رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انتخابات الكونغرس وحدود السلطة

لن يختار الأمريكيون رئيساً في الثالث من نوفمبر المقبل، لكن الرئيس ترامب سيكون حاضراً في كل نقاش عن النتيجة، فالانتخابات النصفية، التي تجدد مقاعد مجلس النواب ونحو ثلث مجلس الشيوخ، تمنح الناخب فرصة لمحاسبة الإدارة قبل انتهاء ولايتها، وتتيح له أن يضع إلى جانب الرئيس أكثرية تسانده، أو أكثرية تنازعه، من دون أن يسحب منه الرئاسة، ومن هذا الفصل بين بقاء الرئيس وقدرته على الحكم تأتي أهمية المعركة. وحساب الناخب يبدأ، في أحيان كثيرة، من تفاصيل حياته، من ثمن الوقود وفاتورة الغذاء والقدرة على العثور على عمل، وقد تعرض الإدارة إنجازاتها في الخارج، فيما ينتظر هو تحسناً يلمسه في دخله، وربما اجتمع الإعجاب بموقف الرئيس في قضية معينة مع الاعتراض على حصيلة إدارته، لذلك لا تمثل خسارة حزبه رفضاً لكل سياساته، كما لا يمنحه الفوز موافقة على كل قرار اتخذه أو سيقدم عليه. وقد ذكرت وكالة رويترز في تقرير لها مؤخرا أن استطلاعاً أجرته مع إبسوس سجل نسبة رضا عن أداء الرئيس بلغت 32%، وأن 44% من الناخبين المسجلين فضلوا الديمقراطيين في الانتخابات المقبلة، مقابل 37% للجمهوريين، وهذه إشارات إلى مزاج سياسي ضاغط على الحزب الحاكم، بينما يبقى مصير الأكثرية متعلقاً بمقاعد تُحسم كل منها في دائرة أو ولاية، وبقدرة المرشحين على تحويل التعاطف إلى أصوات فعلية. وتبقى الأكثرية نفسها موضع تفاوض، فقد يكفي عدد قليل من النواب لانتزاع تنازل من قيادة الحزب إذا كان الفارق ضئيلاً، وقد ينصرف عضو إلى حماية فرصه في دائرته أكثر من انصرافه إلى تأييد الرئيس، فتظهر داخل الحزب الواحد حدود أخرى للسلطة لا تكشفها مقارنة الجمهوريين بالديمقراطيين. فإذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، انتقلت إدارة لجانه إلى خصوم الرئيس، واتسعت أمامهم أدوات التحقيق والرقابة والتأثير في التشريع والإنفاق، أما مجلس الشيوخ، فله ثقله الخاص في إقرار التعيينات وفي الموافقة على المعاهدات بأغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين، وتغير أغلبيته قد يجعل تشكيل فريق الإدارة وتمرير بعض التزاماتها الخارجية أصعب، ومع ذلك يبقى الرئيس قائداً للسلطة التنفيذية، يفاوض ويصدر قرارات ضمن صلاحياته، ولا تتحول خسارة الكونغرس إلى تسليم مفاتيح السياسة الخارجية للمعارضة. وقد يدفعه تعثر برنامجه الداخلي إلى تكثيف تحركه في الخارج، حيث يمتلك مجالاً أوسع للمبادرة، طلباً لإنجاز يعوض الخسارة، أو لتحويل النقاش إلى قضايا يراها أصلح لموقعه السياسي، ومن ثم فإن إضعافه انتخابياً لا يضمن اعتدال قراراته الخارجية، فقد يفتح باب التسوية، وقد يزيد الحاجة إلى إظهار الحزم، ويتوقف الاتجاه على طبيعة الأزمة وحسابات الإدارة، لا على لون الخريطة الانتخابية وحده. لهذا تحتاج العواصم التي تتعامل مع واشنطن إلى قراءة النتيجة على مستويين، ما تغير في الرأي العام، وما تغير في وسائل صنع القرار، فالاتفاق الذي يحتاج إلى تمويل مستمر أو تشريع أو موافقة برلمانية يختلف عن تفاهم يستطيع الرئيس إبرامه في نطاق سلطته، كما أن العلاقات المستندة إلى مصالح واضحة وإلى تواصل مع المؤسسات أقدر على تجاوز التحولات الحزبية من علاقات تختصر أمريكا في شخص ساكن البيت الأبيض، وتنتظر منه وحده ضمان استمرارها. الرأي الاخير … وعندما تتوالى النتائج، سيكون عد المقاعد ضرورياً لمعرفة الفائز، لكنه لن يكون كافياً لفهم المرحلة التالية، إذ تبدأ آثار الانتخابات حين تتحول الوعود إلى مشروعات قوانين، وتدخل الالتزامات الخارجية في حساب التمويل والرقابة، عندئذ يتبين ما يستطيع الرئيس تنفيذه، وما يحتاج فيه إلى التفاوض مع شركائه أو خصومه، وتصبح قراءة واشنطن أدق من الاكتفاء باسم المنتصر. "تمنح الأصوات التفويض، وتختبره القرارات" إلى اللقاء في رأي آخر ،،،

150

| 07 أكتوبر 2026

المصنع قبل المدفع.. القوة تبدأ من الاقتصاد المدني

مع تباطؤ مبيعات السيارات واشتداد المنافسة الصينية، تتجه شركات غربية إلى العقود العسكرية للاستفادة من مصانعها وخبراتها المدنية. وتتنافس فورد وجنرال موتورز وجاغوار لاند روفر على عقد بريطاني لتوريد مركبات للجيش، اعتماداً على طرازات تنتجها أصلاً للسوق المدنية. ويكشف ذلك أن الصناعة المدنية لا توفر دخلاً ووظائف فحسب، بل تراكم مهارات وشبكات إنتاج يمكن تحويلها إلى قدرة دفاعية عند الحاجة. وتستند هذه الاستفادة إلى خبرة متراكمة في الهندسة، وشبكات الموردين، والإنتاج واسع النطاق، فضلاً عن سنوات تطوير واختبار يمكن البناء عليها بدلاً من البدء من الصفر. لكن الانتقال إلى المجال العسكري لا يتم تلقائياً؛ فهو يتطلب تكييف المنتجات، وتأهيل العاملين، والالتزام بمعايير مختلفة للجودة والاعتمادية. لذلك تقاس قيمة الصناعة المدنية أيضاً بقدرتها على دعم الدفاع، لا بحجم إنتاجها التجاري وحده. وتتضح هذه الشروط في اتفاق أعلنته فورفيا، المتخصصة في توريد مكونات السيارات، في يونيو الماضي، لنقل مصنعها في أوغسبورغ الألمانية ونحو ثلاثمائة موظف إلى جنرال دايناميكس للأنظمة البرية الأوروبية، المتخصصة في الصناعات الدفاعية. وربط الإعلان إتمام الصفقة باستكمال الموافقات والإجراءات اللازمة، وتضمن خطة مشتركة لتأهيل العاملين تسعة أشهر وفق متطلبات العمل الدفاعي. وتتجاوز دلالة خطة التأهيل تفاصيل الصفقة الإدارية. فانتقال المصنع إلى نشاط جديد يتطلب إعداد العاملين، حتى لو امتلكوا خبرة صناعية راسخة. فالمهارة في ضبط الجودة واكتشاف عيوب الإنتاج تُكتسب بالممارسة، ولا تعوضها الآلات وحدها. لذلك يصبح الحفاظ على العاملين وخبراتهم جزءاً من الحفاظ على القدرة الصناعية نفسها، إذ يصعب استعادتها بعد إغلاق الورش وتفرق العاملين. لكن قيمة هذه القدرات لا تجعل العقود العسكرية علاجاً مضموناً لأزمة شركات السيارات. وينقل تقرير رويترز عن مسؤولين ومحللين أن الفرص الدفاعية محدودة مقارنة بحجم أعمال هذه الشركات، ولا تكفي لتعويض تراجع مبيعاتها. قد يحفظ العقد العسكري وظائف ويبقي مصنعاً عاملاً، لكنه لا يعالج أسباب خسارة الزبائن في السوق المدنية. ولا تتغير هذه الأسباب لمجرد أن تحل وزارة الدفاع محل بعض المشترين. لذلك ينبغي التمييز بين الاستفادة من قدرة صناعية قائمة وتحميل الجيش كلفة إنقاذ صناعة متعثرة. فالدولة معنية بحماية المعرفة والوظائف، لكنها مسؤولة أيضاً عن توجيه موازنتها الدفاعية إلى احتياجات فعلية. وإذا أصبحت حماية المصنع هي التي تحدد مشتريات الجيش، فقد ينتهي الأمر إلى شراء معدات لا يحتاج إليها. وتحد من هذا الخطر ضوابط التعاقد والمحاسبة، من دون إهمال القيمة الإستراتيجية للصناعة الوطنية. وهذا التمييز، في تقديري، ضروري عند بناء الصناعات الوطنية في منطقتنا، إذ ينبغي أن يشمل تقييم المشروع الخبرة التي يراكمها، وشبكة الموردين التي ينميها، وقدرة العاملين فيه على صيانة ما ينتجونه وتطويره، فقد تكون ورشة متخصصة تخدم قطاعات متعددة أقدر على البقاء ونقل المعرفة من مشروع ضخم يعتمد على طلبات حكومية وحدها، ولذلك ينبغي أن تُقاس قيمة الشراكات الصناعية بما تتركه من قدرة على العمل والتطور. الرأي الأخير … بهذا المعنى، يتصل أمن الدولة بكفاءة اقتصادها المدني، فالصناعة القادرة على المنافسة تحفظ المهارات وتوسع الخيارات المتاحة للدفاع، بينما قد تخفي العقود الحكومية ضعفاً في المنافسة وتؤخر معالجته، ومن أراد قوة تدوم، فليسأل عمَّا يصنعه اقتصاده حين تسكت المدافع. "قوة الدولة تبدأ بقدرتها على الإنتاج" إلى اللقاء في رأي آخر،،،

