رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

العمل حين يصبح إنسانيًا

بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة، تعرفت من خلالها على أنماط وبيئات عمل مختلفة بين القطاع الحكومي، والمؤسسات المملوكة للدولة، والمؤسسات الخاصة، والهيئات الرقابية، كانت هذه الرحلة فرصة لاكتساب العديد من المهارات، ولفهم تعقيدات إدارة المشاريع الكبرى، وإتقان توزيع الموارد واتخاذ القرارات في بيئات متنوعة، ومواجهة التحديات بمزيج من الحزم والمرونة، مع الحفاظ على نتائج ملموسة وفاعلية واضحة في كل موقع عمل. كانت كل خطوة تُقاس بمؤشرات الأداء، وتتابع بالتقارير، وبالرقابة الصارمة على التنفيذ، ومع ذلك، سرعان ما أدركت أن أثر كل قرار يتجاوز الأرقام والجداول ليصل إلى حياة الناس واحتياجاتهم اليومية الملحة، لقد علّمتني هذه السنوات درسًا واحدًا واضحًا: أن الإدارة الناجحة ليست مجرد ضبط العمليات، إنما وعيٌ بأن لكل قرار أثرًا يمتد خارج المكاتب، ويصل إلى أرض الواقع حيث تتقاطع الأعمال مع حياة البشر. في كل قرار نتخذه، تظهر الحاجة لأن يكون العقل حاضرًا والعاطفة أيضًا، بحيث يُؤدى الواجب دون أن يفقد الإنسان حسه بالآخرين، هذا التوازن الدقيق بين مقتضيات الوظيفة والعاطفة هو جوهر أي عمل مسؤول، سواء في المؤسسات أو في المجتمع. هذا التداخل بين “الواجب” و“البعد الإنساني” ليس أمرًا جديدًا، فمنذ صدر الإسلام ظهرت قيادة تدرك بوضوح أن العمل العام شيء، وأن الحياة الاجتماعية شيء آخر. وعند قراءة السيرة النبوية قراءة تتوقف عند المعاني لا عند الأحداث فقط، نجد أن النبي ﷺ فرَّق بجلاء بين المقامين، ففي مقام الشأن العام ظهر الحزم والعدل وتقديم أهل الكفاءة، أما في مقام الحياة اليومية فبرزت الرحمة وقرب المسافة ودفء المشاعر. في الشأن العام كان الحق والبرهان هما أساس القرار، فلا قرابة ولا محاباة تُقدَّم على العدل، واستُشير أهل الحل والعقد لخبرتهم لا لقرابتهم، وفي المقابل، في البيت والمسجد والمجتمع ظهرت الرحمة وحسن التعامل وقرب المسافة من الناس، كان النبي ﷺ قريبًا من مشاعر من حوله، يراعي أحوالهم ويحافظ على دفء العلاقة الإنسانية، إن وعيه بتعدد المقامات هو الذي صنع توازن القيادة، ومنحها القدرة على أداء الواجب دون أن تفقد بعدها الإنساني. واليوم، حين يدخل القرار الإداري في مجال العمل الإنساني، يصبح حساب الأثر أوسع من جدول الموارد والموازنات، لأن أي إجراء أو قرار قد يتحول إلى خيمة تُنصب، أو دواء يُرسل، أو ماء يُشرب، أو مأوى يُجهز لمن يحتاجه، هنا لا يستطيع المسؤول أن يكتفي بمقاييس الأداء وحدها، لأن أثر القرار يتجاوز الورق إلى حياة الناس في الميدان. العمل حين يكون إنسانيًا لايمكن أن يُدار بالعقل وحده ولا بالعاطفة وحدها، إنما يدار بالقدرة على جمعهما دون إفراط أو تفريط، والمؤسسات التي تتعامل مباشرة مع حياة الناس واحتياجاتهم اليومية لا تحتاج إلى نظام يحسن التدبير قدر ما تحتاج إلى قلب يدرك أن كل قرار يُتخذ في المكتب له أثر ملموس على الواقع. ختامًا، لا يكتمل معنى العمل الإداري، في المجال الإنساني، إلا حين يتجاوز حدود المكاتب والملفات، ويتجسد في أثر يصل إلى الناس مباشرة؛ في المخيمات البعيدة، وعلى خطوط المواجهة، وعند بوابات المستشفيات الميدانية، هنا تتحول القرارات إلى أفعال تخفف المعاناة وتمنح المحتاجين الأمان والكرامة، يكتسب العمل بعده الإنساني الحقيقي، ويصبح المسؤول شاهدًا على قيمة الإدارة حين تُقاس بأثرها في حياة البشر، لا فقط بما تحققه من مؤشرات وأرقام.

