رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أننا بصدد الدخول في متاهة فتنة جديدة في مصر. إذ بعدما مررنا بفتنة الوقيعة بين المسلمين والأقباط، وتفجير العلاقة بين السلفيين والمتصوفة، فها نحن نشهد إذكاء لفتنة جديدة تستهدف إفساد العلاقة بين الجيش والشعب، الأمر الذي يستوجب الاستنفار والإنذار.
(1)
الذي حدث يوم الجمعة الماضي في ميدان التحرير بالقاهرة لا يصدقه عقل. إذ لم يخطر على بال أحد أن تتحول جمعة محاكمة رأس النظام السابق وتطهير البلاد من ذيول نظامه وأتباعه، إلى تشهير البعض بقيادة القوات المسلحة ومطالبة بإسقاط المشير طنطاوي. ولا أفهم كيف وبأي منطق يظهر بين المتظاهرين أشخاص لا يزيد عددهم على أصابع اليدين يرتدون الزي العسكري ويقولون إنهم ضباط في الجيش، ثم يقرأ أحدهم ما أسماه البيان الأول، داعيا إلى ما بدا أنه ثورة على الثورة. ولا أعرف كيف تطورت الأمور بحيث احتمى هؤلاء ببعض المتظاهرين المعتصمين حتى لا تستجوبهم الشرطة العسكرية، ثم تحول الشد والجذب إلى هجوم، تخلله إطلاق الرصاص المطاطي والنيران، مما ترتب عليه سقوط قتيل وعدد من الجرحى.
هذا المشهد طرح أسئلة كثيرة حول هوية الذين نادوا بالاعتصام والمبيت في الميدان رغم حظر التجول، وحقيقة الذين استجابوا للنداء، وما هي نسبة الذين ينتمون حقا إلى ثوار 25 يناير، ونسبة المزايدين عليهم، ونسبة اليساريين الذين رفعوا السقف عاليا وأرادوا أن يقرروا مستقبل مصر من الميدان، وما هي نسبة العاطلين الذين اعتبروا الميدان ملاذا لهم والبلطجية الذين اعتبروا التظاهرات فرصة لتنشيط الشغل والاسترزاق.
من تلك الأسئلة أيضا: هل اتفقت المجموعات التي تمثل ثوار 25 يناير على التنسيق فيما بينها في تنظيم جمعة المحاكمة والتطهير؟ وهل كان ظهور أولئك الضباط ضمن ذلك التنسيق أم أنهم فوجئوا بهم؟ ومنذ متى كان ضباط الجيش ــ أي جيش ــ يظهرون بثيابهم العسكرية في تظاهرات الاحتجاج ثم يقفون أمام الملأ لكي يحرضوا الناس ضد القوات المسلحة وقياداتها؟ وما ملابسات إطلاق النار على بعض المتظاهرين، وإذا صح أن الشرطة العسكرية أرادت أن تصل إلى أولئك الضباط المتمردين لاستجوابهم، فهل بذل جهد قبل ذلك لتحقيق هذا المطلب دون استخدام العنف وإطلاق الرصاص؟ وبأي صفة يطالب البيان الضباط بإقصاء هذا القائد أو ذاك. أو بتشكيل مجلس رئاسي يدير البلاد؟ وهل يجوز في التقاليد الديمقراطية أن توافق الأغلبية على التعديلات الدستورية التي تحدد مسارا لتسليم الحكم للمدنيين في آجال محددة، ثم تخرج علينا أصوات داعية إلى قلب الطاولة ورافضة موقف الأغلبية؟
(2)
ثمة حقائق ينبغي أن تكون واضحة في الأذهان ونحن نتعامل مع إرهاصات الفتنة هي:
< إن الجيش ينبغي أن يظل خطا أحمر لا يجوز المساس به، ليس لأنه معصوم ومنزه عن الخطأ، ولكن لأن ثمة مصلحة وطنية ضرورية تقتضي ذلك في الوقت الراهن. علما بأن أي انتقاص من دور الجيش أو مساس به يصب مباشرة في صالح الثورة المضادة، التي تسعى لإعادتنا إلى حظيرة الحقبة السوداء التي مر بها الوطن. ولأنه ليس معصوما أو منزها، فلنا أن نعاتبه ونحاسبه ونعارض مواقفه. وذلك كله انطلاقا من الحرص على تصويب مسيرته وإنجاح مهمته. على العكس تماما مما استهدفته الهتافات المسيئة التي رددها البعض.
< إن ثمة أمورا حدثت بعد الثورة لم يجد لها المجتمع المصري تفسيرا مقنعا، الأمر الذي حير كثيرين ودفع آخرين إلى إساءة الظن. من ذلك مثلا أن أبرز ركائز النظام السابق الذين يحملهم المجتمع مسؤولية الفساد السياسي طوال عهد مبارك ظلوا مطلقي السراح طوال الوقت، ولم تتخذ ضد بعضهم إجراءات تذكر إلا بعد شهرين من تنحي الرئيس السابق، وفي أعقاب ضغوط قوية مارسها الشارع. وفي حين اهتمت السلطة القائمة بملاحقة المشتبه في ضلوعهم بالفساد الاقتصادي، فإنها لم تول الفساد السياسي نفس القدر من الأهمية، وكان غريبا أيضا أننا وجدنا مثلا أن وزير الداخلية الذي يفترض مسؤوليته عن التعذيب والقتل وتزوير الانتخابات قدم إلى المحاكمة بتهمة غسيل الأموال، ولم يفتح بعد ملف جرائمه وجناياته الأخرى، الأخطر والأفدح. وجدنا أيضا أن من ذكرت اسمه في واقعة إطلاق الجمال والخيول على المتظاهرين في 2 فبراير الماضي، ظهر اسمه مرة أخرى متهما بالضلوع في فوضى ميدان التحرير يوم 8 أبريل الحالي، وحينئذ فقط ــ بعد شهرين تقريبا ــ صدر قرار النائب العام بضبطه وإحضاره. وجدنا كذلك أن المسؤول الذي فتح الباب على مصراعيه لتبديد الثروة العقارية ونهبها في مصر، والذي أغرق الجميع في بحر الفساد الواسع، ظل مطلق السراح أيضا ولم يفكر أحد في مساءلته إلا أخيرا جدا.
< يثير الانتباه في هذا السياق أن المجلس العسكري تعامل بسرعة وحزم مع بعض الذين ألقى القبض عليهم أثناء المظاهرات، إذ قدم هؤلاء خلال أيام قليلة إلى المحاكمة العسكرية، التي سارعت بدورها إلى إصدار أحكام بحبسهم لمدد تراوحت بين عدة أشهر وثلاثة سنوات، في حين أن مساءلة رؤوس الفساد ورموزه اتسمت بالتمهل والبطء الشديدين.
< إن وجود الرئيس السابق في شرم الشيخ واستمرار ممارسة رئيس ديوانه وكاتم أسراره لعمله في مكتبه بالقاهرة (حتى الخميس 7/4)، وما قيل عن خطوط مفتوحة بين مقره في شرم الشيخ وآخرين من أعوانه في العاصمة، كان مصدرا آخر للبلبلة التي فتحت الشهية لإطلاق شائعات أثارت مخاوف كثيرين وقلقهم على مصير الثورة، ناهيك عن أن كثيرين لم يفهموا كيف أن مصر شهدت كل ذلك الفساد المروع الذي تتكشف وقائعه يوما بعد يوم، ثم لا يساءل أو يحاسب المسؤول الأول عن تلك المرحلة.
< إن اتصال المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالمجتمع لم يكن بالكفاءة المرجوة. فالإعلام الرسمي المتمثل في التلفزيون والإذاعة كان مرتبكا، حتى أنه تجاهل تقريبا التعديلات الدستورية التي طلبها المجلس، أما الصحف القومية التي كانت لسان حال نظام مبارك فقد شغلت بتبييض صفحتها وبالمزايدة على ثورية الآخرين. ومن ثم شغلت بإدانة النظام السابق بأكثر من انشغالها بالتفاعل مع النظام الجديد. وكانت النتيجة أن الناس لم يفهموا كثيرا من التطورات التي حدثت، الأمر الذي أوقعهم في حبائل البلبلة والشك. وفي حين ظل البعض يعاني الحيرة ويردد الأسئلة المعلقة، فإن آخرين سارعوا إلى تفسير بعض الوقائع باعتبارها تعبيرا عن «التواطؤ» مع النظام السابق. وحين أصدرت الشؤون المعنوية للقوات المسلحة الملحق المجاني الذي وزع مع جريدة الأهرام يوم الجمعة (8/4) وأرادت به الدفاع عن موقف المجلس العسكري، فإن الوقت كان متأخرا ناهيك عن أن المرافعة كانت خطابية وإنشائية، وكان الرنين فيها أقوى من الإقناع.
(3)
إذا كان هناك ما يمكن أن يقال بحق ممارسات المجلس العسكري الذي ربما التمسنا له أعذارا في بعض المواقف، فإن الكثير يمكن أن يقال بحق «الثوار» الذين تعددت مجموعاتهم وتباينت مواقفهم حتى ظهر بينهم من زايد على الجميع.
في هذا الصدد، فإننا ينبغي أن نذكر بثلاثة أمور أولها أن الثوار كانوا يعرفون جيدا هم ضد ماذا، لكنهم لم يكونوا يعرفون هم مع ماذا. وإذا كانوا قد تحدثوا عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فإن الأغلبية لم تكن تعرف كيف؟ ثانيها أنهم كانوا قبل انفراط عقدهم يمثلون كل الاتجاهات الوطنية في مصر، باختلاف مشاربها ومقاصدها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إضافة إلى آخرين لم يكونوا إلى جانب هؤلاء أو هؤلاء. الأمر الثالث الذي سبق أن نبهت إليه هو أنهم كانوا يمثلون الشعب المصري في مجمله وليس الشباب وحدهم الذين كان دورهم فاعلا حقا ولا ينكر، لكن دور غيرهم كان لا غنى عنه وبغيره ما كان للثورة أن تحقق أهدافها.
رغم أننا لا نستطيع أن نعمم على كل الشباب، لكننا لا نستطيع أيضا أن نتجاهل ممارسات كثيرة صدرت عنهم ونسبت إليهم، أساء فيها بعضهم فهم حفاوتنا بهم وتقديرنا لهم. وكانت النتيجة أن أولئك البعض تصوروا أن البلد يجب أن يسلم إليهم بحيث تدار الدولة من الميدان أو الشارع. ولم أفهم مثلا مطالبة بعضهم بكتابة الدستور في ميدان التحرير وليس من قبل، رجال القانون والسياسة والفكر الذين اعتبروا أن قيامهم بهذه المهمة سرقة للثورة. وبدلا من وقوفهم وراء انتخاب مجلس تشريعي نزيه يصدر القوانين ويراقب أداء الحكومة، وجدناهم يطالبون رئيس الوزراء بالمشاركة في إصدار القرارات، واستغربنا أن يخصص لهم الرجل غرفة في مقر الحكومة. أما الأكثر غرابة فقد كان مطالبة بعضهم بالاشتراك في انتخابات عمداء الكليات والإشراف على «الكنترول» الذي تودع فيه أوراق الامتحانات ونتائج رصد الدرجات، ومطالبتهم بمراقبة عمل المحافظين وتولي مهام مجالس المحافظات... إلخ.
هذا الشطط ينبغي أن يوضع له حد خصوصا أن رياحه تكاد تعصف بقطاع الإنتاج في مصر، إذ كما أن بعض الشبان يريدون إدارة البلد، فلماذا لا يتولى العمال إدارة المصانع وطرد مديريها وأصحابها، وهذه وتلك من قبل الممارسات التي يظن البعض أنها تفعيل للثورة، في حين أنها تمهد الطريق لنجاح الثورة المضادة.
(4)
صحيح أن التظاهرات شكلت عنصرا ضاغطا دفع المجلس العسكري إلى التحسب له، بدليل أن بعض قراراته المهمة أصبحت تتخذ يوم الخميس وقبل حلول يوم الجمعة، إلا أننا ينبغي أن نعترف بأننا ما زلنا نفتقد قيادة واضحة المعالم والأفكار تعبر عن الثورة، الأمر الذي فتح الباب لكي ينتسب إليها ويزايد عليها البعض، ومما يؤسف له أن التجمعات التي برزت معبرة عنها لم تنجح لا في التنسيق بينها ولا في ضبط وتنظيم التظاهرات التي لم تعد تعرف من يدعو إليها ومن يشارك فيها.
في الوقت ذاته فإننا صرنا ندفع ثمن غياب مؤسسات المجتمع المدني في مصر. فالأحزاب التي خلفها النظام السابق أشهرت إفلاسها، والنقابات المهنية لا تزال أسيرة حالة الشلل التي فرضت عليها منذ أكثر من 15 عاما، والنقابات العمالية في غيبوبة كاملة، والمنظمات الأهلية الممولة أغلبيتها من الخارج ضعيفة التأثير ولا يكاد يسمع لها صوت.
كأننا بإزاء ثورة لها جسم دون رأس، ومجتمع يعاني الفراغ وهشاشة بنيانه الداخلي، وإذا أضفت إلى ذلك أن النخبة باتت مشغولة بانقساماتها واحترابها الداخلي بأكثر من انشغالها بهم الوطن وإنقاذ سفينته المنهكة والموشكة على الغرق.
إذا صح ذلك التحليل فإنه يصور لنا كيف أن المسؤولية التي يتحملها المجلس العسكري وحيدا أشد جسامة مما نتصور، كما أنه ينبهنا إلى خطورة الحملة المشبوهة التي تشكك فيه وتسعى للوقيعة بينه وبين الشعب. وهو ما يدعوني إلى القول بأنه إلى أن تقوم للحكم المدني أية قائمة، فينبغي أن يتوافق الوطنيون الغيورون على البلد على أن استمرار المجلس هو الحل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3009
| 24 سبتمبر 2026