيًا، فإن آثاره الاقتصادية لن تتلاشى سريعًا، بل سيظل له تأثير اقتصادي في مرحلة لاحقة. ومن المرجح أن يشهد الربع الثالث من عام 2026 أكبر ضربة للنمو، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم. وشدّد صندوق النقد الدولي على أهمية تبني أفضل الاستجابات السياسية، محذرًا من اتباع سياسات مالية ونقدية متساهلة في ظل تصاعد الضغوط التضخمية. كما أشار إلى أن التدابير الرامية إلى حماية المواطنين من ارتفاع تكاليف الطاقة ينبغي أن تكون مؤقتة وموجهة بدقة، لتفادي تصاعد الضغوط التضخمية. ومن المتوقع أن يصبح الإنفاق الدفاعي الإضافي أمرًا لا مفر منه، بما في ذلك في دول الخليج، وهو ما قد يحمل بعض الأثر الاقتصادي الإيجابي، لكنه قد يزاحم في المقابل الإنفاق الاجتماعي، وهو ما ينذر بمخاطر حدوث اضطرابات سياسية. وفي الوقت نفسه، يقرّ التقرير بإمكانية مساهمة تحسينات الإنتاجية الناجمة عن تبني تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إلا أنه يلفت إلى وجود حالة من عدم اليقين بشأن مدى تأثيرها المحتمل. وكانت اقتصادات دول الخليج قد دخلت هذه الأزمة وهي تتمتع بوضع مالي سليم، غير أن ذلك لا ينبغي أن يكون مدعاة للتراخي. فقد تمثل الهدف الاستراتيجي لصناديق الثروة السيادية وعوائد استثماراتها دائمًا في تأمين مستقبل ما بعد النفط، لا أن تُستخدم بوصفها احتياطيًا طارئًا لمواجهة أزمة غير متوقعة. وفي ظل هذه التحولات، تبدو قطر ودول الخليج أمام اختبار يتجاوز قوة الاحتياطيات المالية وارتفاع أسعار الطاقة، إلى القدرة على الحفاظ على الاستقرار وتسريع التنويع الاقتصادي وسط عالم أكثر اضطرابًا وأقل يقينًا. وقد أثبتت قطر قدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة، إلا أن المرحلة المقبلة قد تتطلب مرونة أكبر وحذرًا اقتصاديًا أعلى.

