رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحدثت سابقا عن "إعلام السامسونج العالمي" وامتداده في معظم دول المعمورة. الآن نتحدث عن أنه كان موجودا منذ سنين طويلة بل ومنذ عقود بعيدة، وأني كنت شاهد عيان على بعض تجسداته، وأنه جزء من خطة بعيدة المدى، تنفذ على مهل شديد، مهما تغير منفذوها عبر الزمن.
في عام 1989 ذهبت في تغطية لمؤتمر تنظمه هيئة "فولبرايت" الدولية سنويا تحت عنوان "سالزبورج سيمينار" في مدينة سالزبورج بالنمسا. على هامش المنتدى الذي كانت تحضره شخصيات فكرية ودبلوماسية من معظم الدول التقيت رئيس "معهد لندن للدراسات السياسية والاستراتيجية"، في ذلك الوقت، سير جيمس بالاسير، في مقابلة صحفية خصني فيها بتصريحات مهمة للغاية، منها، مثلا، أنه توقع اندلاع حرب جديدة في الخليج، رغم أن حرب إيران والعراق كانت قد انتهت للتو. وكان يقصد غزو العراق للكويت، وما تلاه من حرب تحريرها. والأكثر أهمية وارتباطا بموضوع هذا المقال هو أنه قال بالحرف: "إن إسرائيل لن تمنح العرب أي شيء من الآن فصاعدا وأنهم تعلموا ألا يفرطوا في شيء بعدما أعادوا سيناء لمصر بمقتضى اتفاقات كامب ديفيد". قال ذلك الكلام في أوائل سبتمبر 1989 رغم أنه كان لم يمر سوى أشهر قليلة على مؤتمر الجزائر في نوفمبر 1988، الذي نفذ فيه ياسر عرفات كل طلبات الكيان الغاصب من إعلان "نبذ الإرهاب" إلى اعترافه بحق ما يسمى إسرائيل في الوجود.
كنت سعيدا أيما سعادة بهذا الإنجاز الصحفي الذي اعتبرته أهم كثيرا من تغطية الحدث نفسه، أي المنتدى، الذي ناقش مستقبل الاتحاد السوفيتي وتوقع انهياره، وهو ما حدث بعد ذلك بشهور. لكنني عندما عدت وسلمت المقابلة للمسؤولين رفضوا نشرها دون إبداء أسباب. وعلمت لاحقا أن "تعليمات السامسونج" أو ما يماثله وقتها، جاءت بألا يغضبوا إسرائيل وألا يفتحوا أعين الناس على أن ما قيل عن السلام وتحديدا "الأرض مقابل السلام" لم يكن إلا كذبة كبيرة، لأن ما قاله جيمس بالاسير قبل نحو 35 عاما رأيناه يتجسد حقيقة بأم أعيننا عاما بعد عام منذ ذلك الحين. وحتى الآن لم ينل العرب من إسرائيل أي شيء حقيقي.
وقبل أن أبتعد عن هذه الذكرى، أضيف إليها أخرى ترتبط بنفس الجريدة التي بدأت بها عملي الصحفي بقسم الإخراج الصحفي، أواخر عام 1982، وحتى قبل التخرج، حيث بدأت كلية الإعلام وقتها بإرسال عدد من المتفوقين للتدرب في تلك الجريدة وغيرها خلال الدراسة. وبعد فترة وجيزة أصبحت أعمل كمحترف مثل بقية الصحفيين المعينين وإن بأجر أقل نظرا لأني كنت مازلت في السنة الثانية. الشاهد هنا أنني عندما بدأت الاضطلاع بمسؤوليات حقيقية كانت معظمها في الوردية الليلية التي يتهرب منها معظم المعينين. كنا لا ننشر صور شخصيات الكيان الصهيوني على صفحات الجريدة لأن "عملية السلام"، كما كانت تسمى، كانت في بداياتها ولم تكن سيناء قد عادت كاملة. ولكن بعد شهور قليلة، وصلتنا تعليمات "ليلية" بأن ننشر صور هؤلاء. وكانت الحكمة المهنية الإعلامية من عدم نشر صورهم أن نشرها حتى مع وصف العدو يجعل الجمهور يألفها ويسهل التطبيع. ولكن مع بداية تنفيذ التطبيع بخطى ثابتة توالت التعليمات بنشر تلك الصور والامتناع عن استخدام كلمة العدو وتغيير اسم وزارة حرب الكيان إلى وزارة الدفاع.
بعد ذلك بسنوات قليلة وخلال مؤتمر كبير عن مستقبل العرب عام 1996، أجريت مقابلة مع ريتشارد ميرفي مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق عن القضية الفلسطينية، وقال فيها إن الخطط الموضوعة تشير إلى أن الفلسطينيين لن يعودوا إلى فلسطين أبدا وإنه سيتم توطينهم في عدد من دول العالم ذكر منها تحديدا دول الخليج وكندا ومصر والأردن. كان ذلك ضمن نحو عشر مقابلات أجريتها على مدى أيام المؤتمر الثلاثة. كنت سعيدا جدا بها لكن اعتبرت أن حديثي ذاك مع ميرفي كان الأهم، إضافة إلى مقابلتين أخريين أجريتهما مع سمير نجم الذي كان سفيرا للعراق هناك، ومسؤول كويتي رفيع سابق بمنزلة وزير الخارجية آنذاك. مرة أخرى، كل الأحاديث نشرت باستثناء حديث ميرفي، وأيضا دون إبداء الأسباب، التي لا تعدو أن يكون وراءها "تعليمات السامسونج".
بعدها بأقل من ثلاث سنوات بدأت بكتابة زاوية سياسية بعنوان "عبر الحدود". وما كدت أصل الى المقال الثالث أو نحو ذلك حتى وجدت مسؤولا من إدارة الجريدة يقول لي إن قلمي رشيق وإنه يستحسن أن أستغله في الكتابة عن القضايا الاجتماعية. وبالفعل، تحول "عبر الحدود" إلى "أهلا بكم". لكن لماذا قرر هؤلاء وقف المقال السياسي؟ لأنني في أول زاوية، ورغم تخفيف وطأة الفكرة، قلت إنني "رأيت في المنام أن انتخابات حرة حقيقية جرت في إسرائيل، وفاز فيها عربي فلسطيني برئاسة الوزارة"، بحكم أنه حتى ذلك الوقت كانت هناك أغلبية فلسطينية مقارنة بأعداد المحتلين. وفي مقالات تالية تناولت احتمالات المواجهة بين العرب والكيان وقلت إن ما يسمى إسرائيل أيقنت بعد حرب 1973، استحالة مواجهة العرب مجتمعين مرة أخرى ولذلك عملت منذئذ على تفريق صفوفهم وتمزيقها من خلال الاتفاقات الثنائية. فجاءت تعليمات السامسونج بوقف هذا الكلام. وكان ذلك هو التطبيق العملي لكلام سير جيمس بالاسير الذي بدأنا به هذه الشهادة على خطة بعيدة المدى، يريد ترامب وضع مشهد النهاية لها بتنفيذ ما يسمى صفقة القرن التي بات الجميع يعرف تفاصيلها وأهمها إلقاء أهل غزة في البحر. فلننتظر ونرى. والله من ورائهم محيط.
الجمال.. أم الصحة؟
حين أصبح البحث عن معايير الجمال الشكلي مطلبا مجتمعيًا عند الكثير، وجد التجار والمروجون ضالتهم في الربح السريع،... اقرأ المزيد
72
| 16 مايو 2026
صنائع المعروف
بين الخير والشر مسافات، لا يميزها إلا من يعرف حقيقتها، فالخير حالة خاصة يعيشها الإنسان مع ربه ويتفانى... اقرأ المزيد
78
| 16 مايو 2026
ببغاوات الثقافة
هناك إشكالية واضحة لدى بعض مثقفي العرب في التعامل مع الثقافات الغربية، وذلك عندما يقومون بدور الببغاوات ويعملون... اقرأ المزيد
150
| 16 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4920
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4746
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1581
| 13 مايو 2026