249

| 30 سبتمبر 2026

سمو الأمير المفدى.. قيادة على منبر الأمم المتحدة

حين وقف سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أمس على منبر الأمم المتحدة، كانت وراءه دولة اختارت أن تتحمل نصيبها من مسؤولية السلام في منطقة أثقلتها الحروب. وهذا الاختيار هو ما يمنح الحضور القطري معناه؛ فالكلمة تأتي مسنودة بمفاوضات خاضتها الدوحة، وبأبواب أبقتها مفتوحة بين خصوم، وبمواقف ثبتت عليها حين صار الثبات مكلفاً. ولقد استوقفني، في تتابع مشاركات سمو الأمير المفدى أمام الجمعية العامة، ذلك الإصرار على وضع العالم أمام المسافة بين ما يعلنه من مبادئ وما يقبله من وقائع. فسيادة الدول لا تحتمل أن تُصان هنا وتُستباح هناك، وحقوق الشعوب تفقد معناها إذا أصبح الاعتراف بها رهناً بهوية من ينتهكها. وفي تقديري أن شجاعة سموه تتجلى في تحمّل تبعات هذا النهج؛ الدفاع عن سيادة قطر وأمن أهلها، والإصرار على إنقاذ الأرواح وصون كرامة الإنسان، مهما اشتدت الضغوط وتعقدت سبل التفاهم. وهذه معادلة شاقة. إذ يستطيع صاحب الموقف أن يعلن اعتراضه ثم ينصرف، أما من يتصدى للوساطة فعليه أن يعود إلى الطاولة، وأن يحاور من يختلف معه، وأن يبحث عن منفذ في جدار يعرف صلابته. وهنا تظهر حكمة سيدي صاحب السمو في الجمع بين صراحة الموقف وصبر المسعى، بحيث تبقى المبادئ ضابطة للحركة، وتبقى الدبلوماسية قادرة على التحرك. وقد دخلت قطر الأمم المتحدة عام 1971، متمسكة بحق الدولة المستقلة في السيادة والمساواة بين الأمم. وعلى امتداد تجربتها اتسعت قدرتها على الإسهام، حتى أصبحت الدوحة مقصداً حين تتعطل قنوات الاتصال. وفي عهد سمو الأمير المفدى ترسخ هذا الدور، وأصبح لقطر موقع يتحدد بما تستطيع أن تنهض به من مسؤوليات، وبالثقة التي تبنيها عبر العمل المتواصل. وفي غزة يظهر ثقل تلك المسؤولية. فقد عملت قطر مع مصر والولايات المتحدة على التهدئة وتبادل الأسرى والمحتجزين وإيصال المساعدات. وراء هذه العبارات الدبلوماسية بشر عادوا إلى أهلهم، وأرواح أمكن إنقاذها. لكن السؤال الذي يبقى هو: أي مستقبل ينتظر الفلسطيني بعد نجاته؟ ومن هنا فإن إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية أساس للسلام؛ أما مطالبة المنطقة بالتعايش مع حرمان شعب من حقوقه، فتعني ترك أسباب الانفجار قائمة ثم الاستغراب من عودته. وحين تعرضت الدوحة للاعتداء الإسرائيلي في سبتمبر من العام الماضي، انكشفت أمام العالم كلفة الدور الذي تؤديه قطر. فقد امتدت الحرب إلى أرض الوساطة نفسها. وهنا يكتسب الإصرار على صون السيادة ومواصلة السعي إلى السلام دلالته؛ فالقيادة مطالبة بأن تحمي وطنها، وأن تحسن تقدير الخطوة التالية، وألا تترك للمعتدي سلطة تحديد خياراتها. أما التوترات مع إيران، فهي واقع يتطلب معالجة سياسية تحفظ سيادة قطر ودول الخليج وأمن شعوبها. وقد أتاحت الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران تفاهمات في ملفات معقدة. ولا سبيل إلى استقرار دائم دون تسوية سلمية تعالج أسباب التوتر، وتقوم على احترام السيادة وعدم التدخل، والتزامات واضحة تصون الحقوق وتمنع تكرار الأزمات. الرأي الأخير إن ما يقوده سيدي صاحب السمو يحمل منفعة تتجاوز منطقتنا؛ فأمن الخليج يتصل بمعيشة العالم، وبطاقته وتجارته. ولنا، نحن القطريين، أن نعتز بقيادة جعلت استقلال وطننا قدرة على الفعل، وجعلت عزيمته على السلام موضع احترام. فالسلام يُمتحن حين تنطفئ أضواء المنابر، ويعود المفاوضون إلى أصعب المسائل. وهناك يتضح من اكتفى بإعلان رغبته في السلام، ومن امتلك الشجاعة والحكمة ليحمل مسؤوليته. ”يصنعُ السلامَ ثباتُ الرجال“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

243

| 23 سبتمبر 2026

حين يُحمى الخطأ.. الجهل في موقع القرار

أراد أصحاب مكاتب البريد في بريطانيا أن يثبتوا أنهم لم يسرقوا، فوجدوا أنفسهم مطالبين بما هو أصعب، أن يقنعوا المؤسسة التي تتهمهم بأنها يمكن أن تكون على خطأ، وكان ذلك، كما تكشف أوراق القضية، عملاً شاقاً امتد سنوات. والمقصود هنا مؤسسة البريد البريطانية، التي تشرف على شبكة مكاتب البريد، ويُدير كثيراً من فروعها أصحاب أعمال صغيرة بموجب عقود معها، يقدمون للجمهور خدمات البريد وبعض المعاملات المالية، وفي عام 1999 بدأت المؤسسة إدخال برنامج محاسبة اسمه «هورايزن»، لتسجيل الأموال الداخلة والخارجة، ثم ظهرت في حساباته مبالغ ناقصة، كأن مالاً تسلمه أصحاب المكاتب قد اختفى. طالبت المؤسسة هؤلاء بتسديد النقص، وتمسكت بصحة حسابات البرنامج رغم شكاواهم من وجود خلل فيه، وتوالت الملاحقات القضائية خلال السنوات التالية، فأُدين مئات الأشخاص ظلماً، وحُمّل آلاف آخرون خسائر وهمية، وفي عام 2019، أيدت أحكام قضائية اعتراضات أصحاب المكاتب على موثوقية النظام، بعد معركة طويلة خاضوها لإثبات ما كانوا يقولونه. ولقد استوقفني في المجلد الأول من تقرير التحقيق الرسمي في القضية، الصادر في يوليو 2025، أن عدداً من موظفي البريد كانوا يعلمون، أو كان ينبغي أن يعلموا، أن النظام يستطيع إنتاج بيانات خاطئة، ومعنى ذلك أن أسباب الشك كانت متاحة داخل المؤسسة نفسها، وأن استمرارها في إنكار الخلل يحتاج إلى تفسير يتجاوز أعطال الكمبيوتر. وفي تقديري أن التفسير يبدأ من الموضع الذي اختلطت فيه هيبة المؤسسة بصحة روايتها، فالتسليم باحتمال الخطأ كان يفتح باباً على اتهامات سابقة، وعلى مسؤولية من وجهوها، وكلما اتسعت القضية، ازدادت تبعات المراجعة، وأصبح الدفاع عن الموقف القديم يحمل معه دفاعاً عن مواقع ومصالح. والموظفون يفهمون ما يُطلب منهم، ولو لم يصدر به تعميم، فهم يتذكرون ما جرى لاعتراض سابق، وكيف عومل صاحبه، ويعرفون من هذه التجربة مقدار ما يستطيعون قوله، وقد ينتهي الأمر إلى أن يستشهد المدير بإجماع صنعته رغبة الجميع في تجنب خلاف معه، وعندئذ تغدو ثقته في تقديره نتيجة طبيعية لما سمح له بأن يصل إليه. هذا، فيما أظن، هو الجهل الذي ينبغي أن نخشى اقترانه بالثقة العمياء، جهل يستطيع صاحبه أن يتعلم، وتتوفر أمامه وسائل المعرفة، ثم يكتفي بما يطمئنه إلى صواب موقفه، وقد يكون ذا اختصاص وخبرة، وتكون له سابقة نجاح أغرته بأن يقيس عليها كل ما يأتي بعدها، فإذا حمل هذا الاطمئنان إلى موقع القرار، اتسعت دائرة من يتحملون تبعاته، وربما كانوا أقل الناس قدرة على الاعتراض عليه. وأمامنا الآن أرقام تكشف بعض هذه التبعات، فقد أعلنت الحكومة البريطانية في الحادي عشر من سبتمبر 2026 أن المدفوعات للمتضررين قاربت ملياراً وسبعمائة مليون جنيه إسترليني حتى الثامن والعشرين من أغسطس، ووصلت إلى أكثر من ثلاثة عشر ألفاً وخمسمائة مطالب بالتعويض، وهذه حصيلة مالية يمكن مراجعتها، أما الأعوام التي قضاها الأبرياء يدافعون عن أمانتهم، فلا سبيل إلى ردها إليهم. الرأي الأخير ولعل هذا ما ينبغي أن يبقى حاضراً ونحن نوسع اعتماد مؤسساتنا على الأنظمة الرقمية، فالقرار يصل إلى صاحب الشأن حاملاً سلطة الجهة التي أصدرته، ويحتاج الاعتراض عليه إلى من يملك فحص أساسه وتغييره، وتلك مسؤولية تزداد حين تضطر الإدارة إلى الحسم بمعلومات ناقصة، إذ يصبح الاستعداد للمراجعة جزءاً من أداء الواجب، ويكون الاعتراف بالخطأ في حينه أهون على المؤسسة من أن تضطر إلى الإقرار به بعد سنوات. ”من آفات زماننا أن يقترن الجهل المطلق بالثقة العمياء“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

210

| 16 سبتمبر 2026

لن ننسى 9/9! السيادة في مواجهة الإرهاب

في التاسع من سبتمبر 2025، استُشهد الوكيل عريف بدر سعد الدوسري وهو يؤدي واجبه في موقع الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، ومنذ ذلك اليوم، صار 9/9 جزءاً من ذاكرتنا الوطنية، تاريخاً نقرأ فيه اسم شهيدنا، وحرمة أرضنا، وحقنا في رفض ما يُفرض علينا، لم تكن قطر طرفاً مقاتلاً في الحرب التي حاولت إيقافها، لكن إسرائيل نقلت نارها إلى بلد الوساطة. كان هجوماً إرهابياً نفذته إسرائيل بأدوات الدولة وإمكاناتها، واستهدف مقراً سكنياً يضم وفد حماس المفاوض، لم يكن الاعتداء على قطر حادثاً منفصلاً عن السياسة الإسرائيلية في المنطقة، فقد حمل منطقاً واحداً، أن تتحول القوة إلى ترخيص مفتوح للقتل، وأن تصبح سيادة الآخرين قابلة للتجاوز متى عرقلت الحسابات الإسرائيلية، واستهداف الوسيط يعني إخضاع طريق التفاوض نفسه لمنطق النار. ومن هنا أقرأ الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج العربي، فغزة هي نواتها السياسية، وبداية انفجارها الإقليمي، ومحفّز اتساعها، وفي غزة يكمن أيضاً مفتاح إنهائها، حين تُترك الإبادة مستمرة، وتُمنح القوة الإسرائيلية حصانة من المحاسبة، تتسع دوائر النار ويتراجع معنى الحدود، لكل طرف حساباته ومسؤوليته، لكن نقل الأنظار إلى الجبهات الجديدة لا يغيّر موضع الجرح الذي انفتح منه هذا المسار. لقد كشف استهداف الدوحة كيف ينتقل الإفلات من العقاب من الداخل الفلسطيني إلى النظام الإقليمي، فإذا أمكن قصف من يستضيف التفاوض، تراجعت الثقة في جدوى الوساطة، واتسعت مساحة من يرون في القوة وحدها طريقاً لتحقيق أهدافهم، بهذا المعنى، كان 9/9 إنذاراً سياسياً بما يصيب المنطقة حين تُترك إسرائيل تحدد بنفسها حدود الحرب وحدود القانون. والإرهاب الذي تمارسه إسرائيل لا يأتي بصورة واحدة، في غزة قصف وتجويع وتدمير لشروط الحياة، وفي الضفة الغربية عنف المستوطنين وترهيب الفلسطينيين لاقتلاعهم من أرضهم، تختلف الوسائل، وتلتقي في تحويل الخوف إلى أداة لفرض الإرادة السياسية ودفع الناس إلى الرحيل، وما أصاب الدوحة يضعنا أمام امتداد هذا المنطق خارج فلسطين، حين لم تعد حتى دولة الوساطة بمنأى عنه. غير أن استهداف قطر لم يمنح المعتدي حق تقرير مستقبلها، لقد تحمّلنا الصدمة، وأظهرنا صلابة مجتمعنا وقدرة مؤسساتنا على العمل تحت الضغط، وخلال الهجمات الإيرانية هذا العام، تصدت قواتنا المسلحة لصواريخ ومسيّرات استهدفت البلاد، كما أعلنت وزارة الدفاع في أبريل، تلك قدرة تحمي وطناً، وموقف لا يجزّئ السيادة بحسب هوية المعتدي، فما نرفضه من إسرائيل لا نقبله من غيرها، وأرض قطر ليست ساحة متاحة لتصفية حسابات الآخرين، ومعنى الصمود عندنا أن تبقى حياة المواطنين والمقيمين مصونة، وأن يظل المجتمع قادراً على العمل والبناء، لا أسير انتظار الضربة التالية. والاعتزاز بهذه القوة لا يعفينا من تعميقها، فصون الوطن عمل مستمر، في الجاهزية العسكرية، وتماسك القرار، وحماية المرافق، والثقة بين الدولة والمجتمع، قوة قطر أن تجمع بين القدرة على الدفاع والإرادة المستقلة في صنع السلام، وأن يظل قرارها نابعاً من مصالحها وقيمها، لا مما يريد المعتدي أن يفرضه عليها بالخوف. الرأي الأخير ولهذا، لن يستقر الإقليم ما دام إرهاب الدولة أداة معتمدة في السياسة الإسرائيلية، وما دام قتل الفلسطينيين وتهجيرهم يُعاملان باعتبارهما تفصيلاً يمكن تجاوزه إلى صفقة أخرى، وقف النار في الخليج العربي ضرورة، لكن السلام الأوسع يحتاج إلى وقف الإبادة في غزة، وكبح إرهاب المستوطنين، ومساءلة من يستبيح السيادات، وإلا بقيت التهدئات عرضة للانهيار. سيبقى 9/9 في ذاكرتنا، لا ليحكم الخوف مستقبلنا، وإنما ليبقى دفاعنا عن قطر أقوى من كل محاولة لإخضاعها. ”للأوطان ذاكرة لا تُقصف“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

408

| 09 سبتمبر 2026

أربع عشرة دقيقة

في صباح عادي بمدرسة «تريبهوفان تريشولي» في نيبال، تلقى محاسب المدرسة اتصالاً من قريب له يقيم في منطقة تقع أعلى النهر. لم يحمل الاتصال تقريراً علمياً، ولا إنذاراً صادراً عن غرفة عمليات. كان مجرد تحذير عاجل من كتلة هائلة من الماء والطين تتقدم نحوهم. امتلكت الإدارة أربع عشرة دقيقة، فأوقفت الدراسة، وأعادت الحافلات التي كانت في الطريق، وأجلت أكثر من تسعمائة طالب وستة عشر موظفاً. وبعد قليل ابتلع السيل المدرسة، وبقي الذين غادروها شهوداً على قيمة وقت قصير استُخدم جيداً. في بقية البلاد، لم تكن تلك الدقائق متاحة للجميع. فقد أدى انهيار جليدي في جبال الهيمالايا إلى إطلاق طوفان من الجليد والصخور والطين عبر وادٍ يتقاسم حدوده مع الصين. قُتل قرابة ألف شخص، وفُقد الآلاف، ودُمرت قرى وجسور وطرق ومحطات لتوليد الطاقة. وحين وصلت فرق الإنقاذ، كانت تبحث عن أحياء داخل أنفاق غمرها الوحل، وعن طرق اختفت تحت جغرافيا جديدة صنعتها الكارثة في ساعات. لم تكن المنطقة مجهولة الخطر. قبل ثلاثة أشهر، اجتمع مسؤولون وخبراء من نيبال والصين لمناقشة مراقبة الأنهار والجليد والفيضانات. طلب الجانب النيبالي مزيداً من البيانات عن حركة الأنهار الجليدية ومستويات المياه، فيما قالت بكين إنها قدمت المعلومات المتاحة في الوقت المناسب. ليست القضية هنا توزيع اللوم على طرف بعينه، ولا الادعاء بأن كل كارثة يمكن التنبؤ بها. القضية أن الخطر العابر للحدود لم يجد بعد منظومة إنذار تعبر الحدود بالسرعة نفسها. لقد اتسع مفهوم الأمن كثيراً، لكن مؤسسات الدول لا تزال تميل إلى قياسه بما يمكن رؤيته وعدّه من الجنود والمنظومات والحواجز. أما الإنذار المبكر فيعامل أحياناً كخدمة فنية، مع أنه في حقيقته بنية أساسية للأمن الوطني. فالمعلومة لا تنقذ أحداً بمجرد وجودها. لا بد أن تُرصد، ثم تُفهم، ثم تصل إلى صاحب القرار، ثم تتحول إلى أمر يمكن تنفيذه ويثق الناس به. وإذا تعطلت حلقة واحدة، أصبح أكثر أجهزة الرصد تطوراً شاهداً دقيقاً على كارثة لم يمنعها. وهذا ما جعل قصة المدرسة النيبالية أبلغ من أرقام الخسائر وحدها. لم تمنع المكالمة انهيار الجليد، ولم توقف السيل، لكنها صنعت مسافة بين الخطر وضحاياه. وفي إدارة الأزمات، قد تكون هذه المسافة أهم ما تملكه الدولة. فالوقت ليس مجرد ظرف يسبق الكارثة، بل قدرة إستراتيجية يمكن إنتاجها بالبيانات والتنسيق والتدريب. وللدرس صداه في الخليج العربي. فالمنطقة تواجه أخطاراً لا تستأذن الحدود، من الطقس المتطرف والسيول إلى أمن المياه والطاقة والمنشآت الحيوية. وفي منطقة تعتمد مدنها على التحلية وشبكات مترابطة للطاقة والموانئ، قد تتحول دقائق التوقف سريعاً من عطل في مرفق إلى أزمة تمس الحياة اليومية. وقد يقع الخلل في دولة بينما تظهر آثاره في أخرى، أو تبدأ الإشارة في البحر قبل أن تصل إلى اليابسة. لذلك لا يكفي أن تمتلك كل دولة أجهزة إنذار متقدمة، إذا ظلت المعلومات موزعة، وبروتوكولات الاستجابة مختلفة، وصلاحيات القرار أبطأ من الخطر. الرأي الأخير … الأمن الحقيقي لا يعني القدرة على منع كل تهديد، فبعض الأخطار أكبر من أن تُمنع. لكنه يعني ألا تصل الدولة إلى الكارثة بعد أن تكون إشاراتها قد وصلت إليها. وفي عصر المخاطر السريعة، لا تقاس قوة الدولة بما تعرفه بعد الكارثة، بل بالدقائق التي تكسبها قبلها. "الخطط لا شيء، ولكن التخطيط.. كل شيء" — دوايت أيزنهاور إلى اللقاء في رأي آخر،،،

660

| 02 سبتمبر 2026

السلام بعد التوقيع.. من الدوحة إلى الميدان

لم يكن أهم ما جرى هذا الأسبوع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية توقيع اتفاق جديد، ولا مصافحة أخرى أمام الكاميرات. كان الحدث أقل صخباً، لكنه أبعد أثراً. فقد وصلت إلى منطقة مينمبوي أول بعثة ميدانية لمراقبة وقف إطلاق النار بين الحكومة الكونغولية وتحالف نهر الكونغو وحركة «إم 23»، في إطار المسار الذي رعته الدوحة. وهكذا غادر الاتفاق قاعة التفاوض، ودخل للمرة الأولى جغرافيا النزاع. تبدو المسافة بين الدوحة وشرق الكونغو بعيدة، غير أنها أقصر من المسافة التي تفصل عادة بين إعلان السلام وصناعته. فالتوقيع قد ينهي جولة من التفاوض، لكنه لا ينهي بالضرورة جولة من القتال. وبين النية والتنفيذ تتراكم التفاصيل التي انهارت عندها اتفاقات كثيرة، لا لأن أطرافها رفضت السلام علناً، وإنما لأنها اختلفت على معنى الالتزام، وعلى تحديد الخرق، وعلى الجهة التي تملك إثباته. والصراع في شرق الكونغو ليس طارئاً يمكن احتواؤه بتسوية عابرة. إنه حصيلة عقود من الانقسامات، وتداخل الحدود، وتنافس القوى المحلية والإقليمية، والصراع على الثروة المعدنية، فضلاً عن ذاكرة مثقلة بالعنف والنزوح. وفي نزاع بهذه الطبقات، لا تكفي براعة الصياغة. فالوثيقة تحدد ما ينبغي فعله، لكنها تحتاج إلى عين ترى ما يجري، وآلية تسجل الخروق، وسياج يمنع الحادث المحدود من أن يتحول إلى ذريعة لحرب جديدة. هنا تكتسب بعثة المراقبة معناها السياسي. فهي ليست ملحقاً فنياً بالاتفاق، وإنما أداته العملية. وجود ممثلين عن الأطراف ومراقبين إقليميين، واعتماد منهج موحد لتلقي ادعاءات الخروق والتحقق منها، يهيئ مرجعاً مشتركاً للوقائع. ففي الحروب الطويلة لا يقتصر الخلاف على الحل، بل يمتد إلى تعريف ما حدث أصلاً. وحين تغيب الحقيقة المشتركة، تتحول كل رواية إلى سلاح آخر. ثم إن المراقبة تمنح الأطراف مورداً بالغ الأهمية هو الوقت. فبدلاً من أن تفرض كل حادثة رداً فورياً، تتيح آلية التحقيق مجالاً للتثبت والاتصال والتراجع عن التصعيد. وفي بيئة يسودها الشك، يصبح إبطاء رد الفعل إنجازاً في ذاته، لأن حروباً كثيرة لم تبدأ بقرار محسوب، بل بسلسلة اتهامات لم تجد مرجعاً يفصل بينها. ولا تكمن أهمية المسار الذي رعته قطر في جمع الخصوم حول طاولة واحدة فحسب، وإنما في انتقاله من التوافق العام إلى إجراءات قابلة للقياس، من مراقبة وقف النار إلى معالجة ملف المحتجزين، ومن إعلان المبادئ إلى خريطة طريق للتنفيذ. عند هذه النقطة تخرج الوساطة من حدود المناسبة الدبلوماسية، وتصبح مسؤولية مستمرة بعد انفضاض الاجتماعات ومغادرة الكاميرات. ومع ذلك، لا ينبغي تحميل البعثة أكثر مما تحتمل. وصولها لا يعني أن السلام قد تحقق، فالقتال لم يختف، والمصالح الخارجية لم تتراجع، وملايين المدنيين لا يزالون يدفعون ثمن صراع لم يصنعوه. تستطيع المراقبة توثيق الخرق، لكنها لا تستطيع منع من عقد العزم على خرق الاتفاق. وتستطيع الوساطة فتح الطريق، لكنها لا تستطيع السير فيه نيابة عن أطرافه. ذلك هو الحد الفاصل بين دور الوسيط ومسؤولية المتفاوضين. فالوسيط يهيئ مساحة ممكنة للسلام، ويقلل فرص سوء الفهم، ويبني أدوات للمساءلة، لكنه لا يمنح الإرادة السياسية لمن يفتقدها. ومن ثم، لا يُقاس نجاح الوساطة بعدد الاتفاقات الموقعة، وإنما بقدرة تلك الاتفاقات على احتواء الأزمات حين تتعرض لاختبارها الأول. الرأي الأخير ما جرى في شرق الكونغو خطوة محدودة في نزاع كبير، لكنه يعيد التذكير بحقيقة تضيع كثيراً وسط مراسم التوقيع. الاتفاق يُكتب في قاعة، أما السلام فلا يثبت إلا حين يصمد خارجها. ”الاتفاق وعد، والسلام وفاء“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

279

| 25 أغسطس 2026

الردع الخوارزمي.. الخليج أمام حرب الآلة

في الحرب الدائرة الآن بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد المسيّرات هامشا في المشهد، ولا مجرد سلاح مساعد. فقد هاجمت قواعد وموانئ ومنشآت ومسارات بحرية، وفرضت على دول الخليج العربي حالة استنفار متصلة. وبعضها أصاب، وأسقطت الدفاعات كثيرا منها، لكن أثرها لا يقاس بما دمرته وحده. فقد أجبرت منظومات دفاع باهظة الكلفة على مطاردة أهداف أرخص منها بمراحل، وحولت السماء إلى ساحة اختبار دائم لقدرة الدولة على الرصد والقرار والاعتراض. والدرس بالنسبة إلى الخليج ليس أن الدفاعات التقليدية فقدت قيمتها. لقد أثبتت تلك الدفاعات، مدعومة بصلابة إرادة شعوب المنطقة وكفاءة مؤسساتها، أنها الحاجز الأول أمام الخطر. لكن الحرب كشفت أيضا أن الصاروخ الاعتراضي والرادار، مهما بلغا من التطور، لن يكونا وحدهما كافيين في مواجهة أسراب رخيصة، متغيرة المسارات، تعمل وسط التشويش وتستنزف المخزون والوقت. وفيما كانت سماء المنطقة تواجه هذا الواقع، كانت تجربة أخرى تجري فوق صحراء موهافي. هناك أطلقت المسيّرة «واي إف كيو-44 إيه» صاروخا جو-جو في اختبار حي. الطائرة من إنتاج شركة «أندوريل»، التي شارك بالمر لوكي في تأسيسها، ولم يكن يقودها طيار من الأرض. تولت برمجيات الذكاء الاصطناعي قيادة الطائرة ومناورتها وإدارة تفاصيل المهمة، بينما بقي قرار استخدام السلاح بيد الإنسان. وهنا يقع التحول الحقيقي. فالطيار لم يعد يقود الآلة، وإنما يشرف على عقلها. قد تكون «أندوريل» بين الشركات التي ستقود هذا المجال، لأنها بنت مشروعها على أن البرمجيات هي مركز السلاح لا ملحق به. لكنها لن تبقى وحدها. فالولايات المتحدة والصين وروسيا ودول أوروبا تتسابق في تطوير المنصات الذاتية والقيادة الخوارزمية، وسوف تدخل شركات أخرى، عالمية ووطنية، إلى ميدان لم يعد حكرا على الصناعات العسكرية التقليدية. بالنسبة إلى دول الخليج العربي، يعني ذلك أن مستقبل الدفاع لن يكون شراء مزيد من المنظومات فحسب، بل بناء شبكة دفاعية تفكر بالسرعة التي تتحرك بها الأخطار، تقودها خوارزميات تدمج بيانات الرادارات والمستشعرات، تميز بين الهدف والخداع، ترتب الأولويات، وتختار وسيلة الاعتراض الأنسب والأقل كلفة. فالمعركة المقبلة لن تكون بين صاروخ وطائرة، بل بين نظامين للمعرفة والقرار. ولهذا تصبح الصناعة الوطنية جزءا من الردع، لا مجرد عنوان اقتصادي. وما تقوم به مؤسسات مثل «إيدج» و«سامي» و«برزان» يشير إلى بداية مسار خليجي يمكن أن يتوسع من التوطين إلى الابتكار. المطلوب ليس نسخ «أندوريل»، وإنما بناء قدرة محلية تمتلك البيانات والشفرة والخبرة وميدان الاختبار، وتستطيع تطوير أنظمتها في بيئة المنطقة، لا وفق افتراضات صممت في مكان آخر. غير أن السرعة تحمل خطرها. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف نمط، لكنها لا تفهم دائما معنى الاستسلام، ولا تميز بالضرورة بين حركة مدني مذعور وسلوك عدائي. ومع ضغط الزمن قد يتحول الإنسان داخل دائرة القرار إلى مجرد مصادق على توصية جاهزة. وعند الخطأ، تتوزع المسؤولية بين القائد والمشغل والمبرمج والشركة حتى يصبح تحديد المسؤول أصعب من تحديد الهدف. لذلك يجب أن يتقدم التقدير البشري والمساءلة مع التقنية، لا خلفها. وفي هذا السباق، لا تزال القواعد الدولية أبطأ من السلاح. فالعالم لم يتفق بعد على قيود ملزمة، فيما تطالب اللجنة الدولية للصليب الأحمر بحظر الأنظمة غير القابلة للتنبؤ وتلك المصممة لاستهداف البشر. وهذه ليست دعوة إلى تعطيل التكنولوجيا، بل إلى منعها من إلغاء المسؤولية الإنسانية. الرأي الأخير سوف تنتهي هذه الحرب يوما، لكن ما كشفته سيبقى. الدفاع التقليدي ضرورة للحاضر، أما ردع المستقبل فسوف تصنعه الخوارزمية والصناعة الوطنية والإنسان القادر على إبقاء القرار الأخير في يده. ”لا تصنع السرعة صواب القرار“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

432

| 22 يوليو 2026

الغروب الذي أبقى الضوء.. رحل مؤسس نهج الوساطة وبقي أثر سموه رحمه الله

في سيرة القادة، يسهل إحصاء ما شيدوه، ويصعب تقدير ما غيروه في موقع الدولة ومعناها. ومن هنا يبدو إرث فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أوسع من منجزات العمران وأبعد من أرقام النهضة. ففي عهده لم تتبدل ملامح وطننا فحسب، بل تبدلت مكانته ووظيفته السياسية. وأصبحت الدوحة مقصدا للمتخاصمين حين تضيق أمامهم سبل التسوية. لم يتعامل المغفور له مع السلام بوصفه زينة أخلاقية للخطاب، ولا مع الوساطة باعتبارها استجابة عابرة لأزمة طارئة. رأى في السلام مجالا من مجالات القوة، وفي الوساطة وظيفة من وظائف الدولة. وكان يدرك أن الدول لا تقاس باتساع رقعتها وحده، بل بقدرتها على أن تكون نافعة في محيطها، موثوقة لدى شركائها، وقادرة على فتح الأبواب التي تغلقها الخصومة. ومن هذا الإدراك تبلورت ملامح عقيدة الوساطة القطرية التي أصبحت ركنا في سياستنا الخارجية. لم تكن تلك العقيدة نصا معلنا بهذا الاسم، وإنما نهجا تراكمت عناصره في الممارسة. يبدأ الحوار قبل أن تبلغ القطيعة مداها، وتبقى قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، مع التمييز الصارم بين محاورة الخصم وتبني موقفه. ثم يأتي الصبر على تفاوض طويل، وربط التسوية السياسية ببناء الثقة والإغاثة وإعادة الإعمار. هكذا غدت الوساطة عملا من أعمال سياستنا الخارجية، لا مجاملة دبلوماسية، ولا حيادا باردا بين الحق والباطل. وكان وراء هذا النهج فهم دقيق لمعضلة دولة في إقليم مضطرب. فالجغرافيا التي تبدو قيدا يمكن أن تصبح موقعا للوصل، والثروة التي قد تستهلك في الحماية وحدها يمكن أن توظف في بناء النفوذ، والسياسة التي تنكفئ خلف حدودها تستطيع أن تصنع لنفسها مجالا أوسع من تلك الحدود. لم يطلب الأمير الوالد - رحمه الله - لوطننا حجما غير حجمه، بل صنع له دورا يليق بإمكاناته وإرادته. في لبنان، أفضت استضافة الفرقاء إلى اتفاق الدوحة عام 2008. وفي دارفور، انتهت وساطة امتدت أكثر من عامين إلى وثيقة الدوحة للسلام عام 2011. وبين جيبوتي وإريتريا، وفي ملف المصالحة الفلسطينية، ثم في فتح الطريق أمام الحوار بين الولايات المتحدة وطالبان، اختلفت النزاعات والأطراف، لكن القاعدة بقيت واحدة. لا سلام من دون باب مفتوح، ولا اتفاق من دون وسيط يملك ثقة أطراف لا يثق بعضها ببعض. ولعل الإنجاز الأعمق لم يكن نجاح وساطة بعينها، بل نقل الوساطة من مبادرة يقودها الحاكم إلى نهج تتبناه الدولة. لذلك لم ينته هذا الدور بتسليم الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 2013، بل اتسع وترسخ في عهد سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى. هنا يظهر الفارق بين أثر شخصي وإرث سياسي. الأول يرتبط بصاحبه، أما الثاني فيواصل العمل بعده. ولم يقم هذا النهج على تصور سطحي للسلام. فقد عرف فقيد الوطن الكبير أن المفاوضات لا تدار بالنوايا وحدها، وأن الوسيط يحتاج إلى استقلال في القرار، ومصداقية في القول، وقدرة على الوفاء بما يقدمه من ضمانات. وعرف كذلك أن الحوار لا يلغي الموقف، وأن الانفتاح على الخصم لا يعني التسليم بروايته. فالوساطة الحقيقية لا تمحو الفوارق بين الأطراف، وإنما تمنع تلك الفوارق من إغلاق الطريق إلى السياسة. الرأي الأخير برحيل سموه، فقد وطننا قائدا بنى نهضته الحديثة، وفقدت المنطقة رجلا جعل من التسوية عملا سياسيا ممكنا وفقد العالم عملاقا آمن بالسلام مقصدا، فبقي العمران شاهدا على زمنه، وبقيت الاتفاقات صفحات في سجل السياسة، أما إرثه الأبعد فهو أن الدوحة أصبحت مكانا ممكنا للكلمة حين تستنفد الحروب كلماتها. لم يترك اتفاقات حملت اسم الدوحة فحسب، بل ترك للدوحة معنى لن ينساه العالم أبدا. ”ليس الغروب نهاية الضوء، حين يصبح النور نهجا“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

411

| 15 يوليو 2026

لبنان والساحة.. قرار مؤجل أم سيادة ناقصة

في كل مرة يقال إن لبنان مقبل على مرحلة جديدة، يبدو كأن قرار تلك المرحلة لا يُصنع في بيروت. يُصاغ تارة في تل أبيب، وتارة في طهران، وتارة في واشنطن، وأحيانا في عواصم عربية تحمل للبنان مودةً صادقة، لكنها لا تملك دائما القدرة على تحويل المودة إلى فعل سياسي مؤثر. وهكذا طال مَقام لبنان في مأزق دولة تملك الاسم والعلم والنشيد والحدود، لكنها لا تملك قرارها كاملا. الدولة حاضرة في الشكل، لكنها تغيب عند لحظة الحسم، حين تصبح قرارات الحرب والسلم أكبر من مؤسساتها، وأقرب إلى إرادات الخارج منها إلى إرادة الداخل. وليست علة لبنان أنه بلد صغير. فالصغر في السياسة لا يكون ضعفا إذا عرفت الدولة حدود قدرتها، وحمت مؤسساتها، وصانت إرادتها. دول صغيرة كثيرة استطاعت أن تجعل من محدودية المساحة وضوحا في السياسة، ومن ضيق الجغرافيا اتساعا في الدور. علة لبنان أن حقه الطبيعي في أن يكون دولة مكتملة القرار ظل منقوصا، ومؤجلا، ومعلقا على حسابات لا تصنع في الداخل اللبناني وحده. على أرض لبنان تزاحمت - عبر سنوات طويلة - المخاوف الإسرائيلية، والنفوذ الإيراني، والحسابات الأميركية، والانقسامات العربية، حتى كاد السؤال الأول يغيب عن المشهد. ماذا يريد اللبنانيون لأنفسهم؟ وهو سؤال يفترض أن يكون بداية كل مشروع وطني، لكنه في الحالة اللبنانية تحول إلى ترف سياسي، لأن الآخرين اعتادوا أن يسبقوا اللبنانيين إلى الإجابة عنه. لا يصح اختزال المأساة اللبنانية في سلاح حزب الله وحده، وإن صار هذا السِّلاح عنوانا ظاهرا لأزمة السيادة. ولا يصح اختزالها في الاعتداءات الإسرائيلية وحدها، وإن كانت إسرائيل قد تعاملت مرارا مع الجنوب اللبناني كمساحة أمنية مفتوحة، لا كأرض دولة لها حدود وناس وكرامة. الخطر الأعمق يبدأ حين تصبح السيادة موضع تفاوض بين الخارج والخارج، لا حقا أصيلا لأصحاب الأرض. وأي اتفاق يطلب من لبنان أن يفعل ما لا تملك دولته القدرة على فعله، ثم يجعل انسحاب قوة أجنبية مشروطا بتحقق المستحيل، لا يصنع سلاما. إنه يؤجل الانفجار، وربما ينقله من الحدود إلى الداخل. فالجيش اللبناني لا يستطيع أن يكون، في لحظة واحدة، أداة إنقاذ ووقودا لحرب أهلية جديدة. والدولة التي يراد لها أن تستعيد احتكار السلاح تحتاج إلى إجماع وطني، ورعاية عربية جادة، وضمانات دولية واضحة، لا إلى ورقة شروط تُلقى فوق طاولة منهكة. لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة باسم الإنقاذ. يحتاج إلى ترتيب سياسي وأمني يعيد إلى الدولة معناها. وهذا يقتضي أن يخرج النفوذ الخارجي من صلب القرار اللبناني، لا أن يستبدل نفوذ بنفوذ. ويقتضي كذلك أن يدرك العرب أن لبنان ليس ملفا إنسانيا يفتح عند الكوارث، ولا ذكرى جميلة تُستدعى عند الأزمات، بل اختبار سياسي لمبدأ طالما تكرر في الخطاب العربي، وهو أن الدولة، مهما ضعفت، لا يجوز أن تتحول إلى ساحة. لقد دفع لبنان ثمنا باهظا لأنه كان دائما أوسع من حجمه في حسابات الآخرين، وأضيق من حقه في أيدي أبنائه. أراده البعض جبهة، وأراده البعض منصة، وأراده البعض الآخر ورقة تفاوض. أما هو، فيريد ببساطة أن يكون بلدا عاديا، وتلك في حالته أمنية كبرى. مؤسسات تعمل، وحدود تحترم، ومواطن لا يطلب منه أن يختار بين سيادة ناقصة وحرب دائمة. الرأي الأخير والطريق إلى ذلك لا يبدأ من نزع بندقية فقط، ولا من وقف غارة فقط، بل من استعادة المعنى الأول للدولة. جيش واحد، وقرار واحد، وحدود لا تُستباح. ويبدأ قبل ذلك من مصالحة اللبنانيين مع فكرة أن الدولة ليست غنيمة فريق، ولا رهينة محور، ولا تفصيلا صغيرا في صراع أكبر منها، فلبنان ليس ساحة بالوكالة، إنه وطن لا يستعيد سلامه إلا حين يستعيد قراره. ”لا سلامَ بلا قرار“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

300

| 30 يونيو 2026

وساطة الثقة.. حين تُختبر السمعة

في يوم قائظ من أيام لندن، وكانت بريطانيا تقف على عتبة موجة حر قيل إنها قد تدفع يونيو إلى أرقامه القصوى، ذهبت إلى مجلس اللوردات في البرلمان البريطاني ملبياً دعوة للقاءات عمل، بصفتي رئيس مجلس الوساطة الدولية. كان في تقديري أن يدور الحديث حول دور المنظمات غير الحكومية في دعم الحكومات، وكيف تستطيع مؤسسات مستقلة، مثل مجلسنا، أن تسند مسارات السلام بالأفكار والخبرات والمساحات الهادئة، من غير أن تزاحم الدولة في اختصاصها أو تدعي ما ليس لها. غير أن النقاش أخذ، منذ بدايته، طريقاً أوسع مما توقعت. فقد صادف ذلك اليوم أن كانت نتائج الجولة الأولى من محادثات بورغنشتوك قرب لوسيرن في سويسرا تتضح للعيان، وأن الوساطة القطرية، ومعها الجهد الباكستاني، بدأت تفتح مساراً تفاوضياً بين الولايات المتحدة وإيران. عندها لم تعد قطر مجرد مثال يرد في سياق الحديث، بل صارت موضوعاً قائماً بذاته، وسؤالاً عن معنى السمعة حين تتحول من انطباع عام إلى رصيد سياسي فعّال. لم تكن الأسئلة التي طُرحت أسئلة مجاملة، ولا كانت صادرة عن انبهار عابر. كانت أقرب إلى محاولة فهم لتجربة أصبحت تستحق الدراسة. كيف استطاعت دولة محدودة المساحة أن تصبح واسعة الحضور في ملفات الوساطة. وكيف تحولت الدوحة إلى مكان يثق فيه أطراف لا يثق بعضهم ببعض. وكيف أمكن لسياسة قليلة الضجيج أن تترك أثراً لا تصنعه، في كثير من الأحيان، الخطب العالية ولا المواقف الصاخبة. والجواب، في تقديري، أن الوساطة القطرية لم تُبن على الادعاء، بل على التراكم. فهي لم تدخل الأزمات طلباً للصورة، بل بحثاً عن النتيجة. ولم تتعامل مع الوساطة بوصفها مناسبة دبلوماسية، بل عملاً طويلاً يحتاج إلى صبر، وكتمان، ومعرفة دقيقة بمخاوف الأطراف وحدود الممكن. فالوسيط الناجح لا يفرض السلام، ولا يخترع إرادة غير موجودة، لكنه يعرف كيف يفتح ممراً بين الخوف والمصلحة، وبين الذاكرة المثقلة بالحروب وإمكان التسوية. وفي الحالة الأمريكية الإيرانية تتضح قيمة هذا المعنى أكثر. فالمسألة ليست خلافاً محدوداً، بل تراكم طويل من الشك، وحرب فتحت أبواب القلق على المنطقة والعالم. لذلك تبدو أهمية الوساطة في قدرتها على خفض الحرارة السياسية، وتنظيم الحوار، وتحويل النجاح الأول إلى مسار قابل للبناء عليه. وهنا يأتي الدور القطري، ومعه الدور الباكستاني، في لحظة تحتاج إلى وسطاء يملكون الصدقية أكثر مما يحتاجون إلى الأضواء. إن الأمل اليوم أن تنضج هذه المفاوضات بعد جولتها الأولى، وأن تمضي نحو خاتمة ناجحة تفتح باب سلام قابل للحياة. وهذا المسار يعكس قيادة سيدي صاحب السمو الأمير المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله، وجهد معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، وعمل فرق التفاوض والوساطة الفنية في وزارة الخارجية القطرية، إلى جانب الشريك الباكستاني. غير أن النجاح الأخير سيظل مرهوناً بجدية الطرفين، الولايات المتحدة وإيران، واستعدادهما لاختيار صعوبة الاتفاق على سهولة العودة إلى المواجهة. الرأي الأخير وحين غادرت مجلس اللوردات، بعد يوم طويل من اللقاءات مع فريقي، بقي في ذهني أثر تلك السمعة التي صنعتها دولة قطر بعمل دؤوب لا بضجيج عابر. فالرجاء، اليوم كما في كل يوم، أن تنجح قطر، ومعها كل وسيط صادق، في إيجاد شركاء راغبين في العبور من الحرب إلى التسوية. لكن سلام منطقتنا سيظل ناقصاً ما دامت المأساة الإنسانية الأقدم في ذاكرتنا، مأساة الشعب الفلسطيني، حاضرة دون حل عادل. ولعل الوساطة التي تنصف فلسطين تكون آخر وساطة كبرى تحتاجها منطقتنا، لأنها عندئذ لا تنهي نزاعاً فحسب، بل تفتح باب سلام يستحق اسمه. ”السلام في ظل القانون“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

