رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نواف بن مبارك آل ثاني

رئيس مجلس الوساطة الدولية
 

X (Twitter): @NawafAlThani
Instagram: @NawafAlThani

مساحة إعلانية

مقالات

600

نواف بن مبارك آل ثاني

اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

12 مايو 2026 , 11:03م

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في غياب المخارج، بل في ضيق الخيال السياسي عند لحظة البحث عنها. كل طرف يريد اتفاقا يشبه انتصاره الكامل، وكل عاصمة تريد صيغة لا تبدو أمام جمهورها كأنها تراجعت. وبين الرغبة في الحسم والخوف من التنازل، تتسع المسافة بين الحرب والسلام، حتى يصبح استمرار الأزمة أسهل سياسيا من إنهائها.

هذا ما يجعل اللحظة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران شديدة الخطورة. فالحرب، أو ما يقترب منها، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية أو تبادل رسائل نارية. إنها اختبار لطريقة التفكير نفسها. هل تستطيع واشنطن وطهران أن تقبلا باتفاق غير كامل، لكنه يمنع الانزلاق؟ أم أن كلا منهما سيظل يطلب من الآخر ما يعرف مسبقا أنه لن يحصل عليه؟

في مقال نشرته «ذي أتلانتك»، ظهرت قراءة أمريكية لافتة لمسار هذه الحرب وحدودها. جوهرها أن إيران لن تمنح على طاولة التفاوض ما لم تفقده تحت الضغط، وأن واشنطن قد تكتشف، كما اكتشفت من قبل في ملفات كثيرة، أن القوة تستطيع أن تفتح باب السياسة لكنها لا تستطيع أن تحل محلها. هذه ليست قراءة متعاطفة مع طهران، ولا ينبغي أن تُفهم كذلك، لكنها تضع الإصبع على سؤال صعب يواجه صانع القرار الأمريكي. ماذا تفعل عندما لا يكفي الضغط لإنتاج استسلام، ولا يكفي التفاوض لإنتاج ثقة؟

من وجهة نظري، لا الولايات المتحدة في ظل إدارتها الحالية، ولا إيران في ظل نظامها الحالي، قادرتان على الوصول إلى اتفاق مثالي. الخلاف أعمق من بند نووي، وأثقل من جدول عقوبات. هو خلاف في الذاكرة، وفي تعريف الأمن، وفي نظرة كل طرف إلى الآخر. واشنطن تريد ضمانات لا تراها طهران مقبولة، وطهران تريد اعترافا بدورها لا ترى واشنطن أن من الحكمة منحه بهذه البساطة. وفي الداخلين الأمريكي والإيراني، توجد قوى لا ترى في التسوية حلا، بل ضعفا مؤجلا.

لكن استحالة الاتفاق المثالي لا تعني استحالة الاتفاق الضروري. هنا تكمن المسألة. في السياسة، أحيانا يكون الاتفاق الجيد هو ذلك الذي يمنع الأسوأ، لا ذلك الذي يحقق الأفضل كاملا. وبتعبير راسخ في تراثنا الفقهي، فإن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أي أن منع الضرر الواسع قد يسبق السعي إلى مكسب أوسع لا تسمح به الظروف. اتفاق يخفف النار، ويعيد ترتيب قواعد الاشتباك، ويمنع توسع الحرب، قد يكون أكثر قيمة من اتفاق كامل لا يأتي أبدا. أما جعل الكمال شرطا للحل، فيعني غالبا ترك الميدان لمنطق الصواريخ والحسابات الخاطئة.

الرأي الأخير

الوضع القائم غير قابل للاستمرار. لا إيران تستطيع أن تعيش إلى ما لا نهاية تحت ضغط العقوبات والعزلة واحتمال المواجهة، ولا الولايات المتحدة تستطيع أن تدير الشرق الأوسط بمنطق الردع وحده، ثم تتوقع أن يبقى كل شيء تحت السيطرة. أما المنطقة، فهي التي تدفع كلفة الانتظار بين قرار لم يُتخذ وحرب لم تُحسم.

إما أن يتغير شيء في الحسابات، أو يتغير شيء في السلوك. أما انتظار اتفاق مثالي بين خصمين لا يثقان ببعضهما، فقد يكون أكثر خطورة من الاعتراف بالحاجة إلى اتفاق ناقص، لكنه كافٍ لمنع الأسوأ.

”الأفضل عدوّ الجيد“ - فولتير

إلى اللقاء في رأي آخر،،،

مساحة إعلانية