رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإسلاميون كثيرا ما تعرضوا ولا يزالون لحرب إشاعات تراوحت ما بين الاتهام بالعمالة للأجنبي إلى الاتهام بالإرهاب وما بينهما من الإقصائية والفردية والتخلف والحجرية.. إلى غير ذلك مما ملأ فضاءات كثيرة إعلامية وسياسية وفكرية.. ثم انتهى كل ذلك إلى ما رأينا من التفاف الجماهير حولهم ورميها كل ما قيل ويقال عنهم وراء ظهورها وتحت أرجلها بالأخص من ذلك في تركيا وتونس ومصر عواصم محاربة الإسلاميين لعشرات السنين..
وبعد فوزهم في الانتخابات وتصدرهم التمثيل الرسمي والشعبي اليوم بدأ خصومهم يطرحون عليهم أسئلة من نوع الإحراجي والتوريطي حول قدرتهم على انتشال البلاد من عقابيل عشرات السنوات من الإلحاق بالأجنبي وتراكم التخريب (في ليلة ويوم طبعا)، وما إن كانوا سينقضون الاتفاقات المبرمة مع العدو الصهيوني فيتسببون بحصار لبلدانهم على غرار ما جرى لغزة بعد فوز حماس! وهل سيقيمون الشريعة - الحدود والعقوبات تحديدا - من قطع يد سارق ورجم أو جلد زان.. إلى آخر هذه السلسلة التي تستبطن الإحراج والتوريط وإن بدت أسئلة موضوعية وتحديات جدية.. ثم يفترضون (خصوم الإسلاميين) إجابات سلبية على المقاس الذي يريدون ويبنون على ذلك استخلاصاتهم بأن الإسلاميين انتهازيون ووصوليون وأنهم ما أن يصلوا إلى الحكم حتى يتخلوا عن مواقفهم التاريخية وقناعاتهم التي فازوا على أساسها..
قبل يومين كنت في مداخلة مع بعضهم على إحدى وسائل الإعلام فطرح مسألة اتفاقية كامب ديفد بين مصر والعدو الصهيوني وتساءل عما إذا كان الإخوان المسلمون في مصر – بعد فوزهم – سينقضون الاتفاقية.. وأنهم إما أن يفعلوا فيدخلوا مصر في كذا وكذا، وإما ألا يفعلوا فيكونون قد تخلوا عن مواقفهم.. وطرح أيضا خياران لا ثالث لهما ؛ إما وإما، أو أن عليهم – كمخرج من هذه الثنائية الإلزامية أن يعيدوا النظر في طروحاتهم وأن يصارحوا شعوبهم بأنها غير واقعية ويعترفوا بأنها لمجرد أن تصطدم بالواقع فإنها تتفكك وتنهار ثم رجح في الأخير أن الإسلاميين لا يجرون مراجعات بهذا المعنى وبالتالي فالمتوقع – حسب وجهة نظره - أن يتراجع الإسلاميون عن مواقفهم ولكن من دون مراجعات ولا طنة أو رنة..
وأقول: أولا: هذه القراءة في مواقف ومصداقية وقدرة الإسلاميين على المراجعة غير صحيحة وبالأخص إذا كنا نتكلم عن التيار الأبرز الذي حصد أكبر النجاحات اليوم – الإخوان المسلمون – الذين لم يصرحوا مرة بأنهم سوف ينقضون كل المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات بالتالي فهم ليسو بين ثنائية (إما وإما) هذه.. ولكنهم - فيما أعرف وأتابع - استمروا يقولون إن الاتفاقيات ليست كلها مقبولة ولا كلها مرفوضة، وأنهم لن يبادروا لنقض اتفاقية يؤدي نقضها إلى مغامرات كبيرة تعصف بالاستقرار.. ولكنهم أيضا لم يصرحوا بأن هذه الاتفاقيات مقدسة ولا يجوز أو لا يمكن المساس بها.. أما فيما يتعلق بقدرة الإسلاميين على إجراء المراجعات لمواقفهم وإعادة تصويبها فإن الإسلاميين سبق أن أجروا مراجعات وكتبوا في ذلك كتبا (لمن يقرأ) صارت لكثرتها ورمزية من كتبوها ثقافة إخوانية وإسلامية عامة.. فقد راجعوا موقفهم من التنظيم السري في خمسينيات القرن الماضي، وراجعوا أحداث سوريا والصراع مع نظام حافظ أسد في الثمانينيات، وراجعوا عملية الحسم في غزة 2007.. دون أن يعني ذلك لا في نظرهم ولا في نظر أوليائهم ولا حتى خصومهم أي حرج ولا أي اعتراف بالخطأ الكامل..
بقي أن نقول: إن الإسلاميين وهم يجرون هذه المراجعات لا يصدرون عن فكرة براجماتية ولا عن مجاملة لأحد ولا لتسويق أنفسهم على الرأي العام.. وإنهم منسجمون مع أنفسهم وقناعاتهم ولا يشعرون بالحرج الديني في ذلك ؛ لأن المراجعات لا تطاول العقائد والمنطلقات والثوابت ولكنها تتعلق فقط بالسياسات والتنفيذات والجهود والأفكار البشرية من حول ذلك كله وهم في هذا يلتقون مع كل الناس – أو معظمهم – بالتالي فهم لا يخافون على أكثريتهم إذا ثبتوا عليها.. وهم من ناحية أخرى يرون هذا المنحى الموضوعي تعززه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الموحى إليه من السماء فقد راجعه ربه أكثر من مرة وفي أكثر من مجال.. ففي مجال الدعوة راجعه ربه عز وجل بقوله (عبس وتولى) وقوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم..) ومجال الحرب راجعه في أسرى بدر بقوله (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) وفي مجال الاستغفار راجعه بقوله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وأمثال هذه المراجعات عشرات في الكتاب العظيم.. بالتالي فإن ثقافة الإسلاميين العقائدية المحضة وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يتبعونه لا تعارض هذه المنهجية وهذا التصويب..
ثانيا: لماذا يوضع الإسلاميون أمام ثنائية إما نقض الاتفاقيات والدخول في حروب وانحشارات، وإما الإبقاء عليها والبقاء في أتون العمالة والخيانة؟ أليس لدى الإسلاميين اليوم مواقف متعددة وهوامش عمل ومناورات واسعة؟ لكن ومن حيث الأصل أليست السياسة فن استثمار الممكن والقدرة على صناعة الظروف؟ ولماذا نفترض أنهم لا يحسنون ذلك أو أنه محجور عليهم ومحجوز عنهم؟ أليس من حقهم ويصلح منهم أن يراهنوا على الزمن ويناوروا على التكتيك؟ أليسوا يستطيعون البدء بتقليل جدية تنفيذ الاتفاقيات والتخلي عن بعضها؟ أليسوا يستطيعون التحرك في إلغاء بعض الشروط المجحفة المذلة دون كلها ودون أن يقعوا في ثنائية الإمّا وإما في هذه المرحلة على الأقل؟ ألسنا كنا نقبل من نظام الساقط حسني مبارك أن يكون أقل إخلاصا في التعامل مع العدو، ولو فعل ذلك لكنا رأيناه (قد أتى بما لم يخترعه الأوائل) وكنا التمسنا له المعاذير ؛ فلماذا يقبل منه ما لا يقبل من الإسلاميين؟
ثم لماذا يتوهم البعض أن الإسلاميين من السذاجة والسطحية بحيث يقومون بنقض الاتفاقيات قبل تحقيق اختراقات كثيرة في معضلات كثيرة وترتيبات كثيرة ومهمة وضرورية من حقهم أن يشتغلوا عليها ربما لسنوات من أجل رفع قدرة بلادهم إلى موقف خطير وتحد كبير بهذا القدر؟ ولنأخذ تركيا مثالا على ما نقول والحزب الإسلامي الحاكم فيها يعتبر مقبولا لدى كثيرين من خصوم الإسلاميين: هل وقف حزب العدالة والتنمية الإسلامي في وجه أمريكا ومنعها من استخدام الأراضي التركية لغزو العراق ووقف مواقفه المعروفة من العدو الصهيوني ورجع إلى الذهنية والخلفية العربية والإسلامية واعتقل قادة في الجيش وأحبط الانقلابات عليه.. قبل أم بعد أن حقق إنجازات كثيرة على الصعد الاقتصادية والمجتمعية والديمقراطية والثقافية.. ولماذا لا يكون هذا هو ذات السيناريو الممكن تنفيذه في مصر وغير مصر إذا حكمها الإسلاميون..
ثالثا: لا يخلو التفكير في نظرية (إما وإما) من تخوف وسلبية الإحساس بالهزيمة! ولماذا يظن هؤلاء أن تغلب الأعداء سيبقى دائما وسرمديا، وأن علينا أن نخضع دائما لمزاجه وانفعالاته، وأنه ليس لنا أن نأخذ (أو نلغي) إلا ما يوافق عليه؟ ولماذا نحتقر أنفسنا إلى هذا الحد؟ ألسنا كغيرنا من الأمم التي لها مقاومة وفيها مناعة ضد الاستضعاف وعدم الاحترام؟ أليست الثورة الجزائرية التي كنست الاحتلال الفرنسي بمئات آلاف الشهداء هي ثورتنا وثقافتنا؟ ألسنا الذين كانت فينا مقاومة جنوب لبنان التي جعلت العدو يهرب كيفيا تاركا وراءه عملاءه أيتاما ودباباته وأسلحته في عام 2000 ليعتليها الصبيان وتنصب في الميادين العامة رموزا لانتصار المقاومة؟ وهل غزة ومقاومتها التي قدرت على الوقوف في وجه العالم كله بكل فجاره وأرذاله وأنتانه.. هل هي أعظم وأكبر وأقوى من مصر الثمانين مليونا؟ ألم تكنس المقاومة العراقية الاحتلال الأمريكي وتذيقه الذل وانكسار الانسحاب؟ تلك أمريكا التي كان سفيرها " سنيور " يتوعد أن قواته ستبقى في العراق مائة سنة قادمة وأنه سيحكم العالم من هناك؟ والأفغان ألم يصدموا ويهزموا الاستعمار الغربي مرتين ؛ مرة بهزمهم الاتحاد السوفييتي وحلفائه، ومرة بهزمهم أمريكا وحلفائها وها هو الغرب يبحث عمن يفاوضه؟ ولماذا ننسى أن جمال عبدالناصر استطاع أن يلغي اتفاقية ال36 لقناة السويس وأن يواجه العدوان الثلاثي في سبيل ذلك؟
آخر القول: الحقيقة أن التكلم في احتمالات المستقبل في قضية الإسلاميين مخالف تماما لمنطق الثورات التي أبرزتهم وصدرتهم كرد على التهرؤ الذي عانت منه الأمة في ظل الساقطين والآيلين للسقوط وهو ما يجب استحضاره عند الحديث عن المستقبل وعن الإسلاميين.. والحقيقة أيضا أن الغرب واستقواءه علينا ليس قدرا محتوما وعلينا الانطلاق في أي تحرك من التسليم به والخضوع لمفاعيله.. والحقيقة أن مصداقية الإسلاميين ليست رهنا باعتماد خصومهم الذين لا يرضيهم منهم شيء، ولا بنقض الاتفاقات وتوريط أنفسهم وشعوبهم في مبادرات ومغامرات غير محسوبة.. ولكن ميزان الحكم على نجاحهم ومدى وعيهم هو قدرتهم على تثمير مواضع القوة والتوجه إلى الأهداف الكبيرة بخطوات ثابتة..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
964
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8898
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4797
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3321
| 16 سبتمبر 2026