رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كتابه "فلسفة الطبيعة" (أي قوانين الله في الكون)، يقول (إسحاق نيوتن) صاحب فكرة (الجاذبية الأرضية) عام 1687 "إنَّ لكل فعلٍ ردة فعلٍ موازية له في القوة، معاكسة له في الاتجاه". لماَّ كان (نيوتن) بطبيعة الأحوال عالماً مادياًّ يؤمن بأن "الطبيعة" هي التي تدير الكون ومن وما فيه، فإن الله قد علَّمنا أن "الطبيعة" ما هي إلا مجرد جندي من جنوده "وما يعلم جنود ربك إلا هو" (سورة المدثر: 31) وأنه هو سبحانه من يدير الكون ومن وما فيه.
إذن.. القانون الإلهي المقابل لقانون (نيوتن) هو: أن "الجزاء من جنس العمل وكما تدين تُدان" أو"جزاءً وفاقا" (سورة النبأ: 26) أي الجزاء على قدْر الذنب.
المذبحة التي حدثت في مبنى مجلة (شارلي إيبدو) الفرنسية يوم الأربعاء مهما كانت الأسباب والمسببات لدى الأخوين (كواشي- شريف وسعيد) الجزائريين الأصل، الفرنسيين المولد والجنسية بَيْدَ أنها لا تبرر في المطلق الاعتداء على مواطنين موظفين مدنيين أبرياء عزَّل. سواء وصفت الحادثة "بالإرهاب" أو بأنها ردة فعل (حسب نيوتن) أو أنها الجزاء من جنس العمل (وفقاً لسنن الله الثابتة في الكون) في كلتا الحالتين، ما حدث كان مريعاً، فقد أودت الحادثة بحياة اثني عشر شخصاً بينهم أربعة من رسامي (الكاريكاتير) الأكثر شهرة في فرنسا والموظفين بالمجلة، وما وقع بعد تلكمُ الحادثة في المتجر اليهودي على يد (أمِدي كوليباري) بمعاونة زوجته (حياة بومدين) وما ترتب عليه من قتلى وجرحى. المعروف عن مجلة (شارلي إيبدو) أن رسوماتها (الكاريكاتيرية) قد ركزت في العقد الأخير على تصوير رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) على أنه "إرهابي" وهي حلقة في سلسلة انتشرت في أوروبا قادتها بالخصوص (هولندا والسويد وفرنسا) ضمن ما يُعرف (بالإسلام فوبيا) والمجلة أيضاً تصف (الكاثوليكية واليهودية) أيضاً بأوصاف لا تليق غير أنها لم تَرْقَ إلى إغضاب أنصار الديانتين، عدا الفيلم البريطاني-الإيطالي المشترك عن النبي (عيسى عليه السلام) عام 1977 الذي حمل اسم (عيسى نبي الناصرة) والذي أخرجه الإيطالي (فرانكو زيفيريلّي) الذي رآه أتباع (النصرانية) مُخِلاًّ بالذوق الديني وقامت على إثْره مظاهرات في أمريكا وأوروبا وتم الاعتذار من منتج الفيلم.
تعتبر مجلة (شارلي إيبدو) علمانية معادية لفكرة الدين (أي دين) لدرجة النقمة على الدين، وهي بذلك متخصصة في (ليس النقد الديني) كما يُشاع (وهو مجال أكاديمي محترم وفكر موضوعي يستحق التقدير بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حوله) وإنما هي تكثف جهودها على الهجوم على الرموز الدينية. ذلك كله صحيح إلا أن ردة الفعل من شخصين غيورين على دينهما كان يمكن أن تكون بشكل آخر علمي وموضوعي لا يحتكم للعنف، وبالتالي لا يسيء أكثر لا نقول إلى صورة (الإسلام) فهو دين الله والله متكفل بحفظه بل نقول لصورة المسلمين عموما في أمريكا وأوروبا والعالم بنسب متفاوتة.
الغريب أن جريدة (لو فيغارو) الفرنسية نشرت الخميس أي اليوم التالي للحادثة تحليلاً يستحق التفكر. قالت الجريدة: إن الحكومة الفرنسية منذ سنوات وهي تشدد الحراسة على هذه المجلة بالتحديد لوجود أشهر رسامي (الكاريكاتير) الفرنسيين فيها، وقد وصف الكثيرون الطوق الأمني المضروب حول المجلة بأنه ليس فحسب من الصعب بل من المستحيل بمكان اختراقها. وأضافت (لو فيغارو) أن الحكومة الفرنسية كانت حريصة على ألا يتم حدوث أي تَراخٍ أمنيٍّ حول مداخل ومخارج مجلة (شارلي إيبدو) نتيجة لطول سنوات الحماية، لسبب يُعزى لاستهدافها من "إرهابيين جهاديين" (حسب الحكومة الفرنسية) علماً بأن الحكومة الفرنسية تدرك أن المجلة تستفز بالتحديد مشاعر المسلمين لاسيَّما في فرنسا التي تضم أكبر عدد من المسلمين الفرنسيين في كل الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك كانت تنظر كما قال (برنارد كازنوف) وزير الداخلية الفرنسي إلى المجلة على أنها تمثل أحد الرموز الفرنسية وهو (حرية التعبير) وتناست عن أن (حرية التعبير) لا تعني إهانة المواطنين الفرنسيين المسلمين لأن حسب الدستور الفرنسي صون كرامة المواطن الفرنسي أهم من (حرية التعبير) عندما تصطدم بكرامة المواطن. الأغرب من كل هذا أن (لو فيغارو) طرحت سؤالا مهما وهو كيف تم رغم كل ذلك الطوق الأمني اختراق المجلة من الأخوين (كواشي؟) وتفترض الجريدة واسعة الانتشار في فرنسا والعالم أن (اللوبي الصهيوني اليهودي الإسرائيلي) وذراعه الاستخباراتية (الموساد) يمكن أن يكون لهما ضلع في الحادثة. وتمضي (لو فيغارو) في افتراضها مفسرةً ذلك بأن هذه السنة سنة سيئة للحكومة الإسرائيلية إذ بدأت دول في الاتحاد الأوروبي تعترف بالدولة الفلسطينية من ناحية ومن ناحية أخرى أدى رفض (مجلس الأمن الدولي) لطلب فلسطين إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة نتيجة (الفيتو) الأمريكي طبعاً إلى نفاد صبر الرئيس (محمود عباس) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الذي وقّعَ على الانضمام لمحكمة (الجرائم الدولية) تمهيداً لمحاكمة رموز إرهاب الدولة الصهاينة، وأن (التنسيق الأمني) بين السلطة والصهاينة الذي يراه كثير من الفلسطينيين والعرب والمسلمين على أنه مشؤوم أضحى الآن مهدداً بالتوقف وهو ما لا تتمناه "إسرائيل" وأن "إسرائيل" لم تشهد في تاريخها عزلة دولية كما تشهدها اليوم. إذن حسب (لو فيغارو) تلكمُ من العوامل التي على الأقل سهلت اختراق مبنى مجلة (شارلي إبدو.) يعيد كلام (لو فيغارو) هذا للأذهان ما ذكره المفكر الأمريكي الكبير (ديفيد دِيوك وهو بالمناسبة صديق شخصي للكاتب) في كتابه الأكثر مبيعاً في أوروبا عام 2003 بعنوان (الاستعلائية اليهودية) أن سنة2000 كانت أسوأ سنة علاقات عامة لإسرائيل في العالم نتيجة اقتحام الهالك (أريل شارون) الحرم القدسي متبوعاً بحرسه المدججين بالسلاح .
لا شك أن ما حدث في فرنسا كان صفعة جزائرية بامتياز (مع رفضنا المطلق للعنف ضد المدنيين العزَّل) تذكرنا (بالداي حسين) الذي طرد القنصل الفرنسي (شارل دوفار) عام 1828 ولوَّح له بالمروحة طالباً منه أن تعيد فرنسا العشرين مليون فرنك فرنسي الذي اقترضته من (الجزائر) فقد كانت (الجزائر) أغنى من فرنسا ومن كثير من دول أوروبا والعالم. كان ذلك هو السبب المباشر للحرب الفرنسية على الجزائر واحتلالها منذ 1830 - 1962. إذن، يشعر الكثير من الجزائريين خاصة الجزائريين الفرنسيين المقيمين في فرنسا أن فرنسا هي سبب إفقارهم فقد كانت الجزائر تُقرض فرنسا وكانت تصدر إليها القمح وكان الدينار الجزائري يزهو بقامته عاليا بين عملات الدول الغنية في بداية القرن التاسع عشر. ومنذ 1830 إلى هذا اليوم .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1242
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026