426

| 23 يونيو 2026

قيادة سمو الأمير.. وفعالية الوساطة القطرية

في السياسة، كما في التاريخ، لا تظهر قيمة الأدوار الحقيقية في ساعات السكون، وإنما في اللحظات التي تقترب فيها المنطقة من حافة الانفجار. وحين كانت الحرب الأمريكية مع إيران تهدد بأن تتحول من مواجهة بين عاصمتين إلى أزمة إقليمية مفتوحة على الخليج والعالم، برزت دولة قطر مرة أخرى في الموقع الذي اختارته لنفسها، لا موقع المتفرج، ولا موقع المنفعل، بل موقع الدولة التي تعرف كيف تتحرك حين تضيق المسافات بين السياسة والنار. لقد جاء الدور القطري في مسار إنهاء هذه الحرب امتدادًا طبيعيًا لنهج راسخ تحت قيادة سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى. وهو نهج لا يقوم على الضجيج، ولا يبحث عن البطولة السهلة، بل يستند إلى فهم عميق لمعنى الوساطة في عالم مضطرب. فالوساطة ليست كلمة محايدة تلقى بين طرفين متنازعين، وإنما هي قدرة على بناء الثقة حيث انعدمت، وفتح القنوات حين أغلقت، وإتاحة مخرج سياسي حين تصبح كل المخارج الأخرى محفوفة بالمخاطر. والحقيقة أن قطر لم تدخل هذه اللحظة من فراغ، فقد راكمت الدوحة عبر سنوات طويلة خبرة سياسية ودبلوماسية جعلتها قادرة على مخاطبة الأطراف المتباعدة بلغة تسمعها، وعلى إدارة التوازنات الدقيقة من غير أن تفقد وضوح موقفها. فهي تدرك أن أمن الخليج ليس ملفًا محليًا محدودًا، بل هو جزء من أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة، واستقرار الأسواق، وحسابات القوى الكبرى. ومن هنا فإن العمل على وقف الحرب لم يكن مجرد "مبادرة حسنة"، بل كان تعبيرًا عن إدراك استراتيجي لطبيعة الخطر وحجم المسؤولية. وفي هذا السياق، جاءت الإشادات الدولية بدور دولة قطر أكثر من مجاملة دبلوماسية. فقد رأت عواصم عديدة أن التحرك القطري ساهم في إعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي بعد أن كادت لغة القوة تستأثر بالمشهد كله. وهذا هو جوهر الفعالية القطرية. بأن تكون الدبلوماسية هادئة في شكلها، حاسمة في مضمونها، وأن تترك أثرها في النتيجة لا في ذاك الضجيج المحيط بها. ولا يغيب هنا تقدير الجهد الباكستاني الشريك في هذا المسار. فقد أسهمت باكستان بما تملكه من علاقات وخبرة وحساسية سياسية في تيسير الطريق، وكان لهذا الجهد موقعه المحترم ضمن حركة أوسع أرادت أن تمنع التصعيد من أن يتحول إلى قدر. غير أن اللافت في الدور القطري أنه استطاع أن يوظف رصيد الثقة الذي بنته الدوحة مع الأطراف المختلفة، وأن يحول هذا الرصيد إلى أداة عمل سياسية في لحظة دقيقة. لكن النجاح في وقف الحرب ليس نهاية الطريق. فالاتفاق - أي اتفاق - لا يعيش في فراغ من البيانات وحدها، وإنما بآليات التنفيذ، وبالالتزام السياسي، وبقدرة الوسطاء على متابعة ما بعد اللحظة الأولى. ولهذا فإن قيمة الدور القطري لا تقف عند المساهمة في الوصول إلى التفاهم، بل تمتد إلى ضمان أن يبقى هذا التفاهم قابلًا للحياة، وأن يتحول خفض التصعيد من هدنة مؤقتة إلى مسار أوسع للاستقرار. لقد أثبتت قطر في هذه الأزمة أن الدبلوماسية حين تقاد برؤية واضحة تستطيع أن تمنع الحرب من أن تستكمل اندفاعها. وأثبتت، تحت قيادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، حفظه الله، أن الحضور السياسي لا يقاس بعلو الصوت، وإنما بقدرة الدولة على أن تكون في المكان الصحيح، في اللحظة الصحيحة، وبالكلمة التي تفتح بابًا حين يظن الجميع أن الأبواب قد أغلقت. الرأي الأخير وفي ميزان السلام، تبدو قطر اليوم لا كطرف يكتفي بالدعوة إلى التهدئة، بل كدولة تصنع للتهدئة أُسسها، وتمنح للسياسة فرصتها الأخيرة قبل أن تنطق المدافع مرة أخرى. وهذه في زمن الأزمات الكبرى ليست فضيلة دبلوماسية فحسب، بل مكانة ومسؤولية لا يمكن تجاهلها قط. ”السلام صناعة الحكماء“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،

729

| 16 يونيو 2026

ميري وكومار
ميري وكومار

كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...

9351

| 06 أكتوبر 2026

نهج: من يقود من؟
نهج: من يقود من؟

نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت...

1356

| 09 أكتوبر 2026

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...

1116

| 06 أكتوبر 2026

حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً
حين تصبح الأمانة واجباً قانونياً

قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره...

651

| 11 أكتوبر 2026

هل ما زلت نسختك القديمة؟
هل ما زلت نسختك القديمة؟

نحن نعيش في وسط يتغير بسرعة، وتتسع فيه...

525

| 07 أكتوبر 2026

الراتب الأول
الراتب الأول

الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...

453

| 07 أكتوبر 2026

دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق
دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات...

447

| 05 أكتوبر 2026

من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية

-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق...

444

| 11 أكتوبر 2026

وضوح السريرة في فضاء التأويل
وضوح السريرة في فضاء التأويل

ثمة مرتبة من مراتب النبل الروحي تتجاوز حدود...

417

| 06 أكتوبر 2026

تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن
تحليل إستراتيجي متعمق في المشهد الجيوسياسي الراهن

توشك المنطقة على دخول منعطف حاسم وعاصف في...

408

| 06 أكتوبر 2026

393

| 05 أكتوبر 2026

"قطر تقرأ" وبناء الجيل القارئ
"قطر تقرأ" وبناء الجيل القارئ

إذا أردت أن تتعرّف على أسرة من المستقبل...

378

| 09 أكتوبر 2026

أخبار محلية