507

| 09 مايو 2026

الخليج أمام معادلة صعبة

يسرد البنك الدولي في تقرير حديث الآثار السلبية المتفاقمة للنزاع الحاصل في الخليج، ويشير إلى أن تداعياته ستكون وخيمة حتى في حال عدم استمرار الحرب لأشهر أو سنوات. ويؤثر النزاع بشكل مباشر على ارتفاع معدلات التضخم، حيث يؤدي اضطراب حركة التجارة إلى ارتفاع الأسعار، لا سيَّما أسعار الوقود والسلع الأخرى والمواد الغذائية. كما تسببت الحرب في تعليق أو تأخير شحنات البضائع وإغلاق بعض المجالات الجوية والمطارات، وهو ما أدى إلى تراجع حركة التجارة. وبالإضافة إلى ذلك، تأثرت حركة السفر سلبًا من جراء النزاع، كما ستنخفض التحويلات المالية من الدول المصدرة للنفط إلى دول أخرى في المنطقة، وكانت العديد من دول الخليج تتمتع بمراكز مالية قوية قبل اندلاع الحرب بفضل الانضباط المالي الذي ساد لسنوات قبل نشوب النزاع الراهن، إلا أن هذه المكاسب تراجعت بفعل الحرب التي استمرت لأسابيع معدودة، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط المالية، وفقًا لما أشار إليه التقرير. ويشير تقرير اخر لصندوق النقد الدولي، حدوث ركود أكثر حدة نتيجةً لاضطراب حركة التجارة وتضرر البنية التحتية الصناعية، إلى أن هذا النزاع ينبغي أن يدفع واضعي السياسات الاقتصادية، بما في ذلك المخططون الاقتصاديون في دول الخليج، إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم بشكل جذري. ويرى التقرير أن المخاطر السلبية هي الغالبة، محذرًا من إمكانية حدوث أكبر أزمة للطاقة في العصر الحديث. وأضاف التقرير ما يلي: "قد تتسبب زيادة الإنفاق الدفاعي، المدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية، في تعزيز النشاط الاقتصادي على المدى القصير، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى ضغوط تضخمية، وإضعاف الاستدامة المالية والخارجية، فضلاً عن مخاطر تراجع الإنفاق الاجتماعي، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تأجيج حالة من السخط والاضطرابات الاجتماعية." وبالنسبة لدول الخليج، ستفرض الأزمة الأخيرة ضرورة ضخ استثمارات ضخمة لتنويع مسارات التجارة. وقد أسفرت الأزمة عن انخفاض إنتاج دول الخليج بنحو 10 ملايين برميل من النفط الخام يوميًا. وأثبت خط الأنابيب الذي أنشأته المملكة العربية السعودية بين الشرق والغرب، والممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، أهميته البالغة، إذ تبلغ طاقته الاستيعابية 7 ملايين برميل يوميًا، إلا أنه تعرض لهجوم إيراني في 9 أبريل. ويُعاني هذا المسار من نقطة ضعف إضافية، إذ تتجه السفن من ينبع شمالاً عبر قناة السويس، أو جنوبًا عبر مضيق باب المندب. وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت السفن العابرة لهذه المنطقة لهجمات شنّها الحوثيون المتحالفون مع إيران، ضمن حملة استهدفت حركة الملاحة التجارية في هذا الممر الحيوي. وتُقدَّر التكلفة الإجمالية لإصلاح الأضرار التي لحقت بقطاع النفط والغاز في دول الخليج من جراء الحرب بنحو 25 مليار دولار أمريكي، وذلك دون احتساب الاستثمارات في البنية التحتية الجديدة. وتواجه الدول المصدّرة والمستوردة للنفط؛ تداعيات وخيمة؛ إذ تواجه الدول المصدّرة تراجعًا في عائدات الصادرات، وفي بعض الحالات أضرارًا في البنية التحتية الصناعية، بينما تضطر الدول المستوردة إلى التعامل مع ارتفاع أسعار الواردات ومخاطر نقص الإمدادات. كما أن تصاعد معدلات التضخم يرجّح إمكانية الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية أو رفعها. وأفاد البنك الدولي بوجود تباينات في الأثر الاقتصادي، حيث بلغت الفجوة بين أعلى توقعات النمو وأدناها لعام 2026 نحو 12 نقطة مئوية كاملة. وتمتلك كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة طرق تصدير تتجاوز الخليج، فضلاً عن بعض مصادر التنويع الاقتصادي، وهو ما يرجّح تحقيقهما لنموٍ في الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري. أما الكويت وقطر تعتمدان بشكل أكبر على الصادرات عبر مضيق هرمز، رغم بعض جهود التنويع الاقتصادي، لا سيَّما من جانب قطر. وكان قطاع السياحة قد حقق نجاحًا ملحوظًا، إلا أن إغلاق المجال الجوي بسبب النزاع فرض قيودًا كبيرة على هذا القطاع. ومن المتوقع أن يشهد الاقتصاد القطري والكويتي انكماشًا في المستقبل القريب. وفي منطقة الخليج، من المتوقع أن يساهم النزاع الراهن في تسريع وتيرة المبادرات الرامية إلى تنويع مصادر الاقتصاد. والتركيز لتحقيق أكبر قدر من التقدم في تعزيز الجهود الرامية لتطوير قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية وغيرها، لتقلل من اعتمادها على النفط والغاز. ومع ذلك، لا تزال جميع القطاعات تعتمد على إمدادات السلع الأساسية. وقد تأثرت بعض دول المنطقة بهذا النزاع بدرجات أكبر من غيرها، غير أن المحصلة النهائية تبدو واحدة وهي أنه لا يوجد رابح في هذه المعركة.

