رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تتغير الظروف... تتغير المسؤوليات من وحي خطاب سمو الأمير لا تأتي المؤسسات الوطنية في كل مرة لتؤدي أدوارها في الظروف ذاتها؛ فهناك مراحل تسير فيها الأمور وفق ما هو مخطط لها، وتبدو فيها الأولويات واضحة، وهناك مراحل تتغير فيها المعطيات بصورة تفرض إعادة النظر في كثير من الافتراضات، وتستدعي قدرًا أكبر من الاستعداد والقراءة المتأنية للمستقبل. وقد جاء خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد الخامس والخمسين لمجلس الشورى، ليضع هذه المسؤوليات في سياقها الفعلي، مستعرضًا ما واجهته البلاد من أحداث استثنائية، وما أظهرته من قدرة على التعامل معها، وما تفرضه المرحلة المقبلة من متطلبات. ونحن أمام مرحلة من هذا النوع؛ فالحرب الدائرة في المنطقة، وما ترتب عليها من اضطرابات في الملاحة الدولية، ولا سيما عبر مضيق هرمز، والأضرار التي طالت منشآت الطاقة، تضع دول المنطقة أمام تحديات لا تقتصر على الجانب الأمني والسياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار، وقد تصل آثارها، إذا طال أمدها، إلى تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات. وقد أشار سمو الأمير إلى أن قطر واجهت هذه الأزمة بثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة، كما أكد أن إرادة الدولة في بناء وطنها وصون مكتسبات شعبها صلبة لا تنكسر، وأن ما تحقق من صمود لم يكن وليد لحظة الأزمة، بل حصيلة التخطيط والاستعداد والتدريب والتجهيز، وهنا تبرز حقيقة تستحق التوقف عندها: فامتلاك القدرة على التعامل مع الأزمات لا يلغي الحاجة إلى الاستعداد لها، كما أن قوة الاقتصاد لا تعني أنه بمنأى عن آثار المتغيرات الخارجية. ولعل الجانب الاقتصادي من أكثر الجوانب التي تستحق التوقف عندها في هذه المرحلة، فقد كشف الخطاب عن انخفاض إجمالي الإيرادات العامة خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية، وهي أرقام تعكس حجم التحدي الذي واجهته المالية العامة، كما تفتح المجال للتأمل في كيفية إدارة الموارد والالتزامات في ظروف استثنائية. لقد أكد سمو الأمير أن الدولة فضّلت عدم تقليص الخدمات الأساسية أو تغيير الأولويات التنموية، مستندة إلى سياسات سبقت الأزمة، شملت تعزيز الاحتياطيات، وخفض الدين العام، وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة، وتنمية الإيرادات غير النفطية، لكنه أكد في الوقت نفسه ضرورة مواصلة الانضباط المالي، ورفع كفاءة الإنفاق، ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد، وهذه النقطة بالذات تطرح سؤالًا يتجاوز التعامل مع الأزمة الراهنة: كيف نضمن أن تكون السياسات المالية والاقتصادية قادرة على الاستجابة للظروف غير المتوقعة، من دون أن تتحول المحافظة على الاستقرار إلى سبب لتباطؤ التنمية، أو أن تتحول المحافظة على وتيرة الإنفاق إلى عبء على الموارد العامة؟ إن التخطيط المالي الرشيد لا يقوم على توقع واحد، مهما بدا مرجحًا، بل على الاستعداد لمجموعة من الاحتمالات، ومعرفة الخيارات المتاحة للتعامل مع كل منها، كما أن تنويع الاقتصاد لا ينبغي أن يُقاس فقط بمدى نمو الأنشطة غير الهيدروكربونية في الظروف العادية، بل بقدرتها على المحافظة على نشاطها عندما تتعرض التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد لاضطرابات واسعة. وقد أشار سمو الأمير إلى أن مساهمة القطاعات غير الهيدروكربونية بلغت نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وهو مؤشر مهم على اتساع قاعدة الاقتصاد الوطني، غير أن أهمية التنويع لا تتوقف عند حجم مساهمة هذه القطاعات، بل تمتد إلى مدى قدرتها على توليد النشاط والفرص، والحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى بقية الاقتصاد والمجتمع. ولعل أبرز ما يستوقفني في الخطاب أن سمو الأمير لم يجعل العودة إلى ما قبل الأزمة هدفًا بحد ذاته، بل أكد أن المطلوب هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية، وأشار في هذا السياق إلى حزمة من المشاريع والفرص الاستثمارية تقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة. وهذا توجه يضع أمام مؤسسات الدولة مسؤولية لا تقل أهمية عن إدارة الأزمة نفسها؛ فالتحدي ليس في تجاوز الظروف الاستثنائية فحسب، بل في تحويل ما تكشفه من مواطن قوة أو جوانب تحتاج إلى تطوير إلى سياسات ومبادرات تعزز قدرة الاقتصاد على التكيف والاستمرار. وقد دعا سمو الأمير مجلس الشورى إلى مواكبة هذه المرحلة بتشريعات تعزز دور القطاع الخاص وجاذبية بيئة الاستثمار، وهي دعوة تضع أمام المجلس مجالًا مهمًا للعمل، لا يقتصر على مناقشة القضايا المطروحة، بل يمتد إلى دراسة ما تحتاج إليه البيئة التشريعية من تطوير، بما يدعم الاستثمار والإنتاجية والتنويع الاقتصادي، ويساعد على تعزيز قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يقتصر دور المؤسسة التشريعية على مناقشة القضايا المطروحة أمامها في إطارها الآني، أم يمتد إلى استشراف آثارها المستقبلية، وطرح الأسئلة التي تساعد على كشف المخاطر مبكرًا، وتقديم المقترحات التي تعزز الاستعداد لها؟ فحين تتغير الظروف، لا يكفي أن نعيد قراءة الواقع، ولا أن ننتظر حتى تتضح جميع نتائجه، إن المسؤولية الحقيقية تبدأ حين نطرح الأسئلة الصعبة في الوقت المناسب، ونبحث عن البدائل قبل أن نضطر إليها، ونراجع افتراضاتنا قبل أن تفرض علينا الوقائع مراجعتها. ولعل تأكيد سمو الأمير ضرورة ربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، ومساءلة القيادات الإدارية عن النتائج، يضيف بُعدًا آخر لهذه المسؤولية، فالتحدي لا يكمن في وضع الأنظمة والسياسات وحدها، بل في ضمان تطبيقها بأمانة وفاعلية، وألا تتحول إلى إجراءات شكلية لا تغيّر واقع الأداء، فالمؤسسات القادرة على الصمود هي تلك التي تتعلم من التجارب، وتقيس نتائج أعمالها، وتراجع أداءها، وتصحح مسارها حين تقتضي الحاجة. وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه التحديات لا يقع على عاتق مجلس الشورى وحده؛ فلكل مؤسسة دورها ومسؤولياتها، والتكامل بينها هو ما يمنح الاستجابة الوطنية قوتها، وقد أكد الخطاب أن صمود الدولة يقوم على الاستعداد، وتنوع الاقتصاد، وكفاءة المؤسسات، وتكافل المجتمع، ومسؤولية الأفراد، وهي معادلة تذكّرنا بأن المحافظة على المكتسبات الوطنية مسؤولية مشتركة، تتطلب إتقان العمل، وصون المال العام، وتغليب الواجب والمصلحة العامة، فالمؤسسات لا تُختبر فقط بما تفعله حين تقع الأزمات، بل أيضًا بما تستعد له قبل وقوعها، وبقدرتها على تحويل دروسها إلى سياسات أكثر كفاءة ومرونة، تحفظ المكتسبات وتفتح الطريق أمام المستقبل.
273
| 14 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج وفهم المسار يقتضي العودة إلى قرار الزواج وتوقيته ■ انخفاض معدل الخصوبة في الخليج تحدٍ لا يمكن مواجهته إلا بفهم عميق وإحاطة شاملة للعوامل المؤثرة ■دراسة الخصوبة تحتاج للنظر في سن الزواج وسن الإنجاب الأول والفاصل بين الولادات والعمر عند إنجاب الطفل الأخير ■ هل اقتربت معدلات الخصوبة من مستويات تهدد النمو الطبيعي للسكان؟ ■ الإنجاب ليس قرار المرأة وحدها والأسرة ليست مشروعًا تتحمل المرأة وحدها تكلفته الزمنية والاجتماعية تشير الدراسات إلى أن معدلات الخصوبة في دول مجلس التعاون شهدت تراجعًا واضحًا خلال العقود الماضية، وإن كان ذلك التراجع بدرجات مختلفة من دولة إلى أخرى، وتشير دراسة منشورة في Saudi Medical Journal عام 2024، تناولت اتجاهات تلك المعدلات في دول مجلس التعاون بين عامي 1980 و2021، إلى انخفاضها في الدول الست، مع ارتباط هذه التحولات بعوامل مثل التحضر، والتعليم، والتنمية البشرية، والناتج المحلي، ومشاركة المرأة في سوق العمل، إلى جانب عوامل أخرى تحتاج إلى مزيد من البحث. فحين نتحدث عن تراجع معدلات الإنجاب في دول الخليج، غالبًا ما نسأل: كم طفلًا تنجب المرأة اليوم؟ وكيف تغير هذا الرقم مقارنة بما كان عليه قبل عقود؟ وهل اقتربت معدلات الخصوبة، وهي النسبة بين عدد المواليد الأحياء في السنة إلى إجمالي عدد الإناث في سن الحمل (من 15 إلى 49 عاما)، من مستويات تهدد النمو الطبيعي للسكان؟ لكن الرقم، مهما كان مهمًا، ليس بداية القصة، فمعدل الخصوبة الذي نراه اليوم هو في الحقيقة نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات والظروف تبدأ قبل أن يولد الطفل الأول، وربما قبل أن يتزوج الأب والأم أصلًا، فما الذي حدث للأسرة الخليجية؟ هل تغير سن الزواج؟ أم أصبح تأسيس الأسرة أكثر كلفة؟ وكيف ينظر الجيل الجديد للزواج؟ ومتى يأتي الطفل الأول بعد الزواج؟ وما المسافة بين الطفل الأول والثاني؟ ولأن تكوين الأسرة والإنجاب في المجتمع الخليجي يبدآن من الزواج، فإن فهم مسار الخصوبة يقتضي أن نعود خطوة إلى الوراء، إلى قرار الزواج وتوقيته، هل ما زال الشباب والشابات يتزوجون في الأعمار نفسها التي كان الزواج يتم فيها سابقًا؟ وإذا كان الزواج قد تأخر، فلماذا؟ وهنا من المهم التمييز بين من لا يريد الزواج، ومن يريد الزواج لكنه يؤجله لأسباب كالدراسة، العمل، السكن، التكاليف، الخوف من المسؤولية، أو تغير معايير اختيار شريك الحياة، فإذا تأخر سن الزواج، تأخر الإنجاب، وإذا جاء الطفل الأول في سن متأخرة، يصبح الوقت المتاح لإنجاب الطفل الثاني والثالث أقل، ومن هنا، قد يكون جزء من تراجع الخصوبة مرتبطًا بالوقت الذي بدأت فيه الأسرة. ولهذا، فإن دراسة الخصوبة تحتاج إلى النظر في أكثر من معدل، نحتاج إلى معرفة سن الزواج، وسن الإنجاب الأول، والفاصل بين الولادات، والعمر عند إنجاب الطفل الأخير، وعدد الأطفال عند اكتمال الأسرة، فقد تكون الأسرة راغبة في ثلاثة أو أربعة أطفال، لكنها تبدأ متأخرة، أو تتباعد الولادات لديها، أو تصل إلى مرحلة يصبح فيها إنجاب طفل آخر أكثر صعوبة، وفي هذه الحالة، لا يكون انخفاض عدد الأطفال نتيجة قرار صريح بالاكتفاء، وإنما نتيجة مسار زمني كامل. والسؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه أي دراسة جادة هو: كم عدد الأطفال الذين تريدهم الأسرة؟ وكم عدد الأطفال الذين تنجبهم فعلًا؟ الفارق بين الرقمين قد يكون مفتاحًا لفهم المشكلة، فالأسرة التي تقول إنها تريد أربعة أطفال وتنتهي بطفلين تختلف جذريًا عن أسرة كانت تريد طفلين منذ البداية، في الحالة الأولى، قد يكون لدينا عجز عن تحقيق الرغبة في الإنجاب، وفي الحالة الثانية لدينا تغير في القناعات، وهكذا يتكون فهم أعمق للظاهرة. في تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2025 إشارة إلى أن كثيرًا من الناس حول العالم لا يستطيعون تحقيق العدد الذي يرغبون فيه من الأطفال بسبب عوامل متعددة، من بينها الضغوط المالية، وارتفاع تكاليف السكن وتربية الأطفال، وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة، وعدم اليقين بشأن المستقبل، وحتى صعوبة العثور على شريك مناسب. فهل الأسرة الخليجية تنجب العدد الذي تريده، أم العدد الذي تسمح لها ظروفها بإنجابه؟ المشكلة تكلفة الزواج أم تكلفة الأسرة؟ عندما نتحدث عن مؤشرات الإنجاب، كثيرًا ما نتحدث عن ارتفاع تكاليف الزواج، لكن ربما نحتاج إلى أن نوسع السؤال، فالمشكلة ليست فقط في تكلفة إقامة حفل الزواج أو تجهيز المنزل، وإنما في تكلفة الحياة الأسرية التي تبدأ بعد ذلك، كالتعليم، والصحة، والسكن، والرعاية، والاحتياجات اليومية، والوقت الذي يحتاجه الأب والأم وحتى تكلفة المربية في بعض الأسر، فربما أصبحت الأسرة الحديثة تنظر إلى الطفل بطريقة مختلفة باعتباره مسؤولية تحتاج إلى وقت واستثمار ورعاية وتعليم وفرص، ومن هنا يظهر سؤال آخر: أنريد عددًا أقل من الأطفال، أم أننا أصبحنا نريد أن نقدم لكل طفل مستوى أعلى من الحياة؟. على صعيد آخر، ماذا حدث للأسرة عندما دخلت المرأة سوق العمل؟ هل روعيت كأم؟ ومن يرعى الأطفال؟ وكيف توزع المسؤوليات داخل المنزل؟ وما الدور الذي يقوم به الأب؟ فالمرأة التي تعمل ليست بالضرورة امرأة لا تريد الأطفال، لكنها قد تكون امرأة تحاول أن تجمع بين العمل والأسرة في نموذج لم تتغير فيه كل عناصر الحياة بما يتلاءم مع مسؤولياتها كأم، فمن السهل أن نقول إن زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل أدت إلى انخفاض الإنجاب، لكن هذا التفسير، رغم وجود ما يدعمه، قد يكون أكثر تبسيطًا مما ينبغي، ولهذا من الأولى أن يتناول عمل المرأة كمتغير داخل نموذج أوسع، لا تفسير جاهز للمشكلة. وربما نحتاج أيضًا إلى أن نسأل عن الرجل، كيف تغيرت صورة الأبوة؟ كم من الوقت يقضيه الأب مع أطفاله؟ وكيف ينظر إلى مسؤولياته الأسرية؟ وكيف ينظر إلى عمل زوجته؟ وما الذي يتوقعه من الزواج، والذي تتوقعه الزوجة منه؟ فالإنجاب ليس قرار المرأة وحدها، والأسرة ليست مشروعًا تتحمل المرأة وحدها تكلفته الزمنية والاجتماعية، وإذا كانت أدوار الرجل والمرأة داخل الأسرة قد تغيرت، فمن الطبيعي أن تكون لهذا التغير انعكاسات على قرار الإنجاب، وعلى عدد الأطفال، وعلى المسافة الزمنية بينهم. ثم هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله: الطلاق، ولا يكفي أن نعرف عدد حالات الطلاق، الأهم أن نعرف متى يحدث؟ هل قبل إنجاب الأطفال؟ أم بعد الطفل الأول أو الثاني؟ وكم عدد الأطفال لدى الزوجين عند وقوع الطلاق؟ وهل يتزوج الطرفان مرة أخرى؟ ومتى؟ وهل يستمر الإنجاب بعد الزواج الثاني؟ فالطلاق ليس فقط حدثًا اجتماعيًا أو قانونيًا، بل يمكن أن يكون أيضًا نقطة توقف في مسار الإنجاب، وقد أظهرت دراسات تناولت السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي أن اختلاف التوقعات بشأن الأدوار والمسؤوليات وتربية الأطفال والتوازن بين العمل والحياة يمكن أن يكون له تأثير في استقرار العلاقة، ولهذا، ربما لا يمكن دراسة الخصوبة بمعزل كامل عن جودة العلاقة الزوجية واستقرارها. وفي المقابل، هناك شيء لا تستطيع الإحصائيات وحدها أن تخبرنا به: ماذا يعني الزواج والأسرة والإنجاب لهذا الجيل؟ هل تغيرت توقعات الشباب من الحياة الزوجية؟ أم أصبحوا أقل استعدادًا للتضحية؟ هل أصبح مفهوم جودة الحياة أكثر أهمية؟ وهل تغيرت قدرة الأسرة على تحمل الخلافات والضغوط؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها جداول المواليد والزيجات والطلاق، بل تحتاج إلى استطلاعات رأي، ومقابلات، ودراسات نوعية تستمع إلى الناس أنفسهم، فليست كل أسرة توقفت عند طفل أو طفلين لأنها اختارت ذلك، هناك من يتأخر لديه الإنجاب، وهناك مشكلات صحية، وهناك صعوبة في الحمل، وهناك فارق زمني طويل بين الولادات، وهناك من يصل إلى عمر تصبح فيه فرص الإنجاب أقل، وهنا يجب أن نفرق بين: من لا يريد، ومن يريد ولا يستطيع، ومن يريد لكن ظروفه لا تسمح، فإذا اختزلنا هذه الفئات كلها في مؤشر واحد، لن نصل لتفسير دقيق للظاهرة. هناك أيضًا سؤال عن الأسرة الممتدة، في الماضي، كانت الأسرة الكبيرة في كثير من المجتمعات الخليجية توفر شبكة دعم طبيعية: الجدة، والجد، والأعمام، والعمات، والأقارب، وكان وجود الأطفال جزءًا من حياة اجتماعية أوسع، أما اليوم، فقد أصبحت الأسرة النواة أكثر حضورًا، وأصبح الأب والأم في كثير من الحالات يتحملان الجزء الأكبر من مسؤولية رعاية الأطفال بأنفسهما، وما أثر الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النواة في قرار الإنجاب؟ السكن أيضًا ليس مجرد مسألة اقتصادية، إنه جزء من قرار تكوين الأسرة، هل يستطيع الزوجان الحصول على سكن مستقل؟ وهل يستطيعان الانتقال إلى مسكن أكبر مع زيادة عدد الأطفال؟ ربما يكون قرار الطفل الثالث مرتبطًا، في بعض الحالات، بمساحة المنزل أكثر مما نتصور، ولهذا ينبغي ألا يُنظر إلى السكن باعتباره ملفًا منفصلًا عن ملف الخصوبة. لقد أصبح انخفاض معدل الخصوبة في الخليج تحدياً لا يمكن مواجهته إلا بفهم عميق وإحاطة شاملة للعوامل المؤثرة فيه، علينا أن نبحث عن إجابات دقيقة لكل التساؤلات، وعن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذه المحطة الحرجة، هل الناس لم يعودوا يريدون العدد نفسه؟ أم لأنهم يريدون أطفالًا أكثر لكنهم لا يستطيعون تحقيق رغبتهم؟ أم السبب في تأخر سن الزواج نفسه؟ أو في النظرة إليه؟ أم في تكلفته؟ أم في السكن؟ أم في سوق العمل؟ أم في صعوبة التوفيق بين العمل والأسرة؟ أم في تغير توقعات الزوجين؟ أم في الطلاق؟ أم في الصحة؟ أم في كل هذه العوامل مجتمعة؟ فالسياسة الجيدة تبدأ من التشخيص الصحيح، لذا ينبغي ألا تبدأ الدراسة من معدل الخصوبة وحده، وإنما من كل الملفات المترابطة به، والأهم من دراسة كل ملف منفردًا هو دراسة العلاقة بينها. وهكذا نكتشف أن انخفاض الخصوبة قد لا يكون مشكلة مستقلة أصلًا، وإنما النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من التحولات، ولهذا، قبل أن نسأل: أين ذهب الطفل الثالث؟ علينا أن نسأل: ماذا حدث للأسرة قبل أن يصل دوره؟
522
| 13 أكتوبر 2026
نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه المعرفة، وتتبدل فيه طريقة الناس في العمل والتواصل والحياة، بينما قد لا تتطور عقولنا بالسرعة نفسها، فتظل طريقة تفكير البعض ونظرته للأشياء ملتصقة بنسخته الأولى التي بدأ بها حياته، فنجد أنفسنا أمام واقع جديد بعقلية تشكلت في واقع قديم، وهنا لا تتسع الفجوة بيننا وبين العالم فقط، وإنما قد تتسع بيننا وبين أقرب الناس إلينا؛ أبنائنا والجيل الذي نشأ وترعرع في هذا التطور المتسارع، جيل يملك قدرة أكبر على التكيف، ومرونة أعلى في التعلم، وسرعة في الانتقال من فكرة إلى أخرى ومن أداة إلى أخرى، لأن التحديث بالنسبة إليه جزء طبيعي من حياته اليومية، بينما قد نجد أنفسنا نحاول اللحاق بما أصبح بالنسبة لهم أمرًا بديهيًا. ولعل هذا يفسر شيئًا نشعر به أحيانًا عندما نلتقي بأصدقاء قدامى بعد سنوات طويلة، فنكتشف أنهم ما زالوا النسخة نفسها التي عرفناها قبل عشرين أو ثلاثين عامًا، لا أتحدث هنا عن الأخلاق أو حسن التعامل، وإنما عن طريقة التفكير، وقراءة المشهد، والقدرة على التحليل، وتنوع الاهتمامات، السنوات مرت، والتجارب تغيرت، لكن طريقة التفكير بقيت كما هي. وفي المقابل، قد تلتقي بشخص لم تره منذ سنوات، فتشعر أنك أمام إنسان جديد، تنبهر بأسئلته، وطريقة تحليله، وقدرته على الربط بين الأشياء، واتساع اهتماماته، تشعر أن السنوات التي مرت عليه أضافت إليه شيئًا، وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي يكبر، والإنسان الذي يتطور. هناك روافد كثيرة لتحديث العقل، قد يبدأ الأمر بكتاب يفتح أمامك فكرة جديدة، أو محاضرة تغير زاوية نظرك إلى قضية، أو ندوة تستمع فيها إلى رأي مختلف، أو تجربة إنسان عاش ما لم تعشه، وقد يأتي من السفر، أو من حوار مع شخص يختلف عنك، أو من موقف يجبرك على إعادة النظر في فكرة كنت تظن أنك حسمتها. لكن هذه الأشياء لا تصنع فرقًا حقيقيًا ما لم يكن الإنسان مستعدًا لأن يراجع نفسه، أن تقول: ربما كنت مخطئًا، أن تعيد النظر في حكم قديم، أن تسمح لفكرة جديدة بأن تدخل عقلك دون أن تشعر أنها تهدد ما تؤمن به، وأن تدرك أن بعض ما كنا نراه صحيحًا في مرحلة ما من حياتنا قد يحتاج إلى مراجعة بعد أن تغيرت تجاربنا واتسعت رؤيتنا. كلما اتسعت قدرات العالم من حولنا، أصبحت حاجتنا إلى تطوير أنفسنا أكبر، نحتاج إلى أن نفهم هذه التغيرات، وأن نطور عقولنا بالقدر الذي يجعلنا قادرين على مواكبة هذا المتغير، فالهاتف الذي بين أيدينا قد يحصل على تحديث جديد أكثر من مرة في السنة، أما الإنسان فلا ينبغي أن ينتظر سنوات طويلة حتى يكتشف أنه ما زال يعمل بنسخته القديمة.
546
| 07 أكتوبر 2026
كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة، لكنها من أكثر الحقائق التي ننساها ونحن في قلب الأحداث، فنحن نمنح بعض الأشياء حجمًا أكبر من حقيقتها لأنها تحدث أمامنا الآن، ونظن أحيانًا أن ما نعيشه اليوم سيبقى كما هو إلى الأبد. الغضب سيمر، والخلاف سيمر، والحزن سيمر، والفرح سيمر، المنصب سيمر، والسلطة ستنتقل، والوجوه ستتغير، والأيام التي نظن أنها لن تنتهي ستصبح يومًا جزءًا من الذاكرة، لكن الإنسان، وهو يعيش اللحظة، لا يرى ذلك كله، يرى فقط ما أمامه. ولهذا قد يخسر صديقًا بسبب موقف عابر، وقد يقطع علاقة بسبب خلاف كان يمكن أن ينتهي بكلمة، وقد يخوض معركة لا تستحق، ثم يكتشف بعد سنوات أن المعركة انتهت، وأن الذين خسرهم فيها كانوا أهم من الانتصار نفسه. وقد يجلس أحدهم على مقعد يظنه دائمًا، فينسى أن المقاعد لا تحتفظ بأصحابها، وأن الكرسي الذي يرفع الإنسان اليوم قد يرفع غيره غدًا، وليست المشكلة أن الأشياء تمر، فهذه سنة الحياة، المشكلة أننا أحيانًا نتصرف وكأنها لن تمر، نغضب وكأن الغضب سيبقى، ونختلف وكأن الخلاف أبدي، ونتمسك بما في أيدينا وكأنه لن ينتقل إلى غيرنا. والحكمة ليست في ألا نحزن، ولا في ألا نغضب، ولا في ألا نتألم، الحكمة أن نعرف حجم الشيء في عمرنا، فلا نعطي لحظة عابرة سلطة على سنوات كاملة من حياتنا، فبعض الخلافات لا تحتاج إلى انتصار، وبعض المعارك لا تحتاج إلى أن نخوضها، وبعض الأشياء لا تستحق أن نخسر من أجلها ما هو أثمن منها. والأصعب من أن نخسر شيئًا هو أن نكتشف بعد أن يمر أننا خسرنا من أجله شيئًا لا يمكن استعادته: وقتًا، أو علاقة، أو راحة بال، أو جزءًا من أنفسنا، فالزمن لا يعيد إلينا الأيام التي أنفقناها في خصومة، ولا الساعات التي أضعناها في إثبات ما لم يكن يحتاج إلى إثبات، ولهذا فإن بعض الانتصارات تكون مكلفة إلى درجة تجعل الإنسان يتمنى لو أنه لم ينتصر. وإذا كان كل شيء سيمر، فهناك سؤال آخر يستحق أن نتوقف عنده: ماذا سيبقى بعد أن يمر كل شيء؟ قد ينسى الناس سبب الخلاف، لكنهم لن ينسوا كيف اختلفت معهم، وقد ينسون المنصب، لكنهم سيتذكرون كيف استخدمت سلطتك، وقد ينسون القرار، لكنهم سيتذكرون إن كنت عادلًا حين اتخذته. وقد تنتهي مسؤوليتك، لكن الأثر الذي تركته في الناس قد يبقى بعد أن يغادر اسمك المكان، لهذا، ربما لا ينبغي أن ننشغل كثيرًا بما سيمر، بقدر ما ينبغي أن ننتبه إلى ما نتركه ونحن نمضي. كل شيء سيمر... فلا تجعل ما سيمر يأخذ منك ما لا يعود.
1068
| 30 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن علينا أن نتعلم كيف نستخدمه، يأتي جهاز أكثر تطورًا من سابقه، نتعلم وظائفه خلال أيام، ثم نعود إلى حياتنا حتى يظهر جهاز آخر، والأهم أن الجهاز الجديد لم يكن يبدأ معنا من الصفر؛ فما تعلمناه بالأمس كان يساعدنا على فهم ما يأتي غدًا، كانت هناك مساحة زمنية معقولة بين ظهور الجديد وقدرة الإنسان على استيعابه. لكن شيئًا تغير، لم يعد الجديد مجرد نسخة أكثر تطورًا من القديم، بل أصبح أحيانًا يغير الطريقة التي نعمل ونتعلم ونفكر بها أصلًا، وهنا بدأت فجوة جديدة بالاتساع: الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة تعلم الإنسان واستيعابه لها. فالذكاء الاصطناعي التوليدي، مثلًا، وصل إلى نحو 53% من الانتشار بين الأفراد خلال ثلاث سنوات فقط، وهي سرعة انتشار تفوق ما شهده الكمبيوتر الشخصي أو الإنترنت في بداياتهما، وتتطور قدرات النماذج نفسها بوتيرة متسارعة، لذا نحن أمام تكنولوجيا تجعل ما تعلمناه منها اليوم قابلًا لأن يصبح قديمًا غدًا. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتغير 39% من المهارات الأساسية للعاملين بحلول عام 2030، بينما أصبحت فجوة المهارات أحد أكبر العوائق أمام تحول المؤسسات، وبحسب تقرير حديث لشركة غارتنر (Gartner)، إحدى أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في أبحاث التكنولوجيا وتحليل اتجاهاتها، يرى 51% من مسؤولي التقنية أن المهارات المطلوبة تتغير أسرع من توفر المواهب التي تمتلكها. وهنا السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يتعلم بالسرعة التي تتطور بها التكنولوجيا؟ في الماضي كان التعلم هو الحل، أما اليوم، فقد يصبح أبطأ من التغيير، قد يتعلم الموظف أداة جديدة، ثم تظهر نسخة أحدث منها قبل أن يتقنها، ولم يعد المطلوب تعلم أداة واحدة، وإنما التعامل باستمرار مع أدوات متغيرة، لربما يكون أحد الحلول أن تتولى التكنولوجيا جزءًا من عملية التعلم نفسها، فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة نستخدمها؛ بل بدأ يتحول إلى مساعد يشرح لنا، ويدربنا، ويساعدنا في إنجاز العمل. لكن ماذا لو لم يعد المساعد الذكي كافيًا؟ هنا تبدأ حدود كانت تبدو أقرب إلى الخيال العلمي في الاقتراب من الواقع، فشرائح الواجهات الدماغية التي تصل الإنسان بالآلة لم تعد مجرد فكرة في الأفلام، ففي عام 2026، وثّقت ناتشرال ميديسن Nature Medicine تجربة لواجهة دماغ حاسوب مزروعة، استخدمها رجل مصاب بالشلل في منزله لأكثر من 3,800 ساعة، مكّنته من التواصل والتحكم في الكمبيوتر اعتمادًا على إشارات دماغه، لا يعني ذلك أن الإنسان السليم سيحتاج إلى شريحة كي يستخدم الذكاء الاصطناعي. لكن التجربة تكشف الأهم: الحد الفاصل بين الإنسان والآلة أصبح مجالًا هندسيًا يُبحث ويُختبر ويُطوّر. وإذا استمرت التكنولوجيا في التطور بسرعة تفوق قدرة الإنسان على التعلم والتكيف، فقد تظهر في المستقبل حلول تبدو لنا اليوم غريبة أو غير مقبولة، ليس لأنها حتمية، بل لأن الإنسان، عندما يشعر أن العالم يتقدم أسرع من قدرته على اللحاق به، قد يعيد النظر في حدود كان يعتبرها ثابتة. وقد لا تكون المشكلة أن بعض الناس سيملكون التكنولوجيا، بل أن بعضهم سيملك القدرة على مواكبتها، بينما يتوقف آخرون عند آخر مرحلة فهموها، فالإنسان يحتاج إلى وقت ليتعلم، والتكنولوجيا لا تحتاج إلى وقت مماثل لتتطور. نحن لا نتسابق مع آلة ثابتة، بل مع آلة تتعلم، ولذلك قد لا تكون المعركة القادمة بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستطيع أن يواكب الآلة، وإنسان يتوقف عند آخر نسخة استطاع أن يفهمها، والحقيقة التي بدأت تطل برأسها علينا هي أن العلم بدأ يركض أسرع مما نستطيع، وأن الفجوة بين من يملك التكنولوجيا الحديثة ومن يستهلكها قد تكون تعدت خط اللارجعة.
804
| 23 سبتمبر 2026
لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق التي كانت تأخذنا إلى مكان ما، كانت تمنحنا شيئًا أيضًا؛ حكايةً، أو لقاءً، أو وجهًا لا ننساه، أو موقفًا صغيرًا يبقى معنا سنوات طويلة دون أن نعرف لماذا بقي، كان الطريق قديمًا أبطأ، نعم، لكنه كان يمنحنا وقتًا لنرى، نرى المدن، والناس، والوجوه، ونسمع حكايات لا نعرف أننا كنا نبحث عنها، وكانت الأحساء واحدة من تلك الأماكن التي لم تكن مجرد مدينة نعبرها، بل كان شيئًا ما يحدث لنا ونحن نعبرها. كان علينا أن ندخلها، وأن نمر بسوقها، وربما نتوقف فيها دون أن نخطط لذلك، ثم نبحث عن طريقنا إلى الجهة الأخرى، كنا أحيانًا نضيع، وما أجمل أن تضيع في مكان يعرف أهله الطريق جيدًا، كنت تسأل أحدهم عن الاتجاه، فيعطيك أكثر مما طلبت؛ يدلك على الجادة، وربما دعاك إلى بيته، أو أهدى إليك شيئًا من عنده، وهكذا كان الضياع أحيانًا يقود إلى معرفة، والسؤال يفتح بابًا، والباب يفتح مجلسًا، والمجلس قد يفتح علاقة تستمر سنوات، فربما تعود في العام التالي، فتبحث عن صاحب دكان تحدثت إليه في رحلتك السابقة، أو عن رجل التقيته مصادفةً في مسجد، وقد لا تتذكر حتى كيف بدأ الحديث بينكما، لكنك تتذكر وجهه، وتعود تبحث عنه، وربما يصبح مرورك موسمًا ينتظره، كما ينتظر الربيع. ربما تمر الأيام وتنسى الطريق، وتنسى المسافة، وحتى تفاصيل الرحلة، لكنك لا تنسى القلوب البيضاء، وجهًا استقبلك بإبتسامة، أو يدًا امتدت إليك، أو شيئًا أهداك إياه رجل لم تكن تعرفه قبل دقائق، كانت الأماكن يومها لا تُقاس بما تختصره من المسافة، بل بما تضيفه إلى الحكاية، ولهذا بقيت تلك الواحة في الذاكرة، لم تبقَ لأننا كنا نمر بها فحسب، بل لأننا كنا نترك فيها شيئًا منا، ونعود منها بشيء لا نعرف قيمته إلا بعد أن يمضي الزمن. ثم تغيّر الطريق، ظهر طريق ساحلي أسرع، وأكثر اختصارًا، لا يمر بها، بدا الأمر وكأنه انتصار للوقت، لم نعد بحاجة إلى دخول المدينة، ولا إلى السؤال عن الطريق، ولا إلى التوقف في السوق، ولا إلى البحث عن مطعم نتناول فيه الغداء، الطريق واضح، والوجهة محددة، والخرائط في الهاتف تعرف ما لا نعرفه، وصلنا أسرع، لكن بلا حكاية، فماذا لو كان الذي اختصرناه لم يكن الطريق وحده؟ ماذا لو كنا، ونحن نختصر المسافات، نختصر شيئًا آخر معها؟ كنا نضيع فنلتقي، واليوم نقطع المسافة كلها دون أن ننزل من السيارة، كنا نسأل عن الطريق، فنجد إنسانًا، واليوم نفتح الخريطة، فنجد طريقًا موحشًا، كنا نتوقف لأننا لا نعرف ماذا ينتظرنا بعد المنعطف، فكانت الحياة تفاجئنا، واليوم نعرف الطريق كله قبل أن نبدأه. أصبح بإمكاننا أن نتواصل مع عشرات الأشخاص ونحن في الطريق، دون أن نلتقي بواحد منهم، ونستطيع أن نعرف أين هم، ماذا يفعلون، ماذا أكلوا، وأين ذهبوا، دون أن نجلس معهم على مائدة واحدة، أصبحت الطرق أسرع، وأصبحت الرسائل أسرع، وأصبحت الأخبار أسرع، وأصبح الوصول إلى الناس أسهل من أي وقت مضى، ومع ذلك، يبدو أننا أصبحنا أبعد، ليس أبعد عن الأماكن فقط، بل عن بعضنا، وربما عن أنفسنا أيضًا. لكن ماذا لو لم تكن المشكلة في الطريق الجديد؟ وربما لم تكن المشكلة في التكنولوجيا أيضًا، فلا نستطيع أن نطلب من العالم أن يعود إلى الطرق القديمة، ولا أن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكن علينا أن نسأل أنفسنا: ما الذي افتقدناه ونحن نمضي بهذه السرعة؟ افتقدنا شيئًا لا يعوضه اختصار المسافة، ولا سرعة التكنولوجيا، افتقدنا الصدفة، افتقدنا الدهشة، افتقدنا العفوية التي كانت تجعل للحياة طعمًا آخر، وتحمل إلينا أشياء لم نكن نبحث عنها، افتقدنا الإنسان الذي كنا عليه ونحن نمر بها، وكأننا ونحن نختصر الطريق اختصرنا شيئًا من الإحساس، ربما لهذا بقيت تلك المدينة في الذاكرة، لأنها كانت جزءًا من الحكاية. ولست متأكدًا أنني أتحدث عن الأحساء !!، ربما عن شيء آخر...
2553
| 16 سبتمبر 2026
خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن هدر المال العام لا يأتي دائمًا من الفساد وحده، وإنما بسبب قرار اتخذه من لم يكن مؤهلًا لاتخاذه، أو صلاحية مُنحت لمن لم يكن قادرًا على ممارستها، فالفساد يهدر المال العام عن قصد، أما سوء الإدارة فقد يهدره بحسن نية، ولعل الأخطر من القرار الخاطئ أن تُمنح الصلاحية لمن لا يملك القدرة على استخدامها، ثم يصبح هو نفسه مسؤولًا عن اختيار من يعمل معه، فغير المؤهل لا يعرف بالضرورة أنه غير مؤهل، وقد لا يملك القدرة على التمييز بين صاحب الخبرة وصاحب الادعاء، وبين من يقدم له الحقيقة ومن يقدم له ما يحب أن يسمعه. فيختار من يظنه قادرًا، ويمنحه الصلاحية، ويأتمن من يعتقد أنه جدير بالثقة، بينما يكون معيار الاختيار نفسه غير سليم، وهنا يتحول الخطأ من قرار فردي إلى سلسلة من القرارات، فغير المؤهل يختار غير المناسب، وغير المناسب يمارس صلاحيات واسعة، ثم يختار من تحته، وتتسع الدائرة حتى يصبح الخلل جزءًا من طريقة العمل، وهذه أخطر مراحل المشكلة؛ لأننا لا نعود أمام شخص يحتاج إلى تصحيح، وإنما أمام منظومة بدأت تنتج الخطأ بنفسها. المسؤول الكفء لا يشترط أن يكون أعلم الناس في كل شيء، لكنه يعرف أين تنتهي معرفته، ولذلك يستعين بمن هو أعلم منه، ويستمع إلى من يخالفه، ويضع الاختصاص في يد صاحبه، أما غير المؤهل، فقد يرى في صاحب الكفاءة تهديدًا، وفي الرأي المختلف اعتراضًا، وفي من يقول «لا» شخصًا غير متعاون، ولهذا قد يحيط نفسه بمن يوافقه بدل من يصححه، وبمن يطمئنه بدل من يحذره، وهنا تصبح الأمانة أكبر من مجرد المحافظة على المال. وقد يكون الإنسان مخلصًا في نيته، لكنه يفتقد الخبرة، وقد يكون أمينًا، لكنه لا يملك القدرة على اتخاذ القرار، وقد يريد الخير للمؤسسة، لكنه لا يعرف كيف يحقق هذا الخير، ولهذا فإن حماية المال العام لا تكون فقط بمنع الفاسد من الوصول إليه، وإنما أيضًا بمنع غير الكفء من الوصول إلى مركز اتخاذ القرار، أو منحه صلاحيات تتجاوز قدرته على تحملها، والأمر لا يتعلق بالمال وحده، فالصلاحية حين تُمنح في غير موضعها قد تهدر وقتًا، وتبدد كفاءات، وتقتل مبادرات، وتدفع أصحاب الخبرة إلى الابتعاد، وتترك المؤسسة تدفع ثمن قرارات لم تكن مضطرة إلى دفعه. ولهذا قد تكون الحكمة أحيانًا في أن يعرف الإنسان ما لا يستطيع القيام به، وأن يدرك أن الاعتذار عن مسؤولية لا يحسنها ليس ضعفًا، بل أمانة، فليست كل مسؤولية تناسب كل إنسان، وليس كل ناجح في موقع ما ناجحًا بالضرورة في موقع آخر، وليس كل من يملك الرغبة في القيادة يملك القدرة عليها، وهنا أذكر حديثًا عظيمًا للنبي ﷺ، حين طلب منه أبو ذر رضي الله عنه أن يوليه، فقال له: (يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها). فالقوة التي تحتاجها المسؤولية ليست القوة البدنية، وإنما قوة العلم، والخبرة، والحكمة، والقدرة على اتخاذ القرار، والشجاعة في الاعتراف بحدود الذات، تلك التي وصف بها سيدنا يوسف عليه السلام نفسه عندما قال للملك: (اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) أي حفيظ لما استودعتني، عليم بما وليتني. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات هو أن يصبح غير المؤهل هو من يقرر من هو المؤهل، عندها لا يعود الخطأ مجرد قرار، بل يصبح الخطأ هو من يختار، وهو من يقرر، وهو من يمنح الصلاحيات، وعندها فقط نفهم لماذا قال النبي ﷺ: «إنك ضعيف، وإنها أمانة».
1230
| 09 سبتمبر 2026
في الطريق قد يسيء إليك سائق، وفي متجر قد يخطئ بائع، وفي فندق قد يختلف معك موظف الاستقبال، وفي العمل قد تسمع كلمة لا تعجبك أو موقفًا لا يروق لك، وقبل أن تحول الموقف إلى معركة، توقف قليلًا، ليس لتسأل نفسك إن كنت قادرًا على الانتصار، فالقوة وحدها قد تجيب عن هذا السؤال، وإنما لتسأل: هل تستحق هذه المعركة أن تُخاض أصلًا؟، وما الغنيمة التي تريدها من هذه المعركة؟، فليس كل من يملك القدرة على خوض معركة يكون مطالبًا بخوضها، وليس كل من يستطيع الانتصار ينبغي له أن يسعى إليه. لا شك أن لكل معركة غنائمها، منها ما هو منصب، ومنها ما هو نفوذ، ومنها ما هو انتصار للنفس، ومنها ما هو تشفٍ في خصمٍ اختلفنا معه، لكن ماذا لو كانت هذه الغنائم كلها لا تعني لك شيئًا؟ ماذا لو كنت لا تريد منصبًا، ولا تبحث عن نفوذ، ولا تجد لذة في رؤية غيرك يخسر، عندها تصبح المعركة عبئًا لا مكسبًا، واستنزافًا لا إنجازًا. في الحياة العملية قد يجد الإنسان نفسه قادرًا على تحريك ملفات، أو مخاطبة جهات، أو استثمار علاقات، أو كشف ما يملك من حقائق، وقد ينجح في ذلك كله، لكن النجاح في إشعال المعركة لا يعني أن إشعالها هو القرار الصحيح، فالقوة لا تُقاس بما تستطيع أن تفعله، بل بما تختار ألا تفعله. تعلمت أن بعض الانتصارات تحمل في داخلها هزيمة أخلاقية، وأن بعض التراجعات تحفظ للإنسان قيمًا لا يستطيع أي انتصار أن يعوضها، فليس كل حق يُنال بالمواجهة، وليس كل خلاف يُحسم بالتصعيد، وليس كل باب يمكن فتحه يستحق أن نطرقه، والأصعب من الانتصار على الآخرين هو الانتصار على رغبة النفس في الانتقام، فحين يكون الإنسان قادرًا على الإيذاء ثم يعفو، وقادرًا على التصعيد ثم يختار أن يمضي في طريقه، فإنه لا يخسر معركة، بل ينتصر على نفسه. لهذا، لا أؤمن بأن شجاعة الإنسان تُقاس بعدد المعارك التي خاضها، بل بعدد المعارك التي أدرك بحكمته أنها لا تستحق أن تُخاض، فالعاقل لا يسأل: هل أستطيع أن أنتصر؟ وإنما يسأل أولًا: ماذا سأربح إن انتصرت؟ وهل تستحق تلك الغنيمة أن أدفع ثمنها من راحتي، أو وقتي، أو مبادئي. لكن الحكمة أيضًا، لا تعني أن ينسحب الإنسان من كل مواجهة، فهناك معارك لا يملك الشريف أن يتجنبها؛ حين يتعلق الأمر بمبدأ، أو أمانة، أو حق عام، أو ظلم لا يصيبك وحدك، يصبح الصمت تواطؤًا، ويصبح التراجع تخليًا عن مسؤولية لا عن خصومة، فالقضية ليست في كثرة المعارك أو قلتها، وإنما في معيار اختيارها.
1092
| 02 سبتمبر 2026
في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما تسير الأمور كما يريد، ولا عندما تتفق معه الآراء، وإنما تظهر حين يتحول الاختلاف إلى خلاف، وحين يصبح الطرف الآخر خصمًا في الرأي أو الموقف، فهنا لا يعود الاختبار في قدرتنا على عرض وجهة نظرنا، بل في قدرتنا على أن نختلف دون أن نفقد إنصافنا، وأن نخاصم دون أن نفقد مروءتنا، وأن ندافع عن موقفنا دون أن نحتاج إلى تشويه موقف غيرنا. ولأن الخلاف ليس جديدًا على البشر، فقد عَرف الفرسان في أشد صور الخصومة، معنى أن يتواجه الرجال دون أن تسقط بينهم المروءة، لم يكن الفرسان يُعرفون بشجاعتهم وحدها، بل بمروءتهم ونبل أخلاقهم أيضًا؛ فقد كانوا يتواجهون في ساحات القتال، ويشتد بينهم الصراع، لكنهم كانوا يلتزمون بقواعد لا يتجاوزونها، كانوا يدركون أن النصر لا يبرر الكذب، وأن الخصومة لا تمنحهم حق تشويه الحقيقة، ولذلك بقيت الفروسية، عبر العصور، مرادفةً للشجاعة والنبل معًا. أما في بعض بيئات العمل، فتظهر معركة من نوع آخر، هناك من يملك سلطة التأثير، يوجّه، ويقترح، ويدفع نحو اتخاذ قرار لكنه لا يتحمل مسؤوليته، فإذا نجح القرار، اقترب منه ونسب الفضل لنفسه، وإذا أخفق، ابتعد عنه وألقى تبعاته على من حمل المسؤولية النظامية، والأسوأ من ذلك أن يتحول من صنع القرار أو شارك في صناعته إلى أول من يتبرأ منه، أو أن ينسبه كاملًا إلى شخص غادر المؤسسة ولم يعد حاضرًا ليدافع عن نفسه. ولعل أسهل متهم في أي مؤسسة هو المسؤول السابق، فما إن يغادر، حتى تصبح الأخطاء والقرارات المتراكمة مشروعًا جاهزًا لتعليقها على اسمه، لكن الحقيقة لا تغادر بخروج أصحابها، ولا يعيد أحد كتابة الوقائع لمجرد أن أحد أطرافها لم يعد حاضرًا ليرويها، فالحقائق لا تتبدل بتبدل الروايات. ولا يقتصر ذلك على من يغادرون المؤسسات، بل يظهر أيضًا في بعض اللجان ومجالس الإدارة، فقد يناقش الأعضاء موضوعًا، وتُطرح الآراء، ثم يُتخذ القرار بعد المداولة، فإذا جاءت النتائج على غير المأمول، ظهر من يقول: «لقد كنت أرى غير ذلك»، أو «كنت أتوقع ما حدث»، ولو كان رأيه بهذه القناعة، لكان الأولى أن يطلب إثبات تحفظه في محضر الاجتماع، وأن يتحمل مسؤوليته قبل صدور القرار، لا بعد ظهور نتائجه، أما أن يبقي لنفسه طريقين؛ فإن نجح القرار كان أحد صانعيه، وإن أخفق أصبح أول من يتبرأ منه، وذلك ليس من شجاعة الرأي، وإنما من الحرص على أن يكون رابحًا بأي ثمن. إن التحفظ يُكتب قبل القرار، لا بعد نتائجه، أما الحكمة التي لا تظهر إلا بعد وقوع الخطأ، فلا تحمي مؤسسة، ولا تنصف زملاء، ولا تضيف قيمة، فالشجاعة ليست أن تقول: «لقد توقعت»، بل أن تثبت موقفك قبل أن تعرف النتيجة. لا تنهار المؤسسات بسبب وقوع الأخطاء، فالأخطاء جزء من العمل، لكنها تبدأ في التآكل عندما يصبح الكذب وسيلة لإدارة المسؤولية، وعندما يعتقد البعض أن حماية صورتهم تكون بتشويه صورة غيرهم، عندها يفقد العاملون ثقتهم بعدالة المؤسسة، ويتعلمون أن الحقيقة ليست ما حدث، بل ما يُراد لهم أن يصدقوه. الفارس الحقيقي لا يختبئ خلف توقيع غيره، ولا يهرب من نتائج تأثيره، ولا يبحث عن غائب ليحمله أوزار الحاضر، وإذا اختلف مع زميل أو مسؤول سابق، بقي وفيًا للحقيقة، لأن شرف الخصومة جزء من شرف الإنسان، والفارس الحقيقي أيضًا لا يحتفظ برأي سري ليكشفه بعد الإخفاق، بل يعلنه في وقته، ويتحمل مسؤوليته كما يتحمل غيره مسؤولية القرار الجماعي. قد يستطيع الإنسان أن يكسب جولة بإخفاء الحقيقة أو تبديلها، لكن التاريخ الإداري، كما التاريخ الإنساني، يحتفظ دائمًا بمن تحمل مسؤوليته بشجاعة، وبمن اختار أن يحتمي بالكذب، وبين الاثنين مسافة لا تقاس بالمناصب، بل بالأخلاق. وفي النهاية، لا تصنع المؤسسات الأنظمة وحدها، بل يصنعها رجال ونساء يملكون شجاعة قول الحقيقة، والقدرة على تحمل تبعاتها، حتى عندما لا تكون في صالحهم، فالفروسية ليست أن تنتصر في خصومتك، بل أن تحافظ على مروءتك وأنت تختلف، وأن تتحمل مسؤولية ما صنعت، وألا تنسب إلى غيرك ما كان من صنع يديك، وتلك في نظري، هي أخلاق الفرسان.
948
| 26 أغسطس 2026
تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام الجيوش التي حاصرتها، فلم تستطع الأسوار أن تُهزم بالقوة، حتى جاءها حصان خشبي بدا هدية لا خطر فيها، ففتح أهل المدينة أبوابهم له، وأدخلوه بأيديهم إلى داخل الأسوار، دون أن يدركوا أن ما عجز عن فعله العدو من الخارج، سيفعله من أصبح في الداخل. وفي المؤسسات أيضًا أحصنة طروادة، وإن اختلفت الأشكال والمسميات، فقد يدخل شخص إلى المؤسسة تحت مسمى وظيفي ما، ويُمنح الثقة والصلاحيات والأدوات لأداء مهمة محددة، لكنه يحمل في داخله مشروعًا آخر؛ مصلحة شخصية، أو حسابات قديمة، أو رغبة في بناء نفوذ، أو أجندة لا علاقة لها بالمهمة التي جاء من أجلها، والأخطر أن المسؤول الذي اختاره قد يكون آخر من يعلم. فهو يعتقد أنه يمنحه الأدوات لخدمة المؤسسة، بينما قد تُستخدم الأدوات ذاتها لتحقيق أهداف لم يطلبها، ويظن أنه يدعم موظفًا مخلصًا، بينما يَمنح - من حيث لا يدري - غطاءً رسميًا لتحركات لم يكن ليوافق عليها لو عُرضت عليه بصورتها الحقيقية، وهنا تكمن خطورة حصان طروادة؛ فهو لا يعمل ضد النظام بالضرورة، بل قد يتقن استخدام النظام نفسه، لا يحتاج إلى تجاوز صلاحياته علنًا، ما دام قادرًا على توظيفها في غير غاياتها، فيقرّب هذا ويبعد ذاك، ويضخم واقعة ويتجاهل أخرى، ويختار من المعلومات ما يخدم روايته، حتى تصبح الوظيفة التي أُنشئت لخدمة المؤسسة أداة لخدمة صاحبها. ولا تُكتشف هذه الممارسات بسهولة، لأنها غالبًا ما تختبئ خلف عبارات مألوفة: «مصلحة العمل»، و«توجيهات الإدارة العليا»، و«الحرص على المؤسسة». وكلما زادت ثقة المسؤول بالشخص، أصبح من الصعب التمييز بين ما يريده المسؤول فعلًا، وما يُنفذ باسمه دون أن يكون قد أراده أصلًا، ولذلك فإن الحوكمة الحقيقية لا تكتفي بتحديد الصلاحيات، بل تسأل أيضًا: كيف تُستخدم؟ ولأي غاية؟ ومن المستفيد من القرارات المتكررة؟ وهل ما يُنفذ باسم القيادة يعكس فعلًا إرادتها، أم إرادة من يتحدث باسمها؟ لقد بقي حصان طروادة رمزًا عبر التاريخ، ليس لأنه كان أقوى من أسوار المدينة، بل لأن المدينة منحته ما لم تمنحه لعدوها: الثقة، والدخول، والمكان الآمن داخل الأسوار. وفي الإدارة أيضًا، قد لا تكون المشكلة فيمن يحاول اقتحام المؤسسة من الخارج، بل فيمن فتحنا له الباب، ومنحناه الأدوات، ثم اكتشفنا متأخرين أنه كان يخوض معركة أخرى بأيدينا.
999
| 19 أغسطس 2026
«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات أشهرًا، لكنه لا يستعد للاجتماع الأول ساعةً واحدة». لعل هذه العبارة تختصر أحد أكبر التحديات التي تواجه الكثير من مجالس الإدارات، فالوصول إلى المقعد أصبح لدى البعض مشروعًا متكاملًا، بينما لا يحظى أداء الرسالة بعد الوصول بالحماس ذاته. وقبل كل انتخابات، تتكرر المشاهد نفسها؛ لقاءات، واتصالات، وبرامج، ووعود، وسعي حثيث لكسب ثقة أعضاء الجمعية العمومية، وهذا حق مشروع، بل هو جزء أصيل من العملية الانتخابية، غير أن السؤال الحقيقي لا يبدأ يوم التصويت، وإنما في اليوم التالي لإعلان النتائج. فعضوية مجلس الإدارة ليست غاية بحد ذاتها، ولا لقبًا اجتماعيًا، وإنما أمانة ومسؤولية تجاه مؤسسة وضع أعضاؤها ثقتهم فيمن اختاروه، لذلك، فإن قيمة عضو المجلس لا تُقاس بعدد الأصوات التي حصل عليها، بل بقدر ما يضيفه من رأي، وما يتحمله من مسؤولية، وما يتركه من أثر. وللأسف، تكشف بعض التجارب عن مفارقة لافتة؛ فهناك من يبذل جهدًا استثنائيًا للوصول إلى المجلس، ثم يبدأ حضوره بالتراجع، وتتكرر أعذاره عن الاجتماعات، أو يحضر من غير استعداد، أو يكتفي بالموافقة على ما يُعرض دون نقاش أو إضافة، وكأن المهمة انتهت بالفوز، لا أنها بدأت به، فالمؤسسة لا تتضرر فقط من غياب العضو، بل قد تتضرر أكثر من حضوره بلا رأي، أو من مشاركته بلا أثر. وقبل أن يسأل المرشح نفسه: كيف أفوز؟ عليه أن يسأل: ماذا سأضيف إذا فزت؟ وما القيمة التي سأقدمها لهذا المجلس؟ وهل سأكون صاحب رأي، ومبادرة، وموقف، أم مجرد اسم يُضاف إلى قائمة الأعضاء؟، أما إذا كان المقعد هو الهدف، واللقب هو الطموح، أو المكافأة هي الدافع، فإن الحماس غالبًا ما ينتهي بانتهاء الانتخابات، فالمؤسسات لا تبحث عمن يشغل المقعد، بل عمن يشغله همُّ المؤسسة، ويؤمن أن القيمة ليست فيما تضيفه العضوية، بل فيما يضيفه هو إليها. إن الفوز بعضوية المجلس يمنحك مقعدًا، لكنه لا يمنحك أثرًا، فالأثر لا تمنحه صناديق الاقتراع، بل تمنحه المواقف، والمؤسسات لا تنهض بالأسماء اللامعة، بل بأعضاء يستعدون لكل اجتماع كما استعدوا للانتخابات، ويؤمنون أن مسؤوليتهم تبدأ بعد إعلان النتائج، لا قبله، وفي النهاية، لا يتذكر التاريخ المؤسسي من فاز بعضوية مجلس الإدارة، ولا عدد الأصوات التي حصل عليها، بل يتذكر من ترك أثرًا.
1071
| 12 أغسطس 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من يزرع هو من يحصد، وليس كل من يغرس شجرة يجلس في ظلها، ومع ذلك لا يتردد المزارع الحكيم في غرسها، لأنه يدرك أن قيمة الغرس لا تُقاس بمن ينتفع به أولًا، بل بقدرته على أن يبقى نافعًا بعده. وكذلك هي القيادة، فبعض القادة ينشغلون بتحقيق إنجازات سريعة تُنسب إليهم، بينما ينصرف آخرون إلى عمل أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا كبناء الأنظمة، وترسيخ القيم، وصناعة الثقافة المؤسسية، وإطلاق التغيير الذي قد يحتاج إلى وقت حتى يؤتي ثماره. وهذا النوع من العمل لا يجذب الأضواء دائمًا، لأن أثره لا يظهر في يوم أو شهر، بل يتشكل بصمت حتى يصبح جزءًا من هوية المؤسسة، وقد لا يُنسب الفضل إلى من بدأه، لكن ذلك لا ينتقص من قيمته، لأن غايته لم تكن صناعة مجد شخصي، وإنما بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بسرعة نتائجه، بل بقدرته على البقاء، وما يبدو في بدايته تغييرًا محدودًا قد يصبح بعد سنوات ثقافة راسخة، وما يُغرس اليوم في الأنظمة والقيم قد يتحول غدًا إلى سلوك يمارسه الناس دون أن يتذكروا من وضع بذرته الأولى، وتلك في الحقيقة هي علامة النجاح؛ أن تستمر الفكرة بعد صاحبها، وأن تمضي المؤسسة في طريقها لأنها أصبحت تعتمد على مبادئ، لا على أشخاص. ولهذا، لا ينشغل القائد البصير كثيرًا بمن سيقطف الثمار، بقدر ما ينشغل بأن تكون البذور صالحة، وأن تكون الأرض مهيأة، وأن يكون المسار قد بدأ في الاتجاه الصحيح، فهو يدرك أن الزمن شريك في كل إصلاح، وأن بعض الإنجازات تحتاج إلى صبر أكثر مما تحتاج إلى ضجيج. قد تعترض طريق التغيير مقاومة، وقد تتباطأ الخطوات، وقد يحاول البعض إيقاف ما بدأ، لكن الأفكار الصادقة، والأنظمة السليمة، والثقافات المؤسسية الراسخة، تملك قدرة عجيبة على الاستمرار متى وجدت من يتبناها بصدق، ولهذا، فإن أعظم ما يتركه القائد ليس مشروعًا افتتحه، ولا قرارًا وقّعه، ولا منصبًا شغله، بل أثرًا يبقى بعد غيابه؛ يظهر في سلوك الناس، وفي ثقافة المؤسسة، وفي قدرتها على مواصلة الطريق بثقة، وكأن من غرس البذرة لا يزال حاضرًا بينهم. وختامًا: هناك مقولة منسوبة للشاعر التشيلي بابلو نيرودا، تقول: يمكنك أن تدوس الأزهار لكنك لن تؤخر الربيع.
1131
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين...
645
| 12 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...
621
| 14 أكتوبر 2026
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...
537
| 11 أكتوبر 2026
■تكوين الأسرة والإنجاب في الخليج يبدآن من الزواج...
522
| 13 أكتوبر 2026
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي...
447
| 11 أكتوبر 2026
كثيرًا ما تنتشر في عالم الإدارة والتنمية البشرية...
414
| 09 أكتوبر 2026
قبل أيام تم الإعلان من قبل « visit...
402
| 12 أكتوبر 2026
إذا أردت أن تتعرّف على أسرة من المستقبل...
393
| 09 أكتوبر 2026
قبل أن ندخل في الموضوع، يجب أن أوضح...
381
| 09 أكتوبر 2026
هناك أماكن ندخلها بحكم العمل، وأماكن نختار البقاء...
357
| 13 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل