رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن داعش هي السبب ولا حتى التكئة، وقبلها لم تكن القاعدة، فزمن تدمير الصومال الأول جاء سابقا على هجمات سبتمبر 2001، وقبلها كان تدمير السودان بإغراقه في الحرب الأهلية، سابقا حتى على استقلال السودان في مطلع الخمسينات، وهكذا جرت حروب 48 و56 و67 وكافة عمليات التدمير الشامل في فلسطين ودول الطوق حول إسرائيل، قبل إطلاق مصطلح الإرهاب من الأصل. وحين جرى تدمير العراق، كان الشعار المستخدم للتغطية على التدمير الشامل لهذا البلد هو رعايته أو اتصاله بالإرهاب وحيازته الكيماوي والنووي، وثبت وفق اعترافات من أخذوا قرار التدمير الشامل أنفسهم، إن لم يكن هناك أي من تلك المبررات، كما أثبتت الأحداث والوقائع والشهادات التاريخية، أن متخذي القرار بالتدمير، كان معلوما لديهم – مسبقا- براءة العراق من كل تلك الاتهامات، التي لم يجر إطلاقها إعلاميا إلا لتبرير التدمير للدولة والمجتمع والمنجزات الحضارية بما فيها التاريخية، إذ تعرضت آثار العراق إلى عملية تدمير وسرقة ممنهجة. وحين جرى تدمير غزة مرة بعد أخرى، لم تكن هناك لا داعش ولا القاعدة، إذ لم يجرؤ أحد في العالم على القول، إن الحرب والتدمير كانت لوجودهما أو لنشاطهما. وقبل كل ذلك وبعده، فلم يكن هدم المساجد والمكتبات والقتل الجماعي والإبادة للمواطنين حتى قضى على 120 ألف إنسان في البوسنة والهرسك، لوجود القاعدة أو داعش، وقد جرى التدمير تحت عين وبصر أوروبا والولايات المتحدة بل والأمم المتحدة.
والقصد أن المتأمل فيما يجري في المنطقة أو ضد المسلمين والعرب، منذ سنوات طوال، يجد الثابت الوحيد هو فعل التدمير والإبادة الشاملة والقتل الجماعي بمعدلات تفوق ما جرى حين استخدمت أسلحة الدمار الشامل في الحرب العالمية الثانية –فقد قتل في العراق وحده نحو عشرة أضعاف ما قتل بالقصف النووي في هيروشيما ونجازاكي -وأن المختلف في التدمير الشامل لبلد عربي أو إسلامي عن آخر، هو الأسباب والمبررات الإعلامية التي تساق هنا وهناك، وليس الفعل،الذي هو ثابت كواقع وهدف وجرائم مجسدة. ويجد أن الطرف الحقيقي الذي يقوم بكل أعمال التدمير الشامل هو السلاح الغربي والقوة الغربية، وأن قوى جديدة قد أضيفت لقوة التدمير في المرحلة الأخيرة، إذ صارت القوتان العسكريتان الروسية والإيرانية تمارسان ما تمارسه القوة العسكرية في الدول الغربية وأكثر، وذلك أحد أسباب توسع الدمار والقتل على طول المساحة الممتدة على خريطة العالم الإسلامي. كما يجد فعليا أن المنطقة لا تشهد حربا على الإرهاب بالدرجة الأولى، بل هي تعيش حرب تدمير تأخذ الإرهاب عنوانا ومبررا لها ليس إلا، إذ كان التدمير يجرى من قبل وفق مبررات أخرى مصنوعة أيضا.. بل يكاد يجزم أن داعش لو حلت نفسها غدا –أو انتهت إلى تفرق عناصرها – فذلك لن يوقف الحرب والدمار الشامل الجارية، إذ سيبحث الغرب وروسيا وإيران عن مبررات جديدة لاستمرار التدمير الممنهج والشامل.
كما أن الملاحظ أن التدمير الشامل، هو شامل لكل شيء، فهو حرب على الدين والفكر والانتماء والبقاء والمجتمع والرمزيات، كما هو تدمير يحمل مضمون قوة العواصف وموجات تسونامي، إذ يقتل البشر وتدمر كل المنجزات الحضارية من المصانع إلى المساكن إلى المساجد إلى المتاحف والمكتبات، بل حتى المقابر يجرى تدميرها ونبشها، فحتى شواهد التاريخ تجري إزالتها.
هي حروب تدمير شاملة لكل ما أنجز العرب والمسلمون عبر تاريخهم وحضارتهم-إلى درجة نهب الآثار وتهريبها وبيعها والاحتفاظ بها في الغرب -وحرب على بقائهم، إذ عداد القتلى صار بالملايين (من أفغانستان والصومال والبوسنة وفلسطين والعراق وسوريا..إلخ)، كما أن القتل يجري وفق نهج المذابح المفتوحة والتدمير الذاتي للمجتمعات، فالدول التي لا تحضر الطائرات والدبابات والقوات لهدم المنازل والمساجد وقتل السكان، يجري تحريك المجموعات الممولة لإحداث كل ذلك دون توقف.
هي حقبة استعمارية جديدة عنوانها التدمير الشامل، لا تحقيق السيطرة عبر الاحتلال كما كانت حقبة التاريخ الماضية، وهي حقبة تستهدف إعادة المسلمين إلى ما قبل العصور الحديثة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2106
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
888
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026