رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام الجيوش التي حاصرتها، فلم تستطع الأسوار أن تُهزم بالقوة، حتى جاءها حصان خشبي بدا هدية لا خطر فيها، ففتح أهل المدينة أبوابهم له، وأدخلوه بأيديهم إلى داخل الأسوار، دون أن يدركوا أن ما عجز عن فعله العدو من الخارج، سيفعله من أصبح في الداخل. وفي المؤسسات أيضًا أحصنة طروادة، وإن اختلفت الأشكال والمسميات، فقد يدخل شخص إلى المؤسسة تحت مسمى وظيفي ما، ويُمنح الثقة والصلاحيات والأدوات لأداء مهمة محددة، لكنه يحمل في داخله مشروعًا آخر؛ مصلحة شخصية، أو حسابات قديمة، أو رغبة في بناء نفوذ، أو أجندة لا علاقة لها بالمهمة التي جاء من أجلها، والأخطر أن المسؤول الذي اختاره قد يكون آخر من يعلم. فهو يعتقد أنه يمنحه الأدوات لخدمة المؤسسة، بينما قد تُستخدم الأدوات ذاتها لتحقيق أهداف لم يطلبها، ويظن أنه يدعم موظفًا مخلصًا، بينما يَمنح - من حيث لا يدري - غطاءً رسميًا لتحركات لم يكن ليوافق عليها لو عُرضت عليه بصورتها الحقيقية، وهنا تكمن خطورة حصان طروادة؛ فهو لا يعمل ضد النظام بالضرورة، بل قد يتقن استخدام النظام نفسه، لا يحتاج إلى تجاوز صلاحياته علنًا، ما دام قادرًا على توظيفها في غير غاياتها، فيقرّب هذا ويبعد ذاك، ويضخم واقعة ويتجاهل أخرى، ويختار من المعلومات ما يخدم روايته، حتى تصبح الوظيفة التي أُنشئت لخدمة المؤسسة أداة لخدمة صاحبها. ولا تُكتشف هذه الممارسات بسهولة، لأنها غالبًا ما تختبئ خلف عبارات مألوفة: «مصلحة العمل»، و«توجيهات الإدارة العليا»، و«الحرص على المؤسسة». وكلما زادت ثقة المسؤول بالشخص، أصبح من الصعب التمييز بين ما يريده المسؤول فعلًا، وما يُنفذ باسمه دون أن يكون قد أراده أصلًا، ولذلك فإن الحوكمة الحقيقية لا تكتفي بتحديد الصلاحيات، بل تسأل أيضًا: كيف تُستخدم؟ ولأي غاية؟ ومن المستفيد من القرارات المتكررة؟ وهل ما يُنفذ باسم القيادة يعكس فعلًا إرادتها، أم إرادة من يتحدث باسمها؟ لقد بقي حصان طروادة رمزًا عبر التاريخ، ليس لأنه كان أقوى من أسوار المدينة، بل لأن المدينة منحته ما لم تمنحه لعدوها: الثقة، والدخول، والمكان الآمن داخل الأسوار. وفي الإدارة أيضًا، قد لا تكون المشكلة فيمن يحاول اقتحام المؤسسة من الخارج، بل فيمن فتحنا له الباب، ومنحناه الأدوات، ثم اكتشفنا متأخرين أنه كان يخوض معركة أخرى بأيدينا.
795
| 19 أغسطس 2026
«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات أشهرًا، لكنه لا يستعد للاجتماع الأول ساعةً واحدة». لعل هذه العبارة تختصر أحد أكبر التحديات التي تواجه الكثير من مجالس الإدارات، فالوصول إلى المقعد أصبح لدى البعض مشروعًا متكاملًا، بينما لا يحظى أداء الرسالة بعد الوصول بالحماس ذاته. وقبل كل انتخابات، تتكرر المشاهد نفسها؛ لقاءات، واتصالات، وبرامج، ووعود، وسعي حثيث لكسب ثقة أعضاء الجمعية العمومية، وهذا حق مشروع، بل هو جزء أصيل من العملية الانتخابية، غير أن السؤال الحقيقي لا يبدأ يوم التصويت، وإنما في اليوم التالي لإعلان النتائج. فعضوية مجلس الإدارة ليست غاية بحد ذاتها، ولا لقبًا اجتماعيًا، وإنما أمانة ومسؤولية تجاه مؤسسة وضع أعضاؤها ثقتهم فيمن اختاروه، لذلك، فإن قيمة عضو المجلس لا تُقاس بعدد الأصوات التي حصل عليها، بل بقدر ما يضيفه من رأي، وما يتحمله من مسؤولية، وما يتركه من أثر. وللأسف، تكشف بعض التجارب عن مفارقة لافتة؛ فهناك من يبذل جهدًا استثنائيًا للوصول إلى المجلس، ثم يبدأ حضوره بالتراجع، وتتكرر أعذاره عن الاجتماعات، أو يحضر من غير استعداد، أو يكتفي بالموافقة على ما يُعرض دون نقاش أو إضافة، وكأن المهمة انتهت بالفوز، لا أنها بدأت به، فالمؤسسة لا تتضرر فقط من غياب العضو، بل قد تتضرر أكثر من حضوره بلا رأي، أو من مشاركته بلا أثر. وقبل أن يسأل المرشح نفسه: كيف أفوز؟ عليه أن يسأل: ماذا سأضيف إذا فزت؟ وما القيمة التي سأقدمها لهذا المجلس؟ وهل سأكون صاحب رأي، ومبادرة، وموقف، أم مجرد اسم يُضاف إلى قائمة الأعضاء؟، أما إذا كان المقعد هو الهدف، واللقب هو الطموح، أو المكافأة هي الدافع، فإن الحماس غالبًا ما ينتهي بانتهاء الانتخابات، فالمؤسسات لا تبحث عمن يشغل المقعد، بل عمن يشغله همُّ المؤسسة، ويؤمن أن القيمة ليست فيما تضيفه العضوية، بل فيما يضيفه هو إليها. إن الفوز بعضوية المجلس يمنحك مقعدًا، لكنه لا يمنحك أثرًا، فالأثر لا تمنحه صناديق الاقتراع، بل تمنحه المواقف، والمؤسسات لا تنهض بالأسماء اللامعة، بل بأعضاء يستعدون لكل اجتماع كما استعدوا للانتخابات، ويؤمنون أن مسؤوليتهم تبدأ بعد إعلان النتائج، لا قبله، وفي النهاية، لا يتذكر التاريخ المؤسسي من فاز بعضوية مجلس الإدارة، ولا عدد الأصوات التي حصل عليها، بل يتذكر من ترك أثرًا.
846
| 12 أغسطس 2026
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من يزرع هو من يحصد، وليس كل من يغرس شجرة يجلس في ظلها، ومع ذلك لا يتردد المزارع الحكيم في غرسها، لأنه يدرك أن قيمة الغرس لا تُقاس بمن ينتفع به أولًا، بل بقدرته على أن يبقى نافعًا بعده. وكذلك هي القيادة، فبعض القادة ينشغلون بتحقيق إنجازات سريعة تُنسب إليهم، بينما ينصرف آخرون إلى عمل أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا كبناء الأنظمة، وترسيخ القيم، وصناعة الثقافة المؤسسية، وإطلاق التغيير الذي قد يحتاج إلى وقت حتى يؤتي ثماره. وهذا النوع من العمل لا يجذب الأضواء دائمًا، لأن أثره لا يظهر في يوم أو شهر، بل يتشكل بصمت حتى يصبح جزءًا من هوية المؤسسة، وقد لا يُنسب الفضل إلى من بدأه، لكن ذلك لا ينتقص من قيمته، لأن غايته لم تكن صناعة مجد شخصي، وإنما بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بسرعة نتائجه، بل بقدرته على البقاء، وما يبدو في بدايته تغييرًا محدودًا قد يصبح بعد سنوات ثقافة راسخة، وما يُغرس اليوم في الأنظمة والقيم قد يتحول غدًا إلى سلوك يمارسه الناس دون أن يتذكروا من وضع بذرته الأولى، وتلك في الحقيقة هي علامة النجاح؛ أن تستمر الفكرة بعد صاحبها، وأن تمضي المؤسسة في طريقها لأنها أصبحت تعتمد على مبادئ، لا على أشخاص. ولهذا، لا ينشغل القائد البصير كثيرًا بمن سيقطف الثمار، بقدر ما ينشغل بأن تكون البذور صالحة، وأن تكون الأرض مهيأة، وأن يكون المسار قد بدأ في الاتجاه الصحيح، فهو يدرك أن الزمن شريك في كل إصلاح، وأن بعض الإنجازات تحتاج إلى صبر أكثر مما تحتاج إلى ضجيج. قد تعترض طريق التغيير مقاومة، وقد تتباطأ الخطوات، وقد يحاول البعض إيقاف ما بدأ، لكن الأفكار الصادقة، والأنظمة السليمة، والثقافات المؤسسية الراسخة، تملك قدرة عجيبة على الاستمرار متى وجدت من يتبناها بصدق، ولهذا، فإن أعظم ما يتركه القائد ليس مشروعًا افتتحه، ولا قرارًا وقّعه، ولا منصبًا شغله، بل أثرًا يبقى بعد غيابه؛ يظهر في سلوك الناس، وفي ثقافة المؤسسة، وفي قدرتها على مواصلة الطريق بثقة، وكأن من غرس البذرة لا يزال حاضرًا بينهم. وختامًا: هناك مقولة منسوبة للشاعر التشيلي بابلو نيرودا، تقول: يمكنك أن تدوس الأزهار لكنك لن تؤخر الربيع.
