رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في السياسة الدولية مناطق لا يراها العالم إلا عند الخلل. لا يطيل النظر في تاريخها، ولا في حساسياتها، ولا في توازناتها الدقيقة، ما دامت السفن تمضي، والطاقة تصل، والأسواق تحتفظ بقدر معقول من الطمأنينة. والخليج العربي، منذ نصف قرن على الأقل، كان واحدًا من هذه المواضع التي يعيش العالم عليها أكثر مما يفهمها. لكن تبادل النار الأخير بين إيران وإسرائيل، وما أعقبه من توقف حذر لا يرقى إلى تهدئة مستقرة، أعاد إلى الواجهة حقيقة قديمة في ثوب جديد: أمن الخليج ليس شأنًا إقليميًا محدودًا، بل أحد مفاتيح انتظام العالم. ذلك أن الرصاصة التي تطلق في شرق المتوسط، أو الصاروخ الذي يعبر سماء المنطقة، أو المروحية التي تسقط قرب مضيق هرمز، لا تبقى خبرًا عسكريًا منفصلًا عن حركة الأسواق وقلق الحكومات وخطط الطاقة في العواصم البعيدة. القضية هنا لا تقف عند حدود المواجهة بين طهران وتل أبيب، ولا عند قدرة واشنطن على إدارة أعصاب حلفائها وخصومها في الوقت نفسه. الأهم أن الخليج لم يعد مجرد جوار للأزمة، بل صار جزءًا من بنيتها العميقة. فحين تعبر ناقلة غاز قطرية مضيق هرمز في لحظة توتر، فإنها لا تحمل شحنة تجارية فحسب، بل تحمل معها اختبارًا لثقة العالم في استمرار النظام الذي اعتاد أن يعمل من دون أن يسأل كثيرًا عن كلفته السياسية والأمنية. هذه هي خطورة المرحلة. الحرب لم تعد تحتاج إلى إعلان شامل كي تضرب مصالح واسعة. يكفي أن يتردد مالك سفينة، أو ترتفع كلفة التأمين، أو يشتبه قائد عسكري في نية خصمه، أو تذهب ضربة محسوبة إلى أبعد مما أريد لها. عندها تدخل المنطقة كلها في حساب لا يملكه طرف واحد، ولا يستطيع أحد أن يضمن نهايته. وقد بنت دول الخليج، خلال عقود، نموذجًا يقوم على الاستقرار والانفتاح والقدرة على تحويل الجغرافيا الصعبة إلى مصدر قوة. غير أن الجغرافيا، مهما أحسن الناس إدارتها، تظل تفرض شروطها. إيران ليست طارئًا على الخريطة، وأمريكا ليست شريكًا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، وإسرائيل صارت تتحرك في الإقليم بإيقاع ينعكس على الجميع، حتى من لم يكن طرفًا في قرار التصعيد. لذلك فإن السؤال الخليجي القادم لن يكون: كيف نتجنب الحرب فقط؟ بل كيف نمنع الآخرين من تحويل احتمال الحرب إلى قدر يومي نعيش تحته؟ وهذه مهمة تحتاج إلى ما هو أبعد من الطمأنينة اللفظية. تحتاج إلى دفاع أكثر تكاملًا، وتنسيق خليجي أكثر جدية، ودبلوماسية لا تنقطع مع الجوار، ورؤية اقتصادية تعرف أن الممرات البحرية ليست خطوطًا على الخريطة، بل شرايين في جسد الدولة الحديثة. العالم اعتاد أن يطلب من الخليج الطاقة، ثم يترك له وحده عبء الجغرافيا. غير أن الأزمة الحالية تقول شيئًا آخر: من يريد نفط الخليج وغازه وموانئه وقواعده واستقراره، عليه أن يدرك أن أمن هذه المنطقة ليس خدمة مجانية للنظام الدولي، بل شرط من شروط بقائه. الرأي الأخير … قد لا تكون الحرب المقبلة قد بدأت، لكن حساباتها بدأت بالفعل. والخطر على الخليج لا يكمن فقط في صاروخ يطلق، بل في عقل سياسي يتعامل مع المنطقة كأنها مساحة تتحمل أخطاء الآخرين بلا نهاية. "الهدوء ليس ضمانًا" إلى اللقاء في رأي آخر،،،
219
| 09 يونيو 2026