585

| 02 مايو 2026

سبعة أسابيع غيرت مسار الاقتصاد العالمي

رغم أن وقف إطلاق النار بين أطراف النزاع الدائر حاليًا في الخليج يبدو صامدًا، إلا أن سبعة أسابيع فقط من الحرب كان لها تأثير كبير على الاقتصاد العالمي. فقد ارتفعت أسعار النفط من حوالي 70 دولاراً للبرميل قبل اندلاع هذا النزاع في 28 فبراير إلى أكثر من 100 دولار، قبل أن تتأرجح حول هذا الرقم. ولن يؤدي إعادة فتح مضيق هرمز إلى عودة سريعة للنشاط التجاري والاقتصادي الطبيعي. فقد تضررت بعض منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال والنفط، وتقلص الإنتاج في الآبار النفطية غير المتضررة، كما أن استعادة الضغط وإعادة التشغيل الكامل يتطلب وقتًا وخبرة فنية متخصصة. وفي المتوسط، سيستغرق إصلاح المنشآت النفطية ما بين ثلاثة وخمسة أشهر، وقد يمتد ذلك لفترة أطول في بعض المواقع. أما في حالة مصنع رأس لفان لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، الذي فقد 17% من طاقته الإنتاجية جراء الهجوم الإيراني في 10 مارس، سيستغرق إصلاح الأضرار عدة سنوات. وقد أدى النزاع إلى تعطيل جميع جداول الملاحة البحرية. وسوف ترتفع تكاليف التأمين نظرًا لتزايد المخاطر التي تهدد حركة الشحن في المنطقة. وهناك أسباب أخرى لتأخر تأثير الحرب. ففي بداية الأعمال العدائية، كانت الدول تمتلك مخزونات من السلع الأساسية، بالإضافة إلى احتياطيات استراتيجية، بينما كانت السفن المشحونة قبل بدء النزاع في طريقها بالفعل إلى وجهاتها. وفي شهر مارس، سُحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، ولكن هذا المصدر محدود بطبيعته. وتمتد التداعيات الاقتصادية لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره، بدايةً من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وصولاً إلى منتجي المحاصيل الزراعية. وقد شهدت بعض الدول انقطاعات في التيار الكهربائي وتطبيقًا لسياسات ترشيد استهلاك الطاقة. كما ان قطاع الطيران الأوروبي يعاني من نقص حاد في وقود الطائرات. ويُحدد أحدث تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي حول توقعات النمو العالمي ثلاثة سيناريوهات هي: التوقعات المرجعية، في حال حدوث نزاع محدود وإعادة فتح المضيق بسرعة، ففي هذه الحالة سيتباطأ النمو العالمي من 3.3٪ إلى 3.1٪، ويصل التضخم إلى 4.4٪. والسيناريو الثاني هو سيناريو سلبي يتمثل في حدوث زيادات كبيرة ومستمرة في أسعار الطاقة، وفي هذه الحالة سينخفض النمو إلى 2.5٪ ويبلغ التضخم 5.4٪. والسيناريو الثالث والأخطر، في حال استمرار النزاع لفترة طويلة مع حدوث مزيد من الأضرار التي تطال منشآت النفط والغاز في الخليج، ففي هذه الحالة سيتراجع النمو إلى 2% فقط، بينما سيتجاوز معدل التضخم 6%. ويشير السيناريوهان الأخيران إلى إمكانية حدوث ركود تضخمي عالمي. وسيكون التأثير متفاوتًا للغاية، حيث ستشهد الدول المتضررة بشكل مباشر من النزاع، مثل إيران والكويت ولبنان وقطر، أكبر الصدمات، إلى جانب الأسواق الناشئة الهشة التي تعتمد على استيراد السلع الأساسية. ومن المتوقع أن تشهد قطر تباطئا اقتصاديا، من معدل نمو معتدل إلى انكماش بنسبة 8.6%، وهو أكبر من نسبة النمو السلبي التي توقعها البنك الدولي في وقت سابق من شهر أبريل والبالغة 5.7%. ويعني ارتفاع مخاطر التضخم أن خفض أسعار الفائدة العالمية بات مستبعدًا في المدى القريب، مع ترجيحات بإمكانية الاتجاه نحو زيادتها في بعض الاقتصادات. ومن المرجح أن يكون لهذا النزاع تأثير كارثي على بعض المزارعين، نظرًا لأن مضيق هرمز يمثل ممرًا تجاريًا لنحو ثلث حركة نقل الأسمدة البحرية في الظروف العادية. وفي هذا السياق، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن نحو 45 مليون شخص قد يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، في حال استمر النزاع حتى منتصف العام الحالي واستقرت أسعار النفط عند مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل. وفيما يتعلق بالنفط، توجد مصادر أخرى حول العالم، لكن نفط الخليج رخيص وسهل الاستخراج. كما أنه نفط خفيف، ما يجعله أقل تكلفة في التكرير من النفط الثقيل القادم من فنزويلا. وتُصدّر المنتجات النفطية المكررة عبر الخليج، لذا فقد تتأثر بعض الدول التي تفتقر إلى قدرات تكريرية محلية بشدة، نظرًا لاعتمادها على هذه الإمدادات. حتى مع استمرار وقف إطلاق النار، لن تعود الأوضاع سريعًا إلى طبيعتها، إذ تمتد تداعيات النزاع تدريجيًا عبر أسواق الطاقة والتجارة والغذاء. وما يواجه الاقتصاد العالمي اليوم ليس اضطرابًا مؤقتًا، بل مرحلة ممتدة من الضغوط الاقتصادية بتكلفة مرتفعة.