1035
| 05 أغسطس 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على الورق؛ مجلس إدارة يضع السياسات، وإدارة تنفيذية تنفذ، وتنسق وتضمن انسيابية العمل وفق الأنظمة واللوائح، لكن الواقع العملي يكشف أحياناً عن ظاهرة مختلفة تماماً، وهي اتساع الفجوة بين المسؤولية الرسمية والسلطة الفعلية. خلال سنوات العمل الإداري أدركت أن أكبر المخاطر التي تواجه المؤسسات ليست نقص الموارد ولا ضعف الكفاءات، بل غموض مراكز التأثير واتخاذ القرار، فعندما تصبح السلطة الحقيقية خارج الأطر المؤسسية المعتمدة، تبدأ الحوكمة في التراجع تدريجياً، حتى وإن بقيت جميع النماذج والإجراءات والقرارات قائمة شكلاً. ولا يحدث ذلك عادةً بقرار معلن، بل عبر بناء مراكز نفوذ موازية للهيكل الرسمي، فيظهر أشخاص لا يملكون سلطة نظامية، لكنهم يملكون القدرة على التأثير في مصدر القرار، فيقتربون منه شيئاً فشيئاً، ويحرصون على أن تمر المعلومات عبرهم، وأن تتركز لديهم مفاتيح التواصل، وأن تصبح جميع الملفات الرئيسة رهينة لرأيهم أو موافقتهم، ومع مرور الوقت لا يصبح نفوذهم نابعاً من المنصب، بل من قدرتهم على احتكار الوصول إلى القرار وتوجيهه من وراء الكواليس، بما يضمن استمرار تأثيرهم وتحكمهم بمفاصل المؤسسة ومواردها. وتكمن المشكلة في أن نجاح المؤسسة يُنسب إنجازه للجميع، أما الإخفاق والمساءلة فيبقى مرتبطا بالموقع التنظيمي لا بموقع التأثير الفعلي، وهنا ينشأ وضع غير صحي إدارياً؛ أشخاص يتحملون المسؤولية دون أن يمتلكوا كامل أدوات القرار، وأشخاص يصوغون القرار أو يوجهونه دون أن يتحملوا شيئاً من تبعاته. لذا، ومن واقع التجربة، فإن أول مؤشرات الخلل المؤسسي تظهر عندما تصبح خطوط اتخاذ القرار غير واضحة، أو عندما تتعدد القنوات التي تصدر من خلالها التوجيهات، أو عندما تتراجع أهمية الإجراءات الرسمية أمام العلاقات الشخصية أو مراكز النفوذ غير المعلنة، والأسوأ من ذلك حين تبدأ القيادات والإدارات في تجاوز المسارات النظامية، ليس لأن اللوائح لا تكفي، بل لأن الجميع يدرك أن القرار الحقيقي يصنع في مكان آخر. واللافت أن هذه الظاهرة لا تظهر فجأة، بل تتسلل بهدوء، تبدأ باستثناء صغير هنا، ثم بمعالجة عاجلة هناك، ثم بتوسيع دائرة الاعتماد على شخص أو مجموعة محددة، حتى تتحول مع الوقت إلى نمط عمل دائم، وعندما يحدث ذلك تصبح المؤسسة أكثر اعتماداً على الأشخاص وأقل اعتماداً على الأنظمة، ويصبح بقاء مراكز النفوذ هدفاً بحد ذاته، فتُعاد صياغة الهياكل وتوزيع الاختصاصات، بل واختيار القيادات أحياناً، بما يحافظ على استمرار مصلحة تلك المنظومة لا على تعظيم مصلحة المؤسسة. إن ما يجسد الحوكمة ليس مجموعة اللوائح التي تحفظ في الأدراج، بل وضوح المسؤوليات، وتوازن السلطة مع المساءلة، وشفافية صناعة القرار، ومنع تمركز النفوذ خارج الأطر النظامية، وكلما اتسعت الفجوة بين هذه العناصر تراجعت كفاءة المؤسسة مهما امتلكت من إمكانات. لقد علمتني التجربة أن الإدارة الناجحة لا تقوم على وجود قائد قوي فحسب، بل على وجود مؤسسة قوية تستطيع أن تعمل بكفاءة حتى في غياب الأشخاص، فالمؤسسات تبقى، أما الأشخاص فيغادرون، وما يحفظ الاستمرارية هو قوة النظام لا قوة الأفراد، والولاء للمؤسسة لا لمراكز النفوذ. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجلس إدارة وكل قيادة تنفيذية على نفسها هو: كيف يُصنع القرار؟ ومن يؤثر فيه؟ وهل من يملك القرار هو نفسه من يتحمل المسؤولية عنه؟
1548
| 29 يوليو 2026
من المشاهد التي تستوقفني كثيرًا في العمل المؤسسي أن بعض المؤسسات تتغير ملامحها بمجرد رحيل قائدها، وكأن سنوات من العمل قد ارتبطت بشخص أكثر مما ارتبطت بمؤسسة، وفي المقابل، هناك مؤسسات تستمر في التقدم بالوتيرة نفسها، وربما بصورة أفضل، رغم تعاقب القيادات عليها. ولسنوات كنت أتساءل: ما الذي يصنع هذا الفرق؟ وهل يكمن في قدرات القادة، أم في حجم الإنجازات التي حققوها، أم أن هناك شيئًا آخر لا يظهر في التقارير ولا تعكسه مؤشرات الأداء؟ ومع مرور الوقت، أدركت أن الفرق لا يكمن في حجم الإنجاز، وإنما في طبيعته، فهناك إنجاز ينتهي أثره بانتهاء صاحبه، وهناك إنجاز يتحول إلى جزء من المؤسسة، فيستمر وينمو ويتطور دون أن يبقى معلقًا باسم من صنعه. وهنا يبدأ الفارق الحقيقي بين الإنجاز والأثر، فالإنجاز قد يحل مشكلة، أو ينجز مشروعًا، أو يحقق هدفًا مرحليًا، وكل ذلك مهم ولا غنى عنه، أما الأثر، فهو أن تصبح المؤسسة بعد ذلك أكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر كفاءة في أداء أعمالها، وأكثر نضجًا في مواجهة تحدياتها، دون أن تعود في كل مرة إلى الشخص الذي بدأ التغيير. ولهذا فإن القائد الذي يترك أثرًا لا يجعل نفسه محور نجاح المؤسسة، بل يعمل بصمت على أن يصبح وجوده أقل ضرورة مع مرور الوقت، فهو يبني نظامًا قبل أن يبني إنجازًا، ويغرس ثقافة قبل أن يطلق مبادرة، ويصنع قيادات قبل أن يصنع انتصارات، لأنه يدرك أن قيمة القيادة لا تُقاس بما يحدث في عهدها فحسب، وإنما بما يستمر بعدها. ولعل هذا هو الاختبار الذي لا تلتفت إليه كثير من المؤسسات، فهي تحتفي بالإنجازات عند إعلانها، لكنها لا تعود بعد سنوات لتسأل: ماذا بقي منها؟ كم قرار تحول إلى ممارسة مستقرة؟ وكم مبادرة أصبحت جزءًا من ثقافة العمل؟ وكم قائدا أعدَّ من يخلفه قبل أن يغادر موقعه؟ فهذه الأسئلة وحدها هي التي تكشف إن كنا أمام إنجاز عابر، أم أمام أثرٍ باقٍ، ولذلك، فإنني لا أرى أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه القائد على نفسه هو: ماذا أنجزت؟ بل: ماذا سيستمر بعدي؟ لأن الإنجاز قد يلفت الأنظار، أما الأثر فهو الذي يصنع مستقبل المؤسسة بصمت.
699
| 22 يوليو 2026
ماذا يخطُ يراعي اليومَ من كمدٍ إنّ المُصابَ جليلٌ أثقلَ الكَمِدا كيف السبيلُ لنظمٍ يرتقي سببًاكيف السبيلُ لنظمٍ يرتقي سببًا حتى يلامس منك العز والرشدا خان البيانُ حروفًا كنتُ أذخرها للنائبات إذا ما طيرها ورَدا وبتُ أطويَّ أحلامي على أمل ٍ أن يفتحَ اللهُ لي من فيضهِ مددا يا سيدي لا تزال الأرض منكرة والعينُ شاخصةٌ والقلبُ مرتعدا وفي الوجوه التي صادفتها سقمٌ وكنتَ تمسحُ عنها اليأسَ والنَّكَدَا هل غاب حقًا؟ أحقًا غاب والدنا؟ ما غاب كلا وفي الأرجاء منه صدى ما ضرَّ مجدًا إذا وارى الثرى جسدًا فالمجدُ باقٍ ويأبى الدهرُ أن يَبِدا ما ماتَ من أورثَ الأجيالَ مكرمةً ولا توارى إذا أبقى لها عَضُدا تمضي الرجالُ، ويبقى فعلهم مددًا كالنورِ يبقى وإن غابَ الذي وقدا للهِ درُّكَ، كم أحْييتَ من هِمَمٍ وكم غَرَستَ بأطرافِ الحِمى أُسدا ما كنتَ تبني لنفسٍ مجدَها أبدًا لكنْ بنيتَ رِجالًا شَيَّدَت مجدا حتى إذا آنَ عهدٌ قد وعدتَ به أودعتَها ووفاءُ الحرِ ما عهِدا فصارَ فعلكَ درسًا لا نَظيرَ لهُ في أنَّ خيرَ ذوي السلطانِ مَن زَهدا على فِراقِكَ كُلُ الخَلقِ باكيةٌ حتى استوى الغائبُ الناعي ومن شَهدا كَم فاضَ جُودُكَ للراجين من كرمٍ وكم سَبقتَ جواد المحسنينَ مدا يا دافنَ الفقرَ في الدنيا بفيضِ يدٍ هلّا دفنتَ عظيمَ الحزن والكمَدا
639
| 15 يوليو 2026
ليس الخلود أن يطول العمر، بل أن يطول الأثر. فهناك رجال إذا رحلوا لم يتركوا فراغًا في الذاكرة، بل تركوا وطنًا أقوى مما تسلّموه، ومؤسساتٍ أرسخ مما وجدوها، وأملًا يمتد إلى أجيال لم تعاصرهم، لكنها ستعيش على ثمار ما صنعوه. بالأمس ودعت دولة قطر صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله رحمة واسعة، فخيّم الحزن على الوطن، واستعاد القطريون، ومعهم كثير من العرب والمسلمين، سيرة قائد ارتبط اسمه بمرحلة استثنائية في تاريخ الدولة، مرحلة لم تكن مجرد سنوات حكم، بل مشروعًا متكاملًا لبناء وطن، وصناعة مستقبل، وترسيخ حضور دولة آمنت بأن أثرها يجب أن يكون أكبر من مساحتها. لقد قاد الأمير الوالد مرحلة تحول تاريخية في مسيرة قطر الحديثة، واضعًا نصب عينيه أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من ثروات فحسب، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات راسخة، ورؤية بعيدة، وإدارة قادرة على تحويل الطموحات إلى واقع، وفي عهده شهدت قطر نهضة شاملة في البنية التحتية، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتنمية البشرية، حتى أصبحت نموذجًا تنمويًا يحظى باحترام العالم، ورسخت مكانتها بين الدول المؤثرة في محيطها الإقليمي والدولي. ومن المحطات التي ستظل شاهدة على تلك المرحلة إقرار الدستور الدائم، وترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة، وتعزيز العمل المؤسسي، بما أسهم في بناء دولة أكثر رسوخًا وقدرة على مواصلة التنمية بثبات واستقرار، كما شهدت تلك المرحلة توسعًا كبيرًا في الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، فكانت المدينة التعليمية، واستقطاب الجامعات العالمية، رسالة واضحة بأن الثروة الحقيقية للأمم ليست فيما تستخرجه من باطن الأرض، بل فيما تبنيه في عقول أبنائها. ولم يكن الاقتصاد بمعزل عن هذه الرؤية، فقد شهدت قطر في تلك السنوات نهضة غير مسبوقة في صناعة الغاز الطبيعي المسال، وتوسعت في مشاريعها الاستراتيجية، حتى أصبحت واحدة من أبرز القوى الاقتصادية في العالم في هذا القطاع، وهو ما وفر للدولة موارد استثمرت في بناء الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وتنويع الاقتصاد، وإطلاق مشاريع تنموية كبرى ما زالت ثمارها تتجدد حتى اليوم. وعلى الصعيد الدولي، آمن الأمير الوالد بأن الدولة، مهما كان حجمها، تستطيع أن تؤدي دورًا مؤثرًا إذا امتلكت رؤية واضحة، ومصداقية في المواقف، وإرادة في صناعة السلام، لذلك برزت قطر في عهده وسيطًا موثوقًا في عدد من الملفات الإقليمية، وأسهمت في تقريب وجهات النظر، ودعم الحلول السلمية، وإطلاق مبادرات للحوار في أوقات كانت المنطقة بأمسّ الحاجة إلى صوت العقل. كما شهدت تلك المرحلة حضورًا إعلاميًا غير مسبوق، جعل من قطر مركزًا للحوار وتبادل الرأي، وأسهم في إيصال الصوت العربي إلى العالم، وفتح آفاقًا جديدة للنقاش الحر، في تجربة إعلامية تركت أثرها في المشهد العربي لعقود. ولم تغب القضايا العربية والإسلامية عن اهتمامه، فقد ظلت فلسطين في مقدمة الأولويات، واستمرت قطر في دعم الشعب الفلسطيني ومساندة حقوقه المشروعة، كما امتدت يدها إلى العديد من الدول العربية والإسلامية التي واجهت أزمات أو كوارث، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن مسؤولية الأمة لا تقف عند الحدود الجغرافية. أما الجانب الإنساني، فهو من الصفحات المضيئة في تلك المسيرة، فقد ترسخ في عهده حضور قطر في ميادين الإغاثة والعمل الإنساني، حتى أصبحت مؤسساتها الإنسانية والخيرية والتنموية تمد يد العون إلى المنكوبين والمتضررين في مختلف أنحاء العالم، دون تمييز بين دين أو عرق أو لغة، ولم يكن ذلك مجرد استجابة للأزمات، بل نهجًا يعكس قيم المجتمع القطري، ويجسد رسالة الإسلام في الرحمة والتكافل وصون كرامة الإنسان. ومن الإنجازات التي ستبقى علامة فارقة في التاريخ القطري، نجاح الدولة في الحصول على شرف استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، وهو إنجاز لم يكن رياضيًا فحسب، بل كان إعلانًا عن المكانة التي بلغتها قطر، وعن قدرتها على تنظيم أكبر الأحداث العالمية بكفاءة واقتدار، مقدمةً للعالم صورة مشرقة عن ثقافتها وهويتها وقيمها. ولعل من أعظم ما سيذكره التاريخ للأمير الوالد ذلك القرار الذي اتخذه بإرادته، عندما سلّم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومسؤول للسلطة، قدم نموذجًا حضاريًا نادرًا في منطقتنا، وأكد أن قوة الدول لا تكمن في ارتباطها بالأشخاص، بل في استمرارية مؤسساتها، وثقة قادتها بالمستقبل، وإيمانهم بأن تداول المسؤولية في الوقت المناسب هو أحد مظاهر القيادة الرشيدة. واليوم، ونحن نودع الأمير الوالد، فإننا لا نستحضر سيرة رجل فحسب، بل نستحضر مرحلة كاملة أسهمت في رسم ملامح قطر الحديثة، ورسخت حضورها الإقليمي والدولي، وجعلت منها دولة تجمع بين التنمية، والدبلوماسية، والعمل الإنساني، والاستثمار في الإنسان. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه عن وطنه وعن أمته وعن الإنسانية خير الجزاء، وألهم الأسرة الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان. فالرجال يرحلون، لكن الأوطان لا تنسى من صنعوا نهضتها، ولا تغيب عن ذاكرتها أسماء الذين بنوا مؤسساتها، ورفعوا مكانتها، وأورثوا أبناءها الثقة بالمستقبل، وتلك هي السيرة التي لا يطويها الزمن. ويبقى الأثر.
777
| 13 يوليو 2026
في المقال السابق تحدثت عن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه: متى يرحل؟ وقلت إن الرحيل، حين تحين أسبابه، ينبغي أن يكون بكل كرامة، والمقصود هنا الكرامة المهنية لا الشخصية، تلك التي تجعل الإنسان وفيًا لمبادئ مهنته قبل أن يكون وفيًا لمنصبه. فالرحيل لا يصبح موقفًا محترمًا لأنه جاء في الوقت المناسب فحسب، بل لأنه جاء حفاظًا على قيمة لا يجوز التفريط بها، وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الرحيل نفسه: ما الكرامة المهنية؟ ومتى يصبح التنازل عنها أصعب من التنازل عن المنصب؟ الكرامة المهنية لا تعني الترفع عن الناس، ولا رفض النقد، ولا التمسك بالرأي لمجرد إثبات الذات، وإنما تعني أن يبقى الإنسان أمينًا للمبادئ التي تقوم عليها مهنته، وأن يمارس مسؤولياته وفق ما يمليه عليه علمه وخبرته وضميره، لا وفق ما تفرضه الضغوط أو الاعتبارات التي لا تمت إلى المهنة بصلة. ولكل مهنة ميثاقها الأخلاقي «code of ethics»، سواء دُوِّن في لوائح رسمية أو استقر عبر الزمن في ضمير أهلها، فالطبيب لا يقبل أن يصف علاجًا يعلم أنه لا يحقق مصلحة المريض، والمهندس لا يوقع على تصميم يدرك أنه يخالف أصول المهنة، والمدقق لا يعتمد حسابات لا يثق بصحتها، والقاضي لا يجعل ميزان العدالة تابعًا لرغبات الآخرين، وفي جميع هذه المهن، لا تنبع قيمة صاحبها من المنصب الذي يشغله، بل من وفائه للمعايير التي تحكم مهنته. ولا تختلف الإدارة عن ذلك لأنها ليست ممارسة للسلطة بقدر ما هي ممارسة لمسؤولية مهنية، ومن يقبل مسؤولية القيادة يقبل معها واجبًا أخلاقيًا يتمثل في أن يبدي رأيه المهني بصدق، وأن يتحمل مسؤوليته وفق الأنظمة، وأن يحافظ على استقلال تقديره المهني، فإذا أصبح الرأي المتخصص تابعًا لاعتبارات غير مهنية، أو غلبت المؤثرات الشخصية على مقتضيات الاختصاص، بدأ التنازل الذي لا تسجله اللوائح، لكنه يترك أثرًا عميقًا في ضمير المهنة وفي ثقة المؤسسة بنفسها. وليس المقصود أن يرحل الإنسان عند أول اختلاف، فالاختلاف جزء طبيعي من أي عمل مؤسسي، بل قد يكون سببًا في نضج القرار وتحسينه، لكن هناك فرقًا بين اختلاف يدور داخل الأطر المهنية ويحترم الاختصاص، وبين واقع يصبح فيه صاحب المسؤولية مطالبًا بأن يتحمل نتائج قرارات لم يشارك في صنعها، أو صنعها غير المختص، أو أن يصمت عن ممارسات يعلم أنها لا تنسجم مع أصول مهنته. إن المنصب يمنح صاحبه صلاحيات، لكنه لا يمنحه الحق في التفريط بـ «أخلاقيات المهنة»، ولذلك فإن الكرامة المهنية ليست موقفًا عاطفيًا، ولا حساسية شخصية، وإنما التزام يحمي المهنة قبل أن يحمي صاحبها، لأن أول تنازل يبدو صغيرًا، لكنه يفتح الباب لتنازلات أكبر، حتى يصبح الاستثناء قاعدة، ويغدو الخلل أمرًا مألوفًا، ولهذا، فإن بعض قرارات الرحيل تجسد الوفاء لرسالة المهنة، والإيمان بأن المنصب يفقد قيمته عندما يصبح ثمن البقاء فيه التخلي عن المبادئ التي منحت ذلك المنصب احترامه. فالوظائف تُمنح بقرار، وقد تنتهي بقرار، أما الكرامة المهنية فلا يحفظها إلا صاحبها، لأنها آخر حدود التنازل.
1239
| 08 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3855
| 01 يوليو 2026
بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة، تعرفت من خلالها على أنماط وبيئات عمل مختلفة بين القطاع الحكومي، والمؤسسات المملوكة للدولة، والمؤسسات الخاصة، والهيئات الرقابية، كانت هذه الرحلة فرصة لاكتساب العديد من المهارات، ولفهم تعقيدات إدارة المشاريع الكبرى، وإتقان توزيع الموارد واتخاذ القرارات في بيئات متنوعة، ومواجهة التحديات بمزيج من الحزم والمرونة، مع الحفاظ على نتائج ملموسة وفاعلية واضحة في كل موقع عمل. كانت كل خطوة تُقاس بمؤشرات الأداء، وتتابع بالتقارير، وبالرقابة الصارمة على التنفيذ، ومع ذلك، سرعان ما أدركت أن أثر كل قرار يتجاوز الأرقام والجداول ليصل إلى حياة الناس واحتياجاتهم اليومية الملحة، لقد علّمتني هذه السنوات درسًا واحدًا واضحًا: أن الإدارة الناجحة ليست مجرد ضبط العمليات، إنما وعيٌ بأن لكل قرار أثرًا يمتد خارج المكاتب، ويصل إلى أرض الواقع حيث تتقاطع الأعمال مع حياة البشر. في كل قرار نتخذه، تظهر الحاجة لأن يكون العقل حاضرًا والعاطفة أيضًا، بحيث يُؤدى الواجب دون أن يفقد الإنسان حسه بالآخرين، هذا التوازن الدقيق بين مقتضيات الوظيفة والعاطفة هو جوهر أي عمل مسؤول، سواء في المؤسسات أو في المجتمع. هذا التداخل بين “الواجب” و“البعد الإنساني” ليس أمرًا جديدًا، فمنذ صدر الإسلام ظهرت قيادة تدرك بوضوح أن العمل العام شيء، وأن الحياة الاجتماعية شيء آخر. وعند قراءة السيرة النبوية قراءة تتوقف عند المعاني لا عند الأحداث فقط، نجد أن النبي ﷺ فرَّق بجلاء بين المقامين، ففي مقام الشأن العام ظهر الحزم والعدل وتقديم أهل الكفاءة، أما في مقام الحياة اليومية فبرزت الرحمة وقرب المسافة ودفء المشاعر. في الشأن العام كان الحق والبرهان هما أساس القرار، فلا قرابة ولا محاباة تُقدَّم على العدل، واستُشير أهل الحل والعقد لخبرتهم لا لقرابتهم، وفي المقابل، في البيت والمسجد والمجتمع ظهرت الرحمة وحسن التعامل وقرب المسافة من الناس، كان النبي ﷺ قريبًا من مشاعر من حوله، يراعي أحوالهم ويحافظ على دفء العلاقة الإنسانية، إن وعيه بتعدد المقامات هو الذي صنع توازن القيادة، ومنحها القدرة على أداء الواجب دون أن تفقد بعدها الإنساني. واليوم، حين يدخل القرار الإداري في مجال العمل الإنساني، يصبح حساب الأثر أوسع من جدول الموارد والموازنات، لأن أي إجراء أو قرار قد يتحول إلى خيمة تُنصب، أو دواء يُرسل، أو ماء يُشرب، أو مأوى يُجهز لمن يحتاجه، هنا لا يستطيع المسؤول أن يكتفي بمقاييس الأداء وحدها، لأن أثر القرار يتجاوز الورق إلى حياة الناس في الميدان. العمل حين يكون إنسانيًا لايمكن أن يُدار بالعقل وحده ولا بالعاطفة وحدها، إنما يدار بالقدرة على جمعهما دون إفراط أو تفريط، والمؤسسات التي تتعامل مباشرة مع حياة الناس واحتياجاتهم اليومية لا تحتاج إلى نظام يحسن التدبير قدر ما تحتاج إلى قلب يدرك أن كل قرار يُتخذ في المكتب له أثر ملموس على الواقع. ختامًا، لا يكتمل معنى العمل الإداري، في المجال الإنساني، إلا حين يتجاوز حدود المكاتب والملفات، ويتجسد في أثر يصل إلى الناس مباشرة؛ في المخيمات البعيدة، وعلى خطوط المواجهة، وعند بوابات المستشفيات الميدانية، هنا تتحول القرارات إلى أفعال تخفف المعاناة وتمنح المحتاجين الأمان والكرامة، يكتسب العمل بعده الإنساني الحقيقي، ويصبح المسؤول شاهدًا على قيمة الإدارة حين تُقاس بأثرها في حياة البشر، لا فقط بما تحققه من مؤشرات وأرقام.