ليست المعضلة أن الطريق إلى اتفاق مع إيران شاق، فهذا أمر تعرفه المنطقة منذ سنوات، وتعرفه واشنطن كما تعرفه طهران، المعضلة أن هذا الطريق، كلما بدا أنه يقترب من مخرج سياسي، ظهر من يريد إغلاقه بحسابات الحرب، أو تمديده بحسابات المراوغة، وبين الطرفين، تبقى منطقة الخليج في موقع من يدفع كلفة التردد، لا من يملك ترف الانتظار. في الأيام الأخيرة بدا مسار التفاوض الأمريكي الإيراني أقل اندفاعًا مما كان مأمولًا، هناك مقترحات تُدرس، ورسائل تُنقل، وتصريحات تحافظ على الحد الأدنى من الأمل، لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية الهادئة، تتكدس مؤشرات القلق، التصعيد في لبنان وغزة، التوتر في البحر، واستمرار الشك المتبادل، كلها تجعل الاتفاق أقرب إلى نافذة ضيقة منها إلى طريق مفتوح. هنا يظهر بنيامين نتنياهو لا بوصفه تفصيلًا إسرائيليًا داخليًا، بل كعامل تعطيل إقليمي، فإذا صحّت التقارير عن تصاعد ضيق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أسلوبه ومن اندفاعه نحو توسيع الجبهات، فإن المشهد يصبح أكثر وضوحًا، المشكلة ليست فقط في خصوم واشنطن، بل أحيانًا في حلفائها الذين يتعاملون مع الدبلوماسية كخطر، ومع التهدئة كخسارة سياسية. نتنياهو لا يبدو، في هذه اللحظة، كزعيم يبحث عن أمن مستقر بقدر ما يبدو كسياسي يمد عمر أزماته بفتح أزمات أكبر منها، كلما اقترب احتمال التهدئة، ظهرت ضربة، وكلما اقتربت المفاوضات من صيغة قابلة للاختبار، جاء من يعيد المنطقة إلى منطق النار، بهذا المعنى، يصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي مصدرًا دائمًا للاضطراب، لا لأنه خلق وحده كل شرور المنطقة، بل لأنه أتقن تحويلها إلى وقود لبقائه. لكن ذلك لا يعفي إيران من مسؤوليتها، فطهران ليست مراقبًا بريئًا في مسرح الأحداث، ولا تستطيع أن تطلب الاعتراف بمخاوفها الأمنية بينما تتجاهل مخاوف جيرانها، الاعتداءات غير القانونية على دول مجلس التعاون، والتهديد الملاحي، واستخدام أمن الخليج كورقة في صراع أكبر، كلها ممارسات لا يمكن تبريرها بخطاب المقاومة ولا بردّ الفعل على إسرائيل، سيادة دول الخليج ليست هامشًا في مفاوضات الآخرين، وأمنها ليس صندوق بريد بين طهران وواشنطن. لذلك فإن الطريق الوحيد القابل للحياة يبدأ من وضوح أمريكي أكبر، على واشنطن أن تعمل بجدية مع حلفائها الذين يريدون التهدئة، وأن تضغط بالقدر نفسه على حلفائها الذين يدفعون نحو الحرب، فلا معنى لدبلوماسية تطلب من إيران ضبط النفس، ثم تترك نتنياهو يختبر حدود التصعيد كل يوم، ولا معنى للحديث عن أمن الخليج إذا تُرك هذا الأمن رهينة بين صاروخ عابر، ومضيق متوتر، وسوق طاقة قلقة. وفي المقابل، لا ينجح أي اتفاق إذا كانت إيران تريد شراء الوقت لا صناعة السلام، المطلوب ليس بيانًا جديدًا، بل التزامات قابلة للتحقق: احترام سيادة الجيران، وقف الاعتداءات، ضمان حرية الملاحة، والتعامل مع الملف النووي بجدية لا بلغة الالتفاف. الرأي الأخير الوقت يضيق، لكن الباب لم يغلق بعد، وما تحتاجه المنطقة الآن ليس منتصرًا جديدًا في حرب قديمة، بل قرارًا عاقلًا يمنع الحرب المقبلة. ”إذا ضاق الوقت، اتسع ثمن الخطأ“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،
396
| 03 يونيو 2026
لا يأتي عيد الأضحى هذا العام بعيدا عن أسئلة العالم، ولا منفصلا عن قلقه. فالأحداث من حولنا ثقيلة، والحروب مفتوحة، والإنسان في أكثر من ساحة عربية وإسلامية يفتش عن أمن مفقود، وعدل مؤجل، ورحمة لا ينبغي أن تغيب مهما اشتدت الخصومات. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون العيد مجرد مناسبة للفرح، بل يصبح موعدا للتأمل في المعنى الذي يقوم عليه الفرح نفسه. ونحن نستقبل هذا اليوم المبارك، ينبغي أن نستحضر إخواننا في غزة ولبنان والسودان، وفي كل موضع من عالمنا العربي والإسلامي ما زال أهله يواجهون الابتلاء والصبر، ويدفعون أثمان صراع طويل لا يخص جيلا واحدا، بل يمتد في ذاكرة الشعوب ووجدانها. نستحضرهم بالدعاء، وبالوعي، وبألا نسمح لفرحتنا أن تنفصل عن آلامهم أو عن حقهم في الحياة والكرامة والأمن. فعيد الأضحى ليس محطة عابرة في التقويم، ولا عادة اجتماعية تتكرر كