رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أريد أن أستبق الأحداث فيما يجري في السودان منذ صباح الخميس الموافق 11 / 4 / 2019 ، لكني اتخوف من سوابق حدثت في بعض الدول العربية ان تتكرر في السودان والجزائر .
ان الاعتقالات او التحفظات التي تمت على بعض رؤوس الحزب الحاكم في السودان وأتباعه لا تبعث على الطمأنة ، أو"ان وراء الاكمة ما وراءها " ، تقول المعلومات الواردة من السودان ان الجيش اقتحم مقر الحركة الاسلامية الداعمة او القريبة من الحزب الحاكم وهذا مؤشر سلبي .
يقول السودانيون ان اي اسم من الاسماء التي سأذكرها ادناه كان له يد او منصب قيادي في الحكومة الانتقالية سيكون مثبطا للآمال اذكر منهم مع حفظ الالقاب ( عوض بن عوف النائب الاول للبشير و وزير الدفاع ، صلاح قوش رئيس جهاز الامن والمخابرات ، حميدتي قائد قوات التدخل السريع او كمال عبد المعروف رئيس هيئة اركان القوات المسلحة .
هذه الاسماء يستوحش منها الشعب السوداني واذا اتوا في مجلس الحكم الانتقالي كلهم او بعضهم فإن الحال السوداني يحتاج الى اعادة توصيف واكثر الظن انه " انقلاب عسكري " يشبه الانقلاب العسكري الذي تم على حسني مبارك في مصر من قبل القوات المسلحة واتت بالمجلس العسكري الانتقالي الذي مهد وامتص نقمة الشعب المصري بانتخابات اتت بقيادة مدنية تمثلت في حزب الحرية والعدالة الجناح السياسي في حركة الاخوان المسلمين في مصر ومن ثم تم الانقلاب عليها قبل ان يكتمل عامها الاول .
❶
الحراك الجاري في عالمنا العربي مخيف ، مصر تعيش تحت حكم عسكري جبار والبطش بالشعب المصري تحت شعار محاربة الارهاب والإرهابيين لم يتوقف بل في تصاعد ، هيمنة العسكر على كل شيء بما في ذلك عوامل الانتاج الاقتصادي بكل انواعها والفقر يعصر غالبية الشعب المصري ، والبطالة ترتفع معدلاتها في كل يوم ، والفساد يعشش في كل مفاصل الدولة وبعلمها .والدبلوماسية المصرية فقدت هيبتها في محيطها العربي والدولي .
اذا نظرت الى ليبيا وما يجري على صعيدها فلا بد من اعادة النظر في دور مصر ودول الثورة المضادة ،حركة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر وحملته العسكرية على العاصمة طرابلس الغرب لم تكن تلقائية، جاءت بعد زيارات حفتر لبعض دول الامداد والتموين ووفود الى مصر .دول الثورة المضادة هالها ما حدث في الجزائر وسبب لها الرعب نتيجة للانجاز الجماهيري في الجزائر الذي تكلل باسقاط رأس النظام الرئيس عبد العزيز بو تفليقة فكان لا بد من اشغال ذلك الانجاز الجماهيري بحدث يجذب اهتمام العالم في خاصرة النظام الجديد في الجزائر ليكمل الجيش مهمته فكانت تحركات مليشيات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر نحو العاصمة طرابلس .
وأخشى ان ينقلب الانجاز في الجزائر الى فشل ذريع ويعبث العابثون " فرانكفونيون ونفطيون من الخليج العربي " بأمن وسلامة واستقلال وحياة الجزائر وشعبها العظيم ، عندي ثقة عالية بوعي الشعب الجزائري وجيشه ، لكن التصرف الذي حدث في اليومين الماضيين من قوى الامن الجزائرية باستخدام خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع ضد المتظاهرين المطالبين بإعادة تفسير المادة 102 من الدستور والتي مؤداها " في حال شغور منصب رئيس الجمهورية يحل محله رئيس البرلمان "وهذا في الحالات الطبيعية .
في الجزائر شغور منصب رئيس الجمهورية جاء بموجب مطالب شعب الى جانب عجزه طبيا لإكمال مهمته، وهنا اساتذة القانون الدستوري في الجزائر هم الاقدر على تكييف هذه المادة طبقا لصالح الشعب .
الجزائريون الذين يطالبون بسقوط النظام بكامل اركانه ، وهنا في تقدير الكاتب تدخل الجيش مطلوب لحل هذه المعضلة (معضلة ان يكون الرئيس الانتقالي هو رئيس البرلمان رغما عن ارادة الشعب ) والمخرج الاتيان برجل مدني توافقي يقوم بهذه المهمة دون ابطاء .
وكما نقرأ ونلاحظ ونقارن لن يقبل الشعب الجزائري بغير تغيير المؤسسة المدنية التي كانت تسوس البلاد .لا نريد ولا نتمنى ان ينزلق جيش الشعب الجزائري العظيم في التجربة (السيسية ) في مصر فإنها ستجر البلاد الى كارثة لا يعلم نتائجها إلا الله .
❷
قبل ان أنتهي من كتابة مقالي هذا وبعد ترقب من فجر يوم الامس الخميس الباكر للبيان الذي اعلن الجيش السوداني انه بصدد اعلانه ، صدر البيان المنتظر بعد طول انتظار وتابعت تعليقات قادة الرأي السودانيين على ذلك البيان وكلهم يجمعون على انه " مخيب لتطلعات السودانيين " جاء في البيان حل جميع مؤسسات الدولة وتولي مجلس عسكري حكم البلاد لعامين تمهيدا لوضع دستور جديد " على اثر ذلك جرى تعطيل العمل بالدستور الحالي وإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة اشهر . والحق ان هذه الاجراءات مارسها الجيش المصري سابقا مما ادى الى خراب مصر .
فهل يعقل ان يعيش السودان فترة قلق قادمة في ظل حكم الطوارئ ولمدة عامين تحت حكم مجلس عسكري امني انتقالي بعد كل هذه التضحيات؟!.
◄ آخر القول :
شريط مخيف يطوق الوطن العربي غربا يقوده العسكر من مصر مرورا بالسودان وعبر ليبيا وصولا الى الجزائر، وخشيتي تزداد على استقرار تونس.
اللهم إنك المستعان فأعنا وارحمنا من العابثين بالمال العربي وهيمنة العسكر علينا ، اللهم لا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا.
almusfir@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1506
| 14 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
822
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
813
| 13 يناير 2026