822
| 28 يناير 2026
لم يعد السؤال اليوم: من الأقوى؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا وقلقًا: من يصوغ القواعد؟ لسنوات طويلة، كان العالم ـ رغم كل تناقضاته ـ يتحرك داخل إطار مرجعي واضح من القوانين الدولية، المواثيق، المؤسسات والمنظمات الدولية، وحد أدنى من الخطوط الحمراء التي يفترض ألا تُتجاوز، قد نختلف مع هذه المرجعية أو ننتقدها، لكنها كانت موجودة وتشكل سقفًا عامًا للسلوك الدولي. اليوم، نحن أمام مشهد مغاير تمامًا، عالم يتحرك بسرعة دون بوصلة، ويقرر كثيرًا دون مرجعية، وينفذ أولًا ثم يبحث عن تبرير لاحقًا. اللافت أن غياب المرجعية لم يحدث فجأة، بل تسلل بهدوء، فالمفاهيم الكبرى تآكلت واحدة تلو الأخرى: العدالة، الشرعية، القانون الدولي، حماية المدنيين، لم تُلغ رسميًا، لكنها أصبحت انتقائية، تُستدعى حين تخدم المصالح، وتُنسى حين تُربك الحسابات. وفي هذا الفراغ، لم تتوقف الأحداث، بل تسارعت، فالحروب لم تعد تحتاج إعلانًا، والعقوبات لا تحتاج إجماعًا، والتدخلات يُمنح لها التفسير المناسب بعد وقوعها لا قبله، كأن القاعدة الجديدة تقول: افعل أولًا… ثم برر لاحقًا. لكن السؤال الأخطر: من ملأ هذا الفراغ؟ ليس القانون، ولا الأخلاق، ولا حتى السياسة بمعناها الكلاسيكي، ما يملأه اليوم هو ميزان القوة العارية، ومنطق المصالح السريعة، والخوف من الخسارة أكثر من الرغبة في الصواب. وحين تغيب المرجعية، لا يتساوى الجميع، القوي يكتب قاعدته الخاصة، والضعيف يبحث عن استثناء، والمتضرر يُطلب منه الصبر أو الصمت أو التفهّم، أما الإنسان ـ الفرد العادي ـ فيتحول إلى رقم في نشرة، أو صورة عابرة، أو خبر عاجل سرعان ما يُستبدل بغيره. المفارقة أن العالم لم يفقد مؤسساته، بل فقد ثقته بها، لم تختفِ المنصات الدولية، لكنها فقدت قدرتها على الإقناع، لم تُغلق قاعات القرار، لكنها أصبحت بعيدة عن نبض الواقع، وكأن هناك فجوة واسعة بين ما يُقال رسميًا وما يُفعل عمليًا. في عالم كهذا، لا يكفي أن نسأل: من يكتب القواعد؟ بل يجب أن نضيف: لصالح من تُكتب؟ وهل ما زالت تُصاغ لحماية النظام العالمي، أم لحماية من يملك القدرة على كسره؟ نحن لا نعيش فوضى كاملة، بل نعيش نظامًا بلا روح: نظامًا يملك أدوات الإدارة، لكنه فقد الحكمة، يدير الأزمات ولا يمنعها، يمتلك التكنولوجيا، لكنه يعجز عن إنتاج موقف أخلاقي واضح. ربما أخطر ما في اللحظة الراهنة هو أننا بدأنا نعتاد غياب المرجعية، ونعتاد الازدواجية، ونعتاد أن تكون القواعد مرنة إلى حد الذوبان، وحين نعتاد ذلك يصبح كل شيء ممكنًا. العالم بحاجة إلى مرجعية يُحاسَب الجميع عندها بلا محاباة، مرجعية لا تتبدل بتبدل موازين القوة، ولا تتبخر عند أول اختبار حقيقي، وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال مفتوحًا: من يكتب القواعد الآن؟ والأهم: من يملك الشجاعة ليقول إن العالم لا يُدار بالقوة وحدها، بل بالمسؤولية أيضًا؟
786
| 21 يناير 2026
العالم يتغير بوتيرة لم يسبق لها مثيل، اللاعبون الجدد يظهرون على المسرح الدولي، يصنعون المستقبل بينما نحن نراقب، ننتظر، أو نحاول اللحاق بالركب، السؤال اليوم: لماذا يصنع الآخرون نهضتهم بينما نتمسك نحن بالفرص الضائعة؟ من يتابع حركة العالم اليوم يدرك أن الخريطة لم تعد كما كانت، وأن موازين القوة تتحرك خارج الأطر التقليدية، فالصين التي كانت قبل سبعين عامًا تبحث عن القوت، أصبحت اليوم مصنعًا ومختبرًا وممرًا للمستقبل، بينما بقيت منطقتنا العربية، رغم اتساعها وثرواتها، ساحةً يتنافس فيها الآخرون بدل أن تكون طرفًا في صنع قواعد اللعبة. هذه المقارنة ليست من باب النحيب السياسي ولا جلد الذات، بل من باب التشخيص، فالصين لم تكن دولة موارد طبيعية، ولم تكن تملك نفطًا ولا غازًا ولا امتيازات جغرافية تشبه ما في منطقتنا من ممرات ومضائق وموانئ، لكنها امتلكت شيئًا واحدًا حاسمًا: المشروع، مشروع الدولة لا مشروع الخطاب، مشروع البناء لا مشروع الاستهلاك، مشروع الفعل لا مشروع الترقب. الصين بدأت بمعركة الداخل، رتبت القرار، ورفعت قيمة التعليم، ودفعت بالبحث العلمي إلى المصانع والجامعات، وربطت اقتصادها بالعالم عبر التجارة لا عبر الأمنيات، ثم خرجت للعالم بحزام وطريق وسلاسل توريد وموانئ وخريطة نفوذ تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وإفريقيا. في المقابل، بقيت المنطقة العربية منشغلة بصراعات متتابعة لم تنتج دولة قوية ولا اقتصادًا تنافسيًا ولا إنسانًا مهيأً للعصر الجديد، فالصين صنعت نهضتها بمهندسيها وعلمائها ومدرسيها، بينما بقي كثير من العرب ينتظرون أن تصنعهم أسعار النفط أو التحولات الدولية. قد يعتقد البعض أن النظام السياسي في الصين هو من صنع هذه النهضة، لكن الحقيقة أن الفارق ليس في شكل النظام، بل في المشروع والرؤية والفعل، فكل أنواع الأنظمة موجودة في المنطقة العربية، من ملكيات إلى جمهوريات، فلماذا فشلت في أن تصنع ما صنعته الصين؟، أو سنغافورة؟ أو كوريا؟ فضلًا عن باقي نمور آسيا، الجواب: لأنها لم تبنِ مشروعًا حقيقيًا يرتكز على الإنسان والتعليم والتنظيم، وعلى رؤية حقيقية مستدامة ومستقرة تتبناها مؤسسات الدولة. لم تنتظر الصين، ولا دول نمور آسيا، أن تطالبها الأمم المتحدة بوضع خطة وطنية استراتيجية، بل كانت خططها دائمًا ثمرة حرص على مستقبل شعوبها، ومشروعا حقيقيا يبني الأمة، في المقابل، كثير من دول منطقتنا العربية، أقولها للأسف، منشغلة بالشكليات أكثر من الجوهر، فتُقدَّم الرؤى الوطنية في إطارات جميلة، لكنها خالية من المضمون، وغير مرتبطة بالواقع، هي مجرد تنفيذ لما يُطلب خارجيًا، ولذلك لم نبن مشروعًا حتى الآن، وكانت نتيجة هذه الاستراتيجيات أن ما يُقدَّم لا يرتقي لتطلعات شعوبنا. واليوم يشهد الشرق الأوسط التنافس الأمريكي الصيني عن كثب، لكنه غالبًا يراقب اللعبة من موقع الممر بدل أن يكون صانعها، فالطاقة، والموانئ، والأمن الغذائي، وخطوط النقل، والممرات البحرية كلها ملفات يتعامل معها الآخرون كمدخل للقوة، ونتعامل معها نحن كعوائد أو فرص مؤقتة. ومع ذلك، فإن دول الخليج، ومنها قطر، تمتلك فرصة تاريخية نادرة: استقرار سياسي، قدرة مالية، ورؤية تنموية، وموقع جغرافي حيوي يجعل من الدولة لاعبًا لا متلقيًا، وإذا كان العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل الأوراق، فمن الحكمة ألا نكتفي بمقاعد المتفرجين ولا أن نحصر دورنا في التمويل أو الوساطة. الفرصة الحقيقية اليوم تكمن في الإنسان لا الموارد فقط، التعليم المتقدم، البحث العلمي، الابتكار التكنولوجي، وتطوير المهارات، كلها عوامل يمكن أن تحول دول المنطقة من مجرد ممر استراتيجي إلى قوة فاعلة في القرن الحادي والعشرين. إن المشاريع الكبرى، مثل مبادرات التعليم في قطر، أو الاستثمار في الطاقة النظيفة، أو الصناعة المعرفية، ليست رفاهية، بل أدوات لبناء المستقبل إذا استثمرت الدول مواردها في الإنسان، سيصبح هذا الأخير هو الذي يصنع الاقتصاد، ويحدد موازين القوة، ويعيد للمنطقة دورها الريادي، بدل أن يظل التاريخ يكتبها بدلاً عنها. وختامًا، علينا كعرب أن نسأل أنفسنا: ما هي وجهتنا؟ وماذا نريد أن نصنع؟ وبأي مشروع ندخل إلى المستقبل؟ وعندما يتأخر الجواب، لن يتأخر الآخرون في كتابة بقية النص لحسابهم لا لحسابنا.
666
| 14 يناير 2026
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...
15804
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...
5016
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...
3306
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...
2040
| 16 أغسطس 2026
بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل...
1914
| 19 أغسطس 2026
قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...
1539
| 18 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...
1515
| 23 أغسطس 2026
رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...
1311
| 20 أغسطس 2026
الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...
1191
| 20 أغسطس 2026
اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...
1179
| 20 أغسطس 2026
من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...
1152
| 17 أغسطس 2026
تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...
795
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل