رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

3183

د. عبد الله النعمة

حين ندفع المعلم إلى الانسحاب

16 سبتمبر 2026 , 12:15ص

بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل.

والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة.

وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم.

والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه.

والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف.

ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار.

أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.

مساحة إعلانية