525

| 28 يناير 2026

العالم بلا مرجعية.. من يكتب القواعد الآن؟

لم يعد السؤال اليوم: من الأقوى؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا وقلقًا: من يصوغ القواعد؟ لسنوات طويلة، كان العالم ـ رغم كل تناقضاته ـ يتحرك داخل إطار مرجعي واضح من القوانين الدولية، المواثيق، المؤسسات والمنظمات الدولية، وحد أدنى من الخطوط الحمراء التي يفترض ألا تُتجاوز، قد نختلف مع هذه المرجعية أو ننتقدها، لكنها كانت موجودة وتشكل سقفًا عامًا للسلوك الدولي. اليوم، نحن أمام مشهد مغاير تمامًا، عالم يتحرك بسرعة دون بوصلة، ويقرر كثيرًا دون مرجعية، وينفذ أولًا ثم يبحث عن تبرير لاحقًا. اللافت أن غياب المرجعية لم يحدث فجأة، بل تسلل بهدوء، فالمفاهيم الكبرى تآكلت واحدة تلو الأخرى: العدالة، الشرعية، القانون الدولي، حماية المدنيين، لم تُلغ رسميًا، لكنها أصبحت انتقائية، تُستدعى حين تخدم المصالح، وتُنسى حين تُربك الحسابات. وفي هذا الفراغ، لم تتوقف الأحداث، بل تسارعت، فالحروب لم تعد تحتاج إعلانًا، والعقوبات لا تحتاج إجماعًا، والتدخلات يُمنح لها التفسير المناسب بعد وقوعها لا قبله، كأن القاعدة الجديدة تقول: افعل أولًا… ثم برر لاحقًا. لكن السؤال الأخطر: من ملأ هذا الفراغ؟ ليس القانون، ولا الأخلاق، ولا حتى السياسة بمعناها الكلاسيكي، ما يملأه اليوم هو ميزان القوة العارية، ومنطق المصالح السريعة، والخوف من الخسارة أكثر من الرغبة في الصواب. وحين تغيب المرجعية، لا يتساوى الجميع، القوي يكتب قاعدته الخاصة، والضعيف يبحث عن استثناء، والمتضرر يُطلب منه الصبر أو الصمت أو التفهّم، أما الإنسان ـ الفرد العادي ـ فيتحول إلى رقم في نشرة، أو صورة عابرة، أو خبر عاجل سرعان ما يُستبدل بغيره. المفارقة أن العالم لم يفقد مؤسساته، بل فقد ثقته بها، لم تختفِ المنصات الدولية، لكنها فقدت قدرتها على الإقناع، لم تُغلق قاعات القرار، لكنها أصبحت بعيدة عن نبض الواقع، وكأن هناك فجوة واسعة بين ما يُقال رسميًا وما يُفعل عمليًا. في عالم كهذا، لا يكفي أن نسأل: من يكتب القواعد؟ بل يجب أن نضيف: لصالح من تُكتب؟ وهل ما زالت تُصاغ لحماية النظام العالمي، أم لحماية من يملك القدرة على كسره؟ نحن لا نعيش فوضى كاملة، بل نعيش نظامًا بلا روح: نظامًا يملك أدوات الإدارة، لكنه فقد الحكمة، يدير الأزمات ولا يمنعها، يمتلك التكنولوجيا، لكنه يعجز عن إنتاج موقف أخلاقي واضح. ربما أخطر ما في اللحظة الراهنة هو أننا بدأنا نعتاد غياب المرجعية، ونعتاد الازدواجية، ونعتاد أن تكون القواعد مرنة إلى حد الذوبان، وحين نعتاد ذلك يصبح كل شيء ممكنًا. العالم بحاجة إلى مرجعية يُحاسَب الجميع عندها بلا محاباة، مرجعية لا تتبدل بتبدل موازين القوة، ولا تتبخر عند أول اختبار حقيقي، وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال مفتوحًا: من يكتب القواعد الآن؟ والأهم: من يملك الشجاعة ليقول إن العالم لا يُدار بالقوة وحدها، بل بالمسؤولية أيضًا؟

456

| 21 يناير 2026

الصين ونحن.. لماذا يُصنَعُ المستقبل هناك ويتعثر هنا؟

العالم يتغير بوتيرة لم يسبق لها مثيل، اللاعبون الجدد يظهرون على المسرح الدولي، يصنعون المستقبل بينما نحن نراقب، ننتظر، أو نحاول اللحاق بالركب، السؤال اليوم: لماذا يصنع الآخرون نهضتهم بينما نتمسك نحن بالفرص الضائعة؟ من يتابع حركة العالم اليوم يدرك أن الخريطة لم تعد كما كانت، وأن موازين القوة تتحرك خارج الأطر التقليدية، فالصين التي كانت قبل سبعين عامًا تبحث عن القوت، أصبحت اليوم مصنعًا ومختبرًا وممرًا للمستقبل، بينما بقيت منطقتنا العربية، رغم اتساعها وثرواتها، ساحةً يتنافس فيها الآخرون بدل أن تكون طرفًا في صنع قواعد اللعبة. هذه المقارنة ليست من باب النحيب السياسي ولا جلد الذات، بل من باب التشخيص، فالصين لم تكن دولة موارد طبيعية، ولم تكن تملك نفطًا ولا غازًا ولا امتيازات جغرافية تشبه ما في منطقتنا من ممرات ومضائق وموانئ، لكنها امتلكت شيئًا واحدًا حاسمًا: المشروع، مشروع الدولة لا مشروع الخطاب، مشروع البناء لا مشروع الاستهلاك، مشروع الفعل لا مشروع الترقب. الصين بدأت بمعركة الداخل، رتبت القرار، ورفعت قيمة التعليم، ودفعت بالبحث العلمي إلى المصانع والجامعات، وربطت اقتصادها بالعالم عبر التجارة لا عبر الأمنيات، ثم خرجت للعالم بحزام وطريق وسلاسل توريد وموانئ وخريطة نفوذ تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وإفريقيا. في المقابل، بقيت المنطقة العربية منشغلة بصراعات متتابعة لم تنتج دولة قوية ولا اقتصادًا تنافسيًا ولا إنسانًا مهيأً للعصر الجديد، فالصين صنعت نهضتها بمهندسيها وعلمائها ومدرسيها، بينما بقي كثير من العرب ينتظرون أن تصنعهم أسعار النفط أو التحولات الدولية. قد يعتقد البعض أن النظام السياسي في الصين هو من صنع هذه النهضة، لكن الحقيقة أن الفارق ليس في شكل النظام، بل في المشروع والرؤية والفعل، فكل أنواع الأنظمة موجودة في المنطقة العربية، من ملكيات إلى جمهوريات، فلماذا فشلت في أن تصنع ما صنعته الصين؟، أو سنغافورة؟ أو كوريا؟ فضلًا عن باقي نمور آسيا، الجواب: لأنها لم تبنِ مشروعًا حقيقيًا يرتكز على الإنسان والتعليم والتنظيم، وعلى رؤية حقيقية مستدامة ومستقرة تتبناها مؤسسات الدولة. لم تنتظر الصين، ولا دول نمور آسيا، أن تطالبها الأمم المتحدة بوضع خطة وطنية استراتيجية، بل كانت خططها دائمًا ثمرة حرص على مستقبل شعوبها، ومشروعا حقيقيا يبني الأمة، في المقابل، كثير من دول منطقتنا العربية، أقولها للأسف، منشغلة بالشكليات أكثر من الجوهر، فتُقدَّم الرؤى الوطنية في إطارات جميلة، لكنها خالية من المضمون، وغير مرتبطة بالواقع، هي مجرد تنفيذ لما يُطلب خارجيًا، ولذلك لم نبن مشروعًا حتى الآن، وكانت نتيجة هذه الاستراتيجيات أن ما يُقدَّم لا يرتقي لتطلعات شعوبنا. واليوم يشهد الشرق الأوسط التنافس الأمريكي الصيني عن كثب، لكنه غالبًا يراقب اللعبة من موقع الممر بدل أن يكون صانعها، فالطاقة، والموانئ، والأمن الغذائي، وخطوط النقل، والممرات البحرية كلها ملفات يتعامل معها الآخرون كمدخل للقوة، ونتعامل معها نحن كعوائد أو فرص مؤقتة. ومع ذلك، فإن دول الخليج، ومنها قطر، تمتلك فرصة تاريخية نادرة: استقرار سياسي، قدرة مالية، ورؤية تنموية، وموقع جغرافي حيوي يجعل من الدولة لاعبًا لا متلقيًا، وإذا كان العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل الأوراق، فمن الحكمة ألا نكتفي بمقاعد المتفرجين ولا أن نحصر دورنا في التمويل أو الوساطة. الفرصة الحقيقية اليوم تكمن في الإنسان لا الموارد فقط، التعليم المتقدم، البحث العلمي، الابتكار التكنولوجي، وتطوير المهارات، كلها عوامل يمكن أن تحول دول المنطقة من مجرد ممر استراتيجي إلى قوة فاعلة في القرن الحادي والعشرين. إن المشاريع الكبرى، مثل مبادرات التعليم في قطر، أو الاستثمار في الطاقة النظيفة، أو الصناعة المعرفية، ليست رفاهية، بل أدوات لبناء المستقبل إذا استثمرت الدول مواردها في الإنسان، سيصبح هذا الأخير هو الذي يصنع الاقتصاد، ويحدد موازين القوة، ويعيد للمنطقة دورها الريادي، بدل أن يظل التاريخ يكتبها بدلاً عنها. وختامًا، علينا كعرب أن نسأل أنفسنا: ما هي وجهتنا؟ وماذا نريد أن نصنع؟ وبأي مشروع ندخل إلى المستقبل؟ وعندما يتأخر الجواب، لن يتأخر الآخرون في كتابة بقية النص لحسابهم لا لحسابنا.

