رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

1929

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

عندما تغيب الحكمة

12 مارس 2025 , 02:00ص

مما يروى عن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: "ليس كل ما يُعْرَف يُقال، وليس كل ما يُقال حَضَرَ أهلُه، وليس كل ما حَضَرَ أهلُهُ حان وقته، وليس كل ما حان وقته صَحَّ قوله"، وبغض النظر عن مدى صحة تلك الرواية فإن معناها إذا ما تأملناها صحيح وفيه حكمة بالغة، والحكمة هي رأس الأمر ولا تأتي بتزاحم الركب في مجالس العلم ما لم تطلب من أهلها، فهي هبة ربانية يؤتيها الله من يشاء من عباده، قال تعالى ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، فكم من عالمٍ في فنه يفتقر إليها ولو بلغ ما بلغ من مراتب العلم.

وقد ورد لفظها في القرآن الكريم في تسعة عشر موضعًا منها عشرة مواضع مقترنًةً بالكتاب، فانظر إلى دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة، قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾، وقد جاء في تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل: ﴿ وَيُعَلِّمهُمْ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة ﴾، يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآن، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْحِكْمَة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع، فَقَالَ بَعْضهمْ هِيَ السُّنَّة، وقيل هي الْعَقْل فِي الدِّين، وجاء في التفسير ذاته أيضًا عن الآية: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا ﴾، أي لَمْ يَنْتَفِع بِالْآيَاتِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَعَهَا حِكْمَة، قال: وَالْحِكْمَةُ شَيْء يَجْعَلهُ اللَّه فِي الْقَلْب يُنَوِّر لَهُ بِهِ كما جاء في التفسير.

وفي سورة الإسراء يقول الحق جل وعلى: ﴿ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا (36) وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا (37) كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا (38) ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِ ﴾، أي أن تلك الوصايا العظيمة هي من الحكمة، وقد جاء في تفسير ﴿ وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚۗ﴾ تركُ تتبُّع ما لا علمَ به يُصلح عقولَ الأمَّة، فلا يختلط عندها المعلومُ والمظنون والموهوم، ومن ثَمَّ تسلَم من الوقوع في المهالك.

لذا عندما تغيب تلك الخصلة تضيع البوصلة، ويختلط الحق بالباطل، ويكثر الجدال ويقع البعض في فخ إخراج الأمور عن سياقها، فيتحدثون بما لا ينبغي، أو بما هو في غير زمانه ومكانه، فيثيرون العواصف بدل أن يطفئوا نيران الفتنة، فتكون النتيجة عكس ما أرادوا، فالحكمة ليست مجرد علم يُكتسب، بل هي بصيرة تُهدي صاحبها إلى مواضع الصواب وتجنبه مواطن الفتنة والانزلاق إلى مساحات لا طائل منها إلا إثارة الجدل وتعميق الخلاف، ويتحول الإصلاح المزعوم إلى فتنة جديدة تزيد الفرقة وتعمّق الانقسام.

مساحة إعلانية