486

| 26 أبريل 2026

هل يمهد «آفاق» الطريق لتكامل مالي خليجي؟

على مدى عقود، ظلّت المؤسسات المالية الغربية تتصدر المشهد الاقتصادي العالمي، فعلى صعيد وضع السياسات الاقتصادية وتقديم المشورة للحكومات المتعثرة، إلى جانب إقراض الاقتصادات الناشئة، تولى كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أدوارًا محوريةً. أما على مستوى البنية التحتية للنظام المالي العالمي، فقد احتكر نظام «سويفت» للتحويلات البنكية وشركتا البطاقات الائتمانية العملاقتان «فيزا» و«ماستركارد» موقع الصدارة بلا منازع. ويشهد هذا الواقع اليوم تحولاً ملموسًا، مع صعود اقتصادات ناشئة إلى مصاف الدول المتقدمة، وسعي القوى الاقتصادية الإقليمية إلى إيجاد بدائل للدولار، إضافة إلى الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية. ويرتبط ظهور أنظمة بديلة جزئيًا بالتنافس الجيوسياسي، لكنه يعكس أيضًا رغبةً متزايدةً في تعزيز الاستقلالية الاقتصادية وتسريع وتيرة النمو المحلي. وتتيح الثورة الرقمية خيارات جديدة لأنظمة دفع دولية فورية وأكثر سهولة، يمكن أن تكون تحت إدارة شركة خاصة، أو حكومة وطنية، أو تحالف إقليمي من الحكومات. وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت الدولار كسلاح عبر سياسة العقوبات التي تنتهجها، وهو ما دفع الدول المتضررة من هذه العقوبات، وفي مقدمتها روسيا في السياق الحالي، إلى البحث عن بدائل للمنصات المالية الغربية. وفي عام 2020 أطلقت البرازيل نظام Pix، وهو منصة مدفوعات فورية للتحويلات الرقمية تعمل بتقنية Reals، سرعان ما أصبحت وسيلة الدفع الأكثر استخداماً في البلاد. ويعمل النظام على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وهو ما جعله ركيزة أساسية في البنية المالية الرقمية للبرازيل. ويُمثل مشروع mBridge مبادرة مشتركة بين عدة بنوك مركزية لإنشاء منصة رقمية دولية للعملات، تتيح إمكانية تنفيذ المدفوعات العابرة للحدود بطريقة مباشرة بين الأطراف دون وسطاء. ويضم المشروع في عضويته كلاً من الصين والسعودية، ويُنظر إليه باعتباره بديلاً محتملاً لشبكة «سويفت». وقد بدأ استخدام المنصة يتوسع تدريجيًا من قِبل البنوك الصينية في تنفيذ المدفوعات الدولية، في خطوة تعكس توجهًا متناميًا نحو استخدام أنظمة دفع أكثر استقلالية وكفاءة. وتسعى أوروبا كذلك إلى تحقيق قدر من الاستقلالية عن الدولار. فقد روّجت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، لفكرة إطلاق عملة رقمية يشرف عليها البنك المركزي الأوروبي. وفي السياق نفسه، شكّلت تسعة بنوك أوروبية ائتلافاً لإصدار عملة مستقرة مربوطة باليورو. وأطلقت دول مجلس التعاون الخليجي نظام «آفاق»، وهو منظومة دفع إقليمية تتيح إمكانية تسوية المدفوعات بشكل فوري وبتكلفة منخفضة عبر منصة تعتمد أعلى معايير الأمان. ويأتي هذا النظام بديلاً للبنية التقليدية القائمة على ترتيبات المقاصة الثنائية بين البنوك المراسلة، فقد كان في المنطقة ستة أنظمة دفع مختلفة، لكل منها تنسيق ملفات خاص وأساليب اتصال مستقلة. ويدير هذا النظام شركة المدفوعات الخليجية، وهي شركة خاصة تمتلك أسهمها البنوكُ المركزية لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمنح المنظومة إطارًا مؤسسيًا موحدًا يعزز كفاءتها وموثوقيتها. ولا يقتصر دور نظام «آفاق» على تحسين كفاءة المعاملات فحسب؛ حيث يمكن لعمليات الدفع العابرة للحدود التي تتم بسرعة وسهولة وأمان المساهمة في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية في المنطقة. كما سيتمكن أمناء الخزائن في الشركات من إنشاء مركز إقليمي لإدارة المدفوعات والتحصيلات، بما يعزز انسيابية الحركة التجارية. وبينما كان أساس ثروة اقتصادات الخليج يعتمد على صادرات النفط والغاز إلى مختلف أنحاء العالم، تشهد المنطقة اليوم تنويعًا متسارعًا في مصادر الدخل ونموًا اقتصاديًا إقليميًا ملحوظًا. فقد ارتفعت قيمة التجارة البينية بين دول الخليج من 58 مليار دولار في عام 2010 إلى أكثر من 146 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بأن تتوسع هذه الأرقام بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة. وتشهد قطاعات متعددة، من بينها السياحة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية، نموًا لافتًا. ومن المتوقع أن يسهم في تسهيل العلاقات التجارية وتشجيع تدفق الاستثمارات، ويوفر بيئة أكثر تكاملاً للشركات والمستثمرين. ولا يُعدّ تطوير نظام «آفاق» بحد ذاته لعبة قوة جيوسياسية، بل هو مبادرة عملية تهدف إلى تحديث وتبسيط أنظمة الدفع الإقليمية لدعم التجارة والتنمية الاقتصادية. وقد يمثل هذا النظام تمهيدًا لإمكانية اعتماد عملة موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي الست في المستقبل، وهو ما يعزز التكامل المالي في المنطقة. ويعكس هذا ديناميكيتين رئيسيتين في الارتقاء التكنولوجي لأنظمة الدفع مع انتقالها نحو التسوية الفورية، والثانية هي التحول من عالم أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة والمؤسسات الغربية إلى جغرافيا سياسية متعددة الأقطاب.

525

| 14 أبريل 2026

قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار الأجانب بلغ 5.1 مليون في عام 2025، في نتيجة تعكس نجاح رؤية وُضعت بوضوح قبل سنوات قليلة. ففي عام 2021 أُطلقت الاستراتيجية الوطنية للسياحة بهدف طموح يتمثل في استقطاب 6 ملايين زائر سنويًا بحلول 2030. آنذاك بدا الهدف كبيرًا مقارنة بالأرقام التي لم تكن تتجاوز نحو مليوني زائر قبل الجائحة، إلا أن تجاوز حاجز الخمسة ملايين اليوم يؤكد أن الخطة لم تكن مجرد طموح نظري، بل مسار مدروس يجري تنفيذه بثبات وفاعلية. في أواخر 2022 وبداية 2023، أدى ارتفاع الدولار إلى زيادة كلفة زيارة الخليج، قبل أن تتغير المعادلة مع تحولات السياسة الأمريكية وضعف العملة لاحقًا. كما أسهمت قيود التأشيرات في بعض الدول الغربية على الزوار الآسيويين في تعزيز جاذبية المنطقة. ومع ذلك، فإن جاذبية قطر لا تقوم على عوامل خارجية فحسب، بل على مبادرات مبتكرة أثمرت نتائج ملموسة. وشهدت الاستعدادات لكأس العالم 2022 استثمارات كبيرة في تطوير البنية التحتية، خصوصًا النقل والطاقة الفندقية، مع رؤية واضحة لضمان استدامة هذه الأصول بعد البطولة. ومنذ ذلك الحين، واصلت قطر استضافة فعاليات كبرى رياضية وثقافية، فلم يقتصر الجذب على كرة القدم، بل شمل سباق الفورمولا 1، ومؤتمر Web Summit، واستضافة أندية ومنتخبات عالمية ضمن مهرجان قطر لكرة القدم، إلى جانب باقات سياحية متكاملة للجماهير. كما يمتد الزخم إلى القطاع الثقافي، مع حفلات لنجوم عالميين مثل شاكيرا وجون ليجند، واستضافة معرض آرت بازل قطر للمرة الأولى في الشرق الأوسط، ما يعزز مكانة الدولة كوجهة متكاملة للفعاليات الكبرى. يُظهر تقرير 2025 تفاوتًا في أداء الفئات الفندقية؛ إذ سجلت فنادق الخمس نجوم إشغالًا بنحو 65%، مقابل أكثر من 80% للفنادق من نجمة إلى ثلاث نجوم، ما يعكس فجوة واضحة في المعروض متوسط التكلفة. هنا يبرز دور الحكومة في توجيه الاستثمار نحو هذه الفئة عبر الحوافز التنظيمية والتمويلية، وتسهيل إجراءات الترخيص، ودعم تطوير شركات الإرشاد السياحي لرفع جودة التجربة المتكاملة. وعلى مستوى السوق ككل، ارتفع متوسط الإشغال إلى 71% في 2025 مقارنة بـ69% في 2024 و58% في 2023، فيما تظل الشقق الفندقية عنصرًا مهمًا لتلبية احتياجات العائلات الباحثة عن مساحات أوسع وخيارات إقامة أكثر مرونة. ومن التفاصيل المهمة التي وردت في التقرير السنوي أن ما يقرب من ثلث الزوار في عام 2025، أي 32%، وصلوا عن طريق البر. ويأتي العديد من الزوار إلى قطر من دول الخليج المجاورة، حيث تتميز شبكة الطرق الطويلة في المنطقة بالكفاءة والحداثة. من المتوقع أن يزداد دور النقل البري مع تنفيذ مشروع القطار السريع الذي سيربط الدوحة بالرياض، بحيث لا تتجاوز مدة الرحلة ساعتين. هذا الربط سيشكل تحولًا مهمًا لقطاع السياحة وقطاعات أخرى، إذ يفتح أمام قطر سوقًا مجاورًا يضم نحو 8 ملايين نسمة، مقابل عدد سكان يقارب 3 ملايين في قطر. بالنسبة لسكان الرياض، ستكون الدوحة أقرب من العديد من مدن المملكة، ما يعزز حركة الزوار ويشجع الاستثمارات السعودية في قطر، إلى جانب فرص استثمارية أكبر للقطريين في الرياض. كما قد تستفيد قطر من تدفقات جماهير كأس العالم 2034 في السعودية. ومن المخطط استكمال المشروع بحلول عام 2031. ويعكس نمو قطاع السياحة نجاح في تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص، لكن المرحلة المقبلة تتطلب خطوات عملية واضحة. من الضروري معالجة فجوة الفنادق متوسطة التكلفة التي تسجل أعلى نسب إشغال، وتحسين ربط النقل العام بالمناطق السياحية، ووضع جدول سنوي منظم لتوزيع الفعاليات على مدار العام للحد من الموسمية. كما ينبغي زيادة متوسط إنفاق الزائر وإطالة مدة إقامته عبر تطوير سياحة الأعمال والعائلات، والاستعداد مبكرًا للاستفادة من القطار السريع بين الدوحة الرياض بخطط تسويق وتنقل مدروسة. وفي الوقت ذاته، يتعين تحفيز القطاع الخاص من خلال حوافز استثمارية واضحة، وتسهيل الإجراءات، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإرشاد والأنشطة السياحية، بما يعزز التنافسية ويرفع جودة التجربة. كما يجب الاعتماد على بيانات دقيقة حول سلوك الزوار وأنماط إنفاقهم، واستخدامها في توجيه التسويق والاستثمار نحو الأسواق والشرائح التي تحقق أعلى عائد للاقتصاد. نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بمدى ترجمة هذه السياسات إلى عوائد اقتصادية مستدامة.

921

| 22 فبراير 2026

أسعار الذهب والفضة

حتى وقت قريب، لم تكن الفضة من الأصول المرغوبة، لكنها شهدت تدفقات استثمارية ضخمة خلال العام الماضي. فقد تضاعف سعرها أربع مرات بين أوائل عام 2025 ويناير 2026، ليرتفع من أقل بقليل من 30 دولارًا للأونصة ليبلغ ذروته بعد تجاوزه لحاجز الـ 120 دولارًا. وفي الأسبوعين الماضيين، انخفض سعرها إلى النصف تقريبًا ليصل إلى حوالي 70 دولارًا، وهو انخفاض حاد، ولكنه لا يزال أكثر من ضعف مستواه المسجل قبل 12 شهرًا. وعلى الرغم من هذا الانخفاض، فقد واصل المستثمرون الأفراد شراء صناديق الاستثمار المتداولة في الفضة. وقد شهدنا تقلبات حادة في أسعار المعادن. فقد اكتسب الذهب خلال السنوات الأخيرة أهمية متزايدة لدى البنوك المركزية والأثرياء باعتباره وسيلة للتحوط ضد التضخم في العملات الورقية. ويُنظر إلى حيازة حصة كبيرة من الذهب على أنها خطوة حكيمة ضمن محفظة استثمارية متوازنة. وقد ساهم ارتفاع السعر في جذب الصناديق الاستثمارية المتداولة، بينما لجأ آخرون إلى الاقتراض لشراء الذهب في سوق العقود الآجلة، مراهنين بذلك على تحركات الأسعار المستقبلية. وبلغ سعر الذهب ذروته لفترة وجيزة بعدما ارتفع إلى أكثر من 5500 دولار للأونصة في مطلع هذا العام، مقارنةً بحوالي 2000 دولار للأونصة في عام 2024. ومنذ ذلك الحين انخفض السعر إلى نحو 5000 دولار. وتُمثل صناديق المؤشرات المتداولة للذهب أكثر من 4000 طن على مستوى العالم، بعد أن سجلت نموًا بنسبة 25 % خلال عام 2025. وفي السوق الفعلية، يسود قدر أكبر من الشكوك. فقد رفض تجار الذهب في بعض مناطق آسيا الشراء بالأسعار العالمية، حيث كانوا يعرضون شراء الذهب بخصم يصل إلى 30%، وهو ما يدل على عدم ثقتهم في الارتفاع الحالي للأسعار. وقد اتبعت الفضة مسار الذهب، إلا أن الفارق الرئيسي بينها وبين الذهب يكمن في صغر حجم التداولات، مما يزيد من حدة تقلبات الأسعار عند ضخ استثمارات مضاربة كبيرة نسبيًا فيها أو في توقعات أسعاره المستقبلية. ويُعد هذا مثالًا بارزًا على سمة بارزة للأسواق في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين؛ وهي توفر مستويات مرتفعة من السيولة القابلة للاستثمار عالميًا، وارتفاع مستوى تحمل المخاطر، إلى جانب حالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، مما يؤدي إلى حدوث تقلبات حادة في الأسعار. ويميل مديرو المحافظ الاستثمارية إلى تجنب المعادن النفيسة؛ إذ إنها لا تدرّ أرباحًا نقدية، وبالتالي لا يمكن تقييمها بناءً على خصم التدفقات النقدية المستقبلية. ويعني ذلك وجود نسبة كبيرة نسبيًا من المستثمرين الأفراد في أسواق الفضة والذهب. ومع ذلك، يدرج بعض مديري الأصول حصة من الذهب ضمن محافظهم الاستثمارية المتنوعة. ولا يمكن أن يرتفع سعر الذهب إلى ما لا نهاية، ولكنه يمثل مصدرًا للقيمة على المدى الطويل. أما سعر الفضة فيبدو أكثر عرضة للانهيار. وقد ارتفع سعر النحاس، وهو معدن له استخدامات صناعية مهمة، من حوالي 10,000 دولار للطن في أكتوبر الماضي، إلى مستوى قياسي يزيد على 14,000 دولار في أواخر يناير، قبل أن يستقر عند حوالي 13,000 دولار للطن. وكان السبب الرئيسي وراء الانخفاضات الأخيرة في أسعار المعادن هو التغيير في لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياسته منذ مؤتمر دافوس الشهر الماضي. فقد اعتُبر إعلانه عن اختيار كيفن وارش، وهو شخصية تقليدية نسبيًا، رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، مؤشرًا على أن أسعار الفائدة والدولار لن تنخفض إلى مستويات متدنية للغاية. وقد أدى ذلك إلى الحد من المخاوف بشأن التضخم وتعزيز أصول الدولار الأمريكي. وقد شهدت العملات المشفرة انخفاضات كبيرة في أسعارها. يتداول البيتكوين حاليًا بأقل بكثير من أعلى مستوى له على الإطلاق. فقد كان البيتكوين يتداول بسعر أدنى بكثير من ذروته التاريخية، حيث تراوح سعره في أوائل فبراير بين 64,000 و65,000 دولار، ليعود إلى مستويات نوفمبر 2024. ومنذ ذلك الحين، تعافى السعر ليقترب من 68,000 دولار. وكانت أعلى قيمة له، عند أكثر من 125,000 دولار، قد سُجلت في أكتوبر 2025. وعلى الرغم من التراجعات الأخيرة، تظل أسعار الذهب والفضة مرتفعة بشكل ملحوظ مقارنة بما كانت عليه قبل عام، وبينما عاد مستوى معين من الثقة إلى الأصول المقومة بالدولار، يبقى الاتجاه طويل الأمد هو التدهور التدريجي للعملات الورقية، بما في ذلك الدولار، الذي استقطب في السابق نسبة كبيرة من السيولة الاستثمارية الباحثة عن ملاذ آمن في العملة الاحتياطية الرئيسية عالميًا.

858

| 15 فبراير 2026

الخليج في معادلة القوى المتوسطة

يشهد العالم حاليًا نهاية حقبة العولمة، وبات يتعين على الاقتصادات متوسطة الحجم التعاون في مجالي التجارة والأمن من أجل البقاء والازدهار. وقد برز هذا الموضوع بقوة في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عُقد هذا العام في دافوس بسويسرا، وجمع قادة العالم. وعلى مدى عقود طويلة، ساد عالمٌ تحكمه اسميًا قواعد مستندة إلى مبادئ منظمة التجارة العالمية، في ظل قواعد اقتصادية صاغها كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين يدعمان حركة التجارة الحرة بين الدول. ورغم أن الالتزام بالقواعد العالمية لم يكن متكافئًا، وأن القوى الكبرى كانت أقل عرضة للمساءلة، فإن قدرًا من الانضباط واحترام القيم المشتركة والأعراف غير المكتوبة كان قائمًا، وهو ما مكّن التجارة العالمية من الازدهار. غير أن تلك الحقبة قد انقضت، ولم يعد النظام العالمي القائم على القواعد موضع ثقة. ويعني الجمع بين أنماط التجارة المتكاملة والتخلي عن النظام القائم على القواعد أن القوى العظمى باتت قادرة على تعظيم نفوذها، وقد بدأت فعليًا في ممارسة ذلك على نحو يشبه توجهات الإمبراطوريات في الماضي. وما يميز الاقتصاد العالمي اليوم مقارنة بالعصور السابقة التي هيمنت عليها القوى العظمى، هو وجود عدد كبير من الاقتصادات متوسطة الحجم، تتمتع بمستويات دخل مرتفعة نسبيًا، وملتزمة بمواصلة التبادل التجاري. وفي خطاب لاقى استحسانًا واسعًا في دافوس، أوضح مارك كارني، رئيس وزراء كندا، أنه إذا ما تفاعلت القوى المتوسطة كلٌ على حدة مع مطالب القوى الكبرى، فإنها تدخل في منافسة فيما بينها على نيل الامتيازات، وتتفاوض من موقع ضعف شديد. أما إذا تعاونت هذه الدول فيما بينها بذكاء، فيمكنها أن تبلور «مسارًا ثالثًا». وأوضح كارني أن الدولة التي تعتمد على الواردات لتأمين جزء كبير من احتياجاتها من الوقود والغذاء، وتحتاج إلى تحالفات من أجل الدفاع عن نفسها، ستظل بطبيعتها عرضةً لمواطن ضعف محتملة. غير أن الاقتصادات الصغيرة والمتوسطة تستطيع تشكيل تحالفات عملية متعددة للتخفيف من أي تهديد ناتج عن الحروب التجارية أو النزاعات الفعلية. ولم يُعد التعاون بين هذه الاقتصادات يمثل خيارًا سياسيًا أو أخلاقيًا بل أصبح ضرورة إستراتيجية. وقد تسعى القوى الكبرى إلى استغلال مزاياها عبر تكتيكات الحروب التجارية، لكنها ستحقق عوائد متناقصة مع اتجاه القوى المتوسطة إلى بناء تحالفات فيما بينها أو مع قوة منافسة. وقد دأب الرئيس ترامب على استخدام أسلوب فرض الرسوم الجمركية على الواردات، أو التهديد بفرضها، لممارسة الضغط على دول أخرى. وبحكم أن الولايات المتحدة تُعد أكبر سوق استهلاكية في العالم، فقد تمكن من انتزاع تنازلات ملموسة. غير أن هذا الأسلوب يفقد تدريجيًا جزءًا من فعاليته، مع تنامي حجم التجارة البينية بين كندا والاتحاد الأوروبي والصين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودول تجمع ميركوسور في أمريكا الجنوبية والهند ودول منطقة المحيط الهادئ، وتراجع اعتمادها النسبي على السوق الأمريكية، ولو كان ذلك بشكل هامشي في المدى القريب. وبعد وقت قصير من انعقاد المؤتمر، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارية مع الهند، تنص على خفض أو إلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 95 % من السلع المتبادلة بين الجانبين. وكانت هذه الاتفاقية قيد النقاش لما يقرب من عقدين، غير أن المفاوضات تسارعت بفعل سياسة الرسوم الجمركية التي انتهجها الرئيس ترامب. وفي العام الماضي، انطلق أيضًا حوار حول اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي، علمًا بأن هذين التكتلين يمثلان معًا نحو 32 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهناك دروسٌ مستفادة لدول الخليج، التي تُصنّف ضمن فئة القوى المتوسطة، وتتمتع مجتمعةً بنفوذٍ تفاوضيٍّ كبيرٍ في التجارة العالمية. وقد حافظت الولايات المتحدة على علاقاتٍ وثيقةٍ مع دول مجلس التعاون الخليجي خلال إدارة ترامب، حيث كانت المنطقة أولى محطات زياراته بعد انتخابه. ومع ذلك، لا تزال الدروس المستفادة من التعاون مع القوى المتوسطة الأخرى تحظى بأهمية. فعلى سبيل المثال، اضطرت قطر إلى إقامة روابط تجارية جديدة، بشكل مباشر مع الصين، لتجاوز العقبات التي واجهت التجارة في الماضي القريب نسبيًا. ومن النادر أن يكون لخطاب واحد يلقيه زعيم عالمي تأثير دائم، لكن خطاب رئيس الوزراء كارني في منتدى دافوس هذا العام قد يشكل استثناءً. فإلى جانب تقديمه نقدًا محددًا، عرض كارني رؤية واضحة لكيفية تعاون القوى المتوسطة بفعالية، وأن هذا الاتجاه بدأ يظهر بالفعل على أرض الواقع.

510

| 01 فبراير 2026

الإبعاد الإداري في القانون القطري
الإبعاد الإداري في القانون القطري

لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...

15420

| 17 أغسطس 2026

حماية المستهلك
حماية المستهلك

فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...

5004

| 17 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود بغداد؟
بغداد.. متى تعود بغداد؟

منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...

3291

| 16 أغسطس 2026

حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة
حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة

ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...

2019

| 16 أغسطس 2026

خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر
خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر

بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل...

1914

| 19 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟
بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟

قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...

1524

| 18 أغسطس 2026

ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله
ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله

رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...

1305

| 20 أغسطس 2026

الغلاء يبدأ من الإيجار!
الغلاء يبدأ من الإيجار!

الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...

1179

| 20 أغسطس 2026

قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!
قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!

من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...

1149

| 17 أغسطس 2026

دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية
دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية

اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...

1134

| 20 أغسطس 2026

حصان طروادة
حصان طروادة

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...

777

| 19 أغسطس 2026

الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول
الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول

في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...

726

| 16 أغسطس 2026

أخبار محلية