480

| 14 يناير 2026

الإنسان قبل الموقف

في عالمٍ مزدحم بالأحداث والأزمات والكوارث، يبدو الإنسان أحيانًا هو الأكثر غيابًا عن المشهد، تتقدّم التحليلات، وتتزاحم المواقف، وتعلو الأصوات، بينما يظل الألم الحقيقي صامتًا، ينتظر من يلتفت إليه لا من يفسّره، في خضم هذا الضجيج، يصبح الإنسان، بحاجته وضعفه وكرامته، أول من يُهمَل، وآخر من يُسأل عنه. لسنا مطالبين دائمًا بالاتفاق، ولا أن نرى الأمور من زاوية واحدة، الاختلاف طبيعي، وربما ضروري، لكن الخلل يبدأ حين يصبح الموقف أهم من الإنسان، وحين يُختزل المحتاج في رقم، أو صورة، أو خبر عابر. في لحظات الشدة، تتضح هذه المفارقة أكثر؛ هناك من ينشغل بالشرح والتفسير وتبادل الاتهامات، وهناك من ينشغل، في صمت، بمحاولة تخفيف الألم وتأمين الاحتياج، بين من يرفع صوته، ومن يمد يده، يتحدد الفرق الحقيقي بين الجدل والمسؤولية. العمل الإنساني، في جوهره، لا يبدأ بالسؤال عن الخلفيات، ولا يتوقف عند المواقف، لا يسأل: من المخطئ؟ ولا: من المسؤول؟ بل يتجه مباشرة إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: من يحتاج ماذا الآن؟ في هذا السؤال البسيط تختصر فلسفة كاملة، ترى الإنسان قيمة قائمة بذاتها، لا وسيلة، ولا عبئًا، ولا تفصيلًا يمكن تأجيله. وقد تعلّمنا من تجارب إنسانية قريبة منا، أن العمل الإنساني الحقيقي لا يُدار من منطلق الاصطفاف، بل من منطلق المسؤولية، تعلّمنا أن الإنسان لا يُسأل عن موقفه قبل أن يُنقَذ، ولا عن خلفيته قبل أن تُصان كرامته، هذا الدرس البسيط، الذي قدّمته دولة قطر في أكثر من محطة إنسانية، يؤكد أن الثبات على القيم لا يحتاج ضجيجًا، وأن الوقوف مع الإنسان لا يتطلب تبريرًا، بل شجاعة أخلاقية ووضوحًا في البوصلة. قد نختلف في قراءة الأحداث، وقد تتباين مواقفنا تجاه ما يجري حولنا، لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه هو أن كرامة الإنسان غير قابلة للتفاوض، وأن الألم لا يحمل هوية، وأن الحاجة لا تنتظر اكتمال النقاش، حين ننسى ذلك، نفقد جزءًا من إنسانيتنا، حتى وإن ظننا أننا على حق. وفي المقابل، حين نضع الإنسان قبل الموقف، لا نتخلى عن وعينا، ولا عن مبادئنا، بل نمنحها معناها الحقيقي، فالموقف بلا إنسان قد يكون صلبًا، لكنه قاسٍ، أما الإنسان قبل الموقف، فهو ما يمنح العالم فرصة أن يكون أقل قسوة، وأكثر عدلًا. ختامًا، في عالمٍ مضطرب، قد لا نملك القدرة على تغيير كل شيء، لكننا نملك دائمًا خيارًا واضحًا وبسيطًا: أن نختار الإنسان… قبل أي شيء آخر.

456

| 07 يناير 2026

قد تفضحنا.. ورقة منديل

كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.

1002

| 31 ديسمبر 2025

القيادة التحويلية في سيرة ذي القرنين

تقدّم سورة الكهف سيرة ذي القرنين في سياق تتحرّك فيه القيادة مع حركة الواقع، فتتبدّل أدوارها بتبدّل الأمكنة والناس، فالتمكين الذي أُعطي له لا يظهر بوصفه حالة ثابتة، وإنما نموذج للتعامل مع ظروف متباينة، وحين يبلغ ذو القرنين في رحلته الأولى مغرب الشمس، يذكر القرآن وجود قوم عند هذا الموضع، من غير أن ينقل حوارًا معهم، غير أنه ينقل تخويلًا إلهيًا مباشرًا: «قلنا يا ذا القرنين إمّا أن تعذّب وإمّا أن تتّخذ فيهم حسنًا»، في هذا الموضع تمارس القيادة وظيفتها الأساسية، وهي إقامة العدل، فيربط ذو القرنين الجزاء بالفعل، فيقول: «أمّا من ظلم فسوف نعذّبه… وأمّا من آمن وعمل صالحًا فله جزاء الحسنى»، يضع القائد ميزانًا يفرّق به بين الظلم والإحسان، ثم يمضي بعد أن أدّى ما اقتضاه المقام. وينتقل ذو القرنين إلى مطلع الشمس، فيجد قومًا يصفهم القرآن وصفًا ظرفيًا خالصًا: «وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترًا»، لا يذكر النص عنهم ظلمًا ولا صلاحًا، ولا ينقل شكوى ولا طلبًا، إنهم قوم متعايشون مع الشمس كواقع بيئي، ولم يتحول هذا الواقع عندهم إلى قضية اجتماعية تستدعي التدخل، وهنا تتجلّى حكمة القيادة في الامتناع، فلا تُفرض حلول لم تُطلب، ولا يُصنع احتياج لم يُعبَّر عنه، فليس كل ما يمكن تغييره ينبغي تغييره، ولا كل معاناة تستوجب المعالجة، وفي هذا الموضع تكتفي القيادة بالفهم ثم العبور. وتبلغ الرحلة ذروتها حين يصل ذو القرنين إلى موضع محصور: «حتى إذا بلغ بين السدّين»، إنه موضع غير مفتوح، فجوة بين حاجزين طبيعيين، ومنها كان ينساب الفساد، وعند هذه النقطة يتغيّر المشهد كليًا، قوم لا يملكون أدوات المعرفة الكافية: «لا يكادون يفقهون قولًا»، غير أنهم يملكون ما يسبق أي تحوّل في المجتمع، وهو الوعي بالمشكلة، يتحدثون، يشخّصون الخلل، يسمّون المفسد، ويطلبون الحل: «إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض». يطلب القوم من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًّا يمنع الاعتداء، فيختار القائد حلًا أنجع فيقول: «فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا»، فالسدّ حاجز عند الحدّ، أمّا الردم فملء للفجوة من داخلها، وإغلاق لمسار الفساد ذاته، لا مجرد منعه بصورة مؤقتة، وكان اختيار الردم قرارًا قياديًا واعيًا، لأنه حل يناسب قدرات المجتمع، ويُبنى بمشاركته، ولا يحتاج بعد اكتماله إلى إدارة دائمة. وهكذا تتوزع الأدوار بين من يجلب الحديد، ومن يشعل النار، ومن يُعدّ القطر، فتتحول المشاركة إلى تعلّم، ويتحوّل المجتمع من خائف إلى فاعل، وحين يكتمل البناء لا يُنسب الإنجاز إلى القوة ولا إلى المعرفة، وإنما يُعاد إلى مرجعيته القيمية: «قال هذا رحمة من ربي»، فالرحمة هنا ليست عاطفة، وإنما ضابط أخلاقي للعلم، إذ إن العلم إذا انفصل عن الرحمة صنع أدوات الهلاك، وإذا اقترن بها صنع أسباب الحياة والأمن. ويُختم المشهد بتذكير بالغ العمق: «فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء»، لا تقديس للمنجزات، ولا وهم للخلود، وإنما وعي بزمنية المشاريع، وتسليم بأن ما يُبنى اليوم قد يُزال غدًا، ويبقى الأثر الحقيقي في الإنسان الذي تعلّم، وفي المجتمع الذي تغيّر. في سيرة ذي القرنين، نرى القيادة وهي تمارس أدوارًا مختلفة بحسب المقام، تحكم حين يكون الحكم كافيًا، وتمتنع حين يكون الامتناع حكمة، وتبني حين ينضج الوعي ويُطلب التغيير، إنها قيادة تحسن قراءة الواقع، وتعرف متى تتدخل، ومتى تنسحب، وتترك وراءها ما يكفي الناس للعيش بكرامة.

327

| 24 ديسمبر 2025

18 ديسمبر.. حين يصبح الوطن مسؤولية مشتركة

يحمل شعار اليوم الوطني لدولة قطر لهذا العام «بكم تعلو ومنكم تنتظر» دلالة عميقة تختصر علاقة الوطن بأبنائه في جملة واحدة، فهو تعبير عن ثقة متبادلة، وإيمان بأن رفعة الدولة تنبع من طاقات مواطنيها، وأن مستقبلها يتشكل بما يقدمونه من عمل، وإخلاص، وقدرة على العطاء. في الثامن عشر من ديسمبر، تتجدد الذاكرة الوطنية بوصفها وعيًا جماعيًا متراكمًا، لا مناسبة عابرة، هو يوم يُستدعى فيه معنى التأسيس، ومعنى الاستمرار، ومعنى أن تُبنى الدول على رؤية واضحة، وعلى إنسان يدرك موقعه في مشروع وطني يتجاوز حدود الفرد، التجربة القطرية تقدم نموذجًا لدولة راهنت مبكرًا على الإنسان، وجعلته محور التنمية وغايتها. ومنذ البدايات، تشكلت اللحمة الوطنية باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الدولة، لحمة نشأت في ظروف صعبة، وتعززت بوحدة الهدف، والالتفاف حول القيادة، والإحساس المشترك بالمسؤولية، ما جمع الآباء المؤسسين لم يكن وفرة الإمكانات، وإنما صفاء القيم، وروح التكاتف، وتقديم المصلحة العامة، وهي ذاتها الروح التي تحفظ تماسك الأوطان في مختلف المراحل. «بكم تعلو» تختزل معنى الوطن حين يكون فعلًا جماعيًا، فهي نداء موجَّه إلى المجتمع بكل مكوناته، وإشارة إلى اللحمة الوطنية التي قامت عليها الدولة منذ عهد التأسيس، حين كان التكاتف سبيل العبور، ووحدة الصف مصدر القوة، تعلو الدولة بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى تنوع، وعلى تحويل التنوع إلى ثراء للمجتمع، ثراء في الفكر، والخبرة، والرؤية، بعيدًا عن التنافر أو الإقصاء، فرفعة الوطن تنبع من تكامل الجهود، وانسجام الأدوار، وتحويل الانتماء إلى التزام جماعي، والعمل المشترك إلى إنجاز مستدام. وفي عمق هذه المسيرة، حضرت القيم الإسلامية والعربية بوصفها مرجعية أخلاقية راسخة، ورثناها عن الآباء والأجداد، وشكّلت أساس السلوك العام والعلاقات الاجتماعية. إن قيم الصدق، والعدل، والأمانة، واحترام العهد، وحفظ الحقوق، والتكافل، كانت وما زالت عنصر قوة، وسببًا في ترسيخ الثقة داخل المجتمع، وتعزيز مكانة الدولة في محيطها الإقليمي والدولي. أما «ومنكم تنتظر»، فهي دعوة واعية لتحمُّل المسؤولية، انتظار يقوم على الثقة، وعلى قناعة بأن كل فرد قادر على الإضافة من موقعه، انتظار يرتبط بالعمل الجاد، وبالمبادرة، وبالالتزام، ويعكس علاقة ناضجة بين الدولة ومواطنيها، علاقة تقوم على المشاركة وتحمُّل الأمانة. وفي اليوم الوطني، يبرز سؤال المستقبل بوضوح: كيف نحافظ على ما تحقق؟ وكيف نصون السمعة التي بُنيت بجهود صادقة عبر سنوات طويلة؟ فهذه السمعة لم تكن نتاج خطاب، وإنما حصيلة مواقف، وسياسات متزنة، وسلوك عام مسؤول، الحفاظ عليها مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد، وتنعكس في القول والعمل، لأن ما يُبنى بالتراكم قد يضعف بالإهمال. الثامن عشر من ديسمبر ليس محطة احتفال فحسب، بل لحظة وعي وتجديد عهد؛ عهدٍ بأن يبقى الوطن متماسكًا بلحمته، ثابتًا بقيمه، عاليًا بعمل أبنائه، وأمينًا على سمعته التي صنعها بيديه، ويحفظها بإرادته، اليوم وغدًا.

426

| 17 ديسمبر 2025

الوطن.. حكاية شعور لا يذبل

يوم الوطن ذكرى تجدد كل عام .. معها نجدد عهدنا لك يا تميم الدار والشعب الوفي يوم الزحام .. والبيرق الأدعم على عهد قديم عهد الذي أسس على نهج الكرام .. ثم توالت من كريم في كريم . يأتي اليوم الوطني القطري محمّلًا برائحة التاريخ ودفء الانتماء، فيوقظ ما في القلب من حنين، ويجمع ما في الذاكرة من صورٍ صنعت ملامح هذا الوطن، إنه يوم يقترب فيه الناس من جذورهم، وينصتون لصوت الأرض التي حملتهم، وللقيم التي شكّلت وجدانهم منذ بدء الحكاية. في هذا اليوم، نرى المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني حاضرًا في الوعي الجمعي، حاضرًا بقيمه التي حملت الدولة إلى برّ العزة والثبات، فقد وضع أسسًا اعتمدت على الكرامة والوفاء والإرادة، فامتد أثره في رجالٍ واصلوا المسيرة، وتركوا بصماتهم في مراحل مختلفة من تاريخ الوطن. تمرّ السنوات، وتكبر قطر بمشاريعها وإنجازاتها، لكن ما يكبر أكثر هو الإنسان القطري الذي ظلّ يحمل الوطن في قلبه، ويمنحه من عمله وإخلاصه ما يستحق، وفي كل مرحلة من مراحل النهضة، كانت القيادة قريبـة من شعبها، ملهمة له، ومُعززة لمعاني الثقة والانتماء. حين يرفرف البيرق الأدعم، تتجمع القلوب حوله دون دعوة؛ فالأوطان تُبنى بالمحبة قبل الحجر، وبالولاء قبل المشاريع، وبالإيمان بأن المستقبل ضرورة نشارك جميعًا في صنعها، يوم الوطن مناسبة نستحضر فيها طريقًا طويلاً من التحديات والإنجازات، ونُدرك من جديد أن قوة البلاد تبدأ من وحدة شعبها، ومن صدق مشاعره، ومن التقاء القلوب على حب هذه الأرض. وتبقى القصيدة صوتًا قادرًا على التعبير بما تعجز عنه الكلمات النثرية، فهي مساحة واسعة لنبض القلب، ونهرٌ يجري فيه حب الوطن بلا قيود، وصدى يلامس الروح دون أن يستأذن. واصلي بالمسيرة وارتقي هام غيمْ بيرق العز رفرف فوق روس السحابْ كل ما غاب نجمٍ بالقيادة زعيمْ سخر الله نجمٍ للزعامة شبابْ قد حكمها شيوخٍ من تميمٍ قديمْ أهل باسٍ حموها بالسيوف الحدابْ متعبين المطايا بين حزمٍ وهيمْ همةٍ ما توانت والمراجلْ ازهاب صانها الله من العادي وكيد الرجيم واستقامة على السنة ونص الكتاب يا أمير الوطنْ يا شيخنا يا تميمْ درعنا يا ذرانا يا عزيزْ الجنابْ يا سراجْ العروبة بالظلامْ العتيمْ ويا عمار الديار اللي بلاها خرابْ يا نصيرْ الضعيف و يا سرور اليتيمْ يا زبونْ الذي راسه من الوقتْ شابْ يا بعيد الهقاوي يا سياسي حكيمْ أنت ذخرْ العرب في المُولِمَاتْ الصِعابْ قدتها بالمشورة والقرار السليمْ وأنفتح للكرامة والعدل الف باب لين نال المواطنْ خيرها والمقيمْ غيث جودك سقى ريضانها والهضابْ أبشري يا قطرنا بالرخى والنعيمْ بيرق العز رفرف فوق روس السحابْ

645

| 10 ديسمبر 2025

أنماط القيادة في سورة الكهف... قراءة في لحظات التكوين

في أدبيات الإدارة الحديثة تُصنَّف القيادة في قوالب واضحة: قائد يُعيَّن بقرار، وآخر يُنتخب في أول اجتماع، وثالث يبرز تلقائياً حين تحتاج الجماعة إلى من يتقدم الصفوف، غير أن القرآن الكريم لا يكتفي بهذه التصنيفات، بل يأخذ القارئ إلى عمق اللحظة الإنسانية التي تُولَد فيها القيادة، وكيف تتشكل داخل الوعي قبل أن تتجسد في الألقاب. في سورة الكهف على وجه الخصوص، نقف أمام أنماط قيادية فريدة، شبابٌ مطاردون بعقيدتهم، ونبيٌّ أراد أن ينهل العلم من عالم رباني، وملكٌ ممكَّن في الأرض يدير المشروعات الكبرى. ثلاث لوحات مختلفة، لكن الخيط الناظم بينها واحد: كيف يُصاغ القائد حين تُوضع الجماعة على حافة الاختبار، وكيف تصبح الفكرة نقطة البدء في كل مشروع قيادة ناجح. ففي المشهد الأول من سورة الكهف تتجلى لنا لحظة القيادة وهي تتكوّن داخل مجموعة صغيرة تواجه ضغطاً وجودياً قاسياً، فالخطر كان يحيط بالفتيان من كل جانب، ومع ذلك لم تتشتت كلمتهم، بل ظهر بينهم صوتٌ هادئ يقترح: «فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ» اقتراح يتضمن رؤية واضحة، اختيار الملجأ المناسب، وضبط الإيقاع النفسي للجماعة، ووضع الثقة في موضعها الصحيح، هكذا وُلد القائد من داخل المجموعة، عندما أحسن قراءة الموقف فالتفّ حوله الجميع. وفي مرحلة لاحقة من القصة، حين أذن الله لأصحاب الكهف أن يستيقظوا من لبثهم الطويل، يتجدد المشهد القيادي بصورة أعمق وأكثر نضجاً، فمع أنهم وجدوا أنفسهم في عالم تغيّر تماماً، بقي منهج اتخاذ القرار ثابتاً؛ إذ التفّوا حول التوجيه المختصر: «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ…». قرار يحدّد المهمة، والشخص المناسب، والتنبيه الأمني اللازم: «وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا « إنها قيادة حكيمة هادئة، تعتمد العقل الجماعي، وتعرف أن أقلّ الخطوات قد تكون أعظمها أثراً، وأن الحفاظ على تماسك الفريق أولوية تعلو على كل اعتبار. ومن قصة أصحاب الكهف ننتقل إلى قيادة المعرفة في لقاء موسى عليه السلام بذلك الرجل الصالح الذي آتاه الله الرحمة وعلمه من لدنه علما، قال لموسى عليه السلام: « فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا «، وضع منهجاً كاملاً للتعلم يبدأ بضبطٍ للسؤال، وتنظيمٍ للمعرفة، وتأكيد أن الفهم العميق يحتاج إلى صبر ومساحة زمنية ينضج فيها الحدث قبل شرحه، وهكذا نرى لوناً من القيادة لا يوجّه السلوك فقط، بل يبني العقل الذي يفهم السلوك، ويربّي البصيرة على التمييز بين ظاهر الأشياء وحقيقتها. ثم نصل إلى نموذج ذي القرنين، الذي تكشف قصته عن قيادة عملية تتجلى في تشكيل فرق العمل وتنظيمها، فحين طلب القوم منه بناء السد، شرع في بناء منظومة متعددة المراحل، ففريق يجمع الحديد، وفريق يشعل النار، وآخر يوفّر النحاس المصهور، فتحول المشروع إلى عمل جماعي يسير وفق رؤية واضحة، يشارك فيه الجميع ويعمل كل فريق ضمن دوره المحدد، إنها قيادة تُحسن جمع القدرات، وتوجيه الطاقات، وتحويل الحاجة العامة إلى ورشة عمل يصنع أهلها أمنهم واستقرارهم. وبهذا تضع سورة الكهف أمام القارئ ثلاث صور متكاملة للقيادة: قيادة تنشأ من داخل الجماعة، وأخرى تُبنى على الحكمة والتربية، وثالثة تتجسد في العمل المنظم والمشاركة الفاعلة، وما بين الكهف والرحلة مع الخضر ومشروع السد، تتكشف لنا خيوط دقيقة تقول إن القيادة لحظة وعي؛ وقدرة على صياغة القرار المناسب في الوقت المناسب.

483

| 03 ديسمبر 2025

إستراتيجية السنين العجاف

في قصة يوسف عليه السلام تتجلى واحدة من أعمق الصور الإدارية التي يعرضها القرآن، صورة ترسم ملامح قائد ينظر إلى المستقبل بعين بصيرة، ويحوّل الرؤية إلى خطة تحقق الاستقرار في زمن يموج بالتغيرات، تبدأ ملامح هذه الخطة منذ لحظة تأويل الحلم، حين أدرك يوسف أن ما رآه الملك ما هو إلا مؤشر أولي يستدعي الاهتمام، وأن على الدولة أن تستعد لمرحلة رخاء يعقبها قحط طويل، هكذا تتحول المؤشرات إلى سياسات، والمعلومة إلى قرار. طرح يوسف على الملك تصورًا شاملًا لإدارة الموارد خلال السنوات المقبلة، فشدّد على جمع المحصول أيام الوفرة، وعلى ترشيد الاستهلاك بحيث لا تبتلع شهور الرخاء ما يحتاجه الناس في السنين العجاف، كان يتعامل مع الواقع بعقلية تعتمد على مؤشرات الأداء كمعدل الإنتاج، حجم التخزين، الطاقة الاستيعابية، مقدار الهدر، ونسبة الاستهلاك، وكلها معايير نعرفها اليوم في علوم الإدارة الحديثة، وقد مارسها يوسف قبل أن تُدوّن في الكتب. وإلى جانب هذا البعد التخطيطي، تكشف قصة يوسف عن مستوى أخلاقي رفيع في شخصية القائد، فقد عاش يوسف تجارب قاسية بدأت من ظلم إخوته، ثم انتقلت إلى الاتهام الباطل في مصر والسجن ظلمًا، ومع ذلك، حين صار مسؤولًا عن خزائن الأرض، لم يتحول موقعه إلى وسيلة انتقام، حافظ على عدله وهدوئه، ولم يسمح للذاكرة أن تتدخل في القرار أو تؤثر في توزيع الموارد، هذه القدرة على تجاوز الألم الشخصي علامة على الكاريزما الأخلاقية للقائد، القائد الذي يعمل لصالح الناس لا لصالح جراحه. ويتضح من هذه التجربة أن يوسف اعتمد في إدارة الأزمة المرتقبة على مبادئ تشكل نموذجًا إداريًا متكاملًا، أبرزها جمع المعلومات، وتنظيم المخزون، ومنع الاحتكار، وتوزيع الموارد بنظام يحفظ التوازن الاجتماعي، وحين حلّت سنوات القحط، كانت مصر مركزًا تقصده الوفود من كل الأقاليم بعد أن أصبحت نموذجًا في إدارة الموارد والأزمات. ومن التفاصيل اللافتة التي تعزّز هذا البعد الإداري ورود “صواع الملك” في سياق الأحداث، وهو مكيال رسمي كانت الدولة تعتمد عليه لوزن الحبوب وتحديد العطاء، يكشف هذا التفصيل عن وجود معايير واضحة للقياس تحفظ العدالة وتمنع التلاعب، وتسمح بمتابعة دقيقة لحجم الإنتاج والمخزون والاستهلاك، وهو ما يشبه في عالم الإدارة اليوم ما يُعرف بـ مؤشرات الأداء التي تعتمد عليها المؤسسات لضبط مواردها وتقييم كفاءتها، ويظهر من هذا المشهد أن النظام الاقتصادي الذي أدارته مصر في زمن يوسف كان يقوم على أدوات قياس دقيقة ورقابة واعية، مما يضيف بُعدًا مهمًا لفهم طبيعة الإدارة التي مارسها ذلك القائد الحكيم. إن قراءة قصة يوسف بهذا المنظور تكشف عن نموذج إداري يجمع بين الرؤية الدقيقة، وقراءة المؤشرات، والأخلاق الرفيعة، نموذج يقدّم للقادة اليوم درسًا في التخطيط، وعدالة القرار، وسموّ النفس في لحظات السلطة، ولعل في هذا النموذج ما يدعو للنظر في واقع منطقتنا اليوم، حيث تتقاطع قضايا الاقتصاد والموارد والعدالة مع حاجات الناس اليومية، كثير من الدول تواجه تحديات لا تختلف في جوهرها عن تلك التي ظهرت في زمن يوسف، وفرة تحتاج إلى إدارة، وأزمات تلوح في الأفق، ومجتمعات تنتظر من قادتها رؤية تحفظ التوازن وتبني الطمأنينة، ومعنى ذلك أن الحكمة ليست في مواجهة الأزمة حين تقع، بقدر ما هي في بناء السياسات التي تمنعها أو تخفف أثرها قبل أن تشتد.

612

| 26 نوفمبر 2025

الإدارة في القرآن.. عودة إلى الجذور

تبدو علوم الإدارة في ظاهرها حديثة النشأة، وكأنها استقرت في عالم المؤسسات بعد تراكم طويل من التجارب الاقتصادية والتنظيمية، ومع ذلك، فإن القراءة الهادئة للقرآن الكريم تكشف عن مساحة واسعة تتشكل فيها ملامح القيادة والعمل الجماعي وصناعة القرار، يظهر هذا المضمون من خلال القصص والمواقف التي تتناول الإنسان في ظروف متعددة: أمن وخوف، رخاء وضيق، بداية مشروعٍ أو مواجهة عقبة، وكلها مشاهد تحمل عناصر عملية يستطيع القارئ المعاصر استحضارها في واقعه المهني. يمكن للمتأمل في قصة يوسف عليه السلام أن يلاحظ حضورًا واضحًا للتخطيط البعيد، وكيف تُدار الموارد وفق رؤية تمتد لسنوات طويلة، جاءت الأحداث لتبين أن التعامل مع الواقع يحتاج إلى فهم دقيق لموازين القدرة والمسؤولية، وإلى وعي يربط بين الحاضر وما سيأتي من تحديات، وفي تجربة موسى عليه السلام تظهر ملامح القيادة التي تحافظ على تماسك الجماعة في المواقف الحرجة، وتواجه القلق الجماعي بثبات يزرع الطمأنينة في النفوس، أما السيرة النبوية فتقدّم نموذجًا يتعامل مع الناس بروح المشاركة، ويعتمد على بناء الثقة، ويجمع بين الرحمة والحزم بطريقة تجعل القيادة ممارسة إنسانية قبل أن تكون منصبًا. هذه الأمثلة وغيرها تفتح نافذة لفهم مختلف للإدارة داخل النص القرآني، فالنظرة القرآنية للإنسان تقوم على احترام طاقته وقدرته على الإسهام، وعلى تنظيم العلاقات بما يحفظ الحقوق ويعزّز الانسجام، كما تتضمن تعاليم تُعين على ضبط السلوك داخل الجماعة، مثل التثبت من الأخبار، وتقديم النصيحة، والتحلي بالعدل، وإعطاء الكلمة الهادئة وزنها في مواجهة التوتر. وتكشف هذه الرؤية عن إدارة تتجاوز الطابع الإجرائي المعتاد، لتصل إلى مستوى أعمق يرتبط بالقيم التي تمنح العمل معناه، وفي هذا المستوى تتقاطع مبادئ القرآن مع ما يُعرف اليوم بـ الإدارة القيمية؛ “values based management “، تلك التي تجعل الأخلاق قاعدة للسلوك الفردي والجماعي، وتمنح القرار عمقه الإنساني، وتربط المسؤولية بضمير لا يغيب، فالإنسان في القرآن جزء من منظومة متكاملة تشكل فيها القيم أساسًا للأفعال، وينعكس حضورها على طرق اتخاذ القرار، وأساليب التعامل، وإدارة الضغوط، وبناء العلاقات داخل أي مؤسسة أو مجتمع. وانطلاقًا من هذا المدخل، سنحاول تتبع الملامح الإدارية في القرآن من خلال محطات متعددة، فكل قصة تحمل بعدًا إداريًا يمكن الاستفادة منه اليوم: إدارة الموارد في قصة يوسف، وإدارة الأزمات في تجربة موسى، وتنظيم المشاريع في نموذج ذي القرنين، وبناء الفريق في السيرة النبوية، وتضيف النصوص التشريعية والأخلاقية إطارًا أوسع لفهم العلاقات الإنسانية والضوابط التي تحفظ تماسك الجماعة. وتأتي هذه القراءة باعتبارها محاولة لفتح مساحة أوسع للتأمل في الحكمة القرآنية التي تتعامل مع الإنسان باعتباره أساس العمل ومركزه، فالنص لا يفصل بين الأخلاق والإدارة، ولا ينظر إلى المسؤولية بوصفها إجراءً أو سلطة، بل باعتبارها ممارسة تقوم على قيم واضحة، وتستند إلى فهم لطبيعة البشر وما يحتاجونه من عدل وثقة وتواصل، ومن خلال هذا المنظور يمكن أن تتشكل رؤية أعمق للإدارة، رؤية تعطي للقرار بعده الإنساني، وللعلاقات معناها، وللعمل روحه التي تعينه على الاستمرار والنجاح.

669

| 19 نوفمبر 2025

ثقافة إيجابية الأخطاء

في بيئتنا الإدارية العربية، ما زال الخطأ يُعامَل كجريمة مهنية لا كمحطة تعلّم. يخاف الموظف من المجازفة لأن ثقافة “الصفر أخطاء” ما زالت تحكم عقول كثير من المديرين، فيتحوّل العمل إلى تكرار آمن يخلو من الإبداع.غير أن المؤسسات التي تسعى إلى التطور الحقيقي تدرك أن الخطأ، حين يُفهم ويُحلَّل، هو الطريق الأقصر إلى الإتقان.الخطأ الإيجابي ليس دعوة إلى الفوضى أو التهاون، بل إلى تعلّم منظم يقوم على التجريب والوعي بالنتائج.القائد الواعي لا يسأل: “من أخطأ؟” بل: “ماذا تعلّمنا من هذا؟”بهذا السؤال يتحوّل الجو المهني من الاتهام إلى التطوير، ويصبح الخطأ محفّزًا للتحسين وليس مبررًا للعقاب.ولعل من القصص الملهمة التي راجت مؤخرًا على منصات التواصل ما حدث مع طالب طبٍ كان يعمل على تصميم نموذج لقسطرة طبية، فانتهت تجربته إلى نتيجة غير متوقعة بسبب خطأ في الشكل الداخلي.لكن فريقه البحثي لم يتوقف عند الفشل، بل درس الظاهرة باهتمام، ليكتشف لاحقًا مبدأ تصميميًا جديدًا حسّن من أداء القسطرة وخفّف المضاعفات.الإنجاز لم يأتِ من الخطأ ذاته، بل من طريقة التعامل معه.حين نغيّر زاوية النظر إلى الخطأ، يتحوّل من عقبة إلى بوابة معرفة.إن بناء ثقافة الخطأ الإيجابي يبدأ من الإدارة.ينبغي أولًا التمييز بين الخطأ الناتج عن الإهمال والخطأ الناتج عن الاجتهاد؛ فالأول يُحاسَب عليه، والثاني يُكافَأ لأنه يضيف خبرة.وثانيًا، ترسيخ مراجعات ما بعد التنفيذ لتوثيق الدروس المستفادة من كل تجربة.وثالثًا، أن يُقدّم القائد القدوة بنفسه؛ فالاعتراف بالخطأ من قِبل القائد لا يُضعفه، بل يعزز ثقافة الصدق والنمو.في عالم يتغير بسرعة، لا يمكن للمؤسسات أن تتطور وهي تخشى المحاولة.الرقابة الصارمة قد تحفظ النظام، لكنها لا تُنتج الإبداع.أما الثقة الواعية، فهي التي تخلق بيئة آمنة تسمح بالتجريب وتحفّز العقول على الابتكار.يقول بيتر دراكر: «أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تصنعه». ولا يُصنع المستقبل إلا في بيئة تتقبّل الخطأ كجزء من رحلة الصواب.الخطأ الإيجابي ليس شعارًا بل ثقافة تحتاج إلى شجاعة ووعي.ومن لا يُخفق لا يتعلم، ومن لا يتعلم لا يتقدم.وكما قال نيتشه: «من لا يسقط، لن يعرف كيف ينهض».وبين السقوط والنهوض يولد كل إنجاز حقيقي.

1371

| 12 نوفمبر 2025

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8616

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4266

| 09 مارس 2026

alsharq
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران

-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...

1344

| 07 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1218

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1005

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

951

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

840

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

753

| 11 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

681

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

636

| 12 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

606

| 08 مارس 2026

alsharq
لماذا تتجه إيران صوب الانتحار؟

أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...

564

| 07 مارس 2026

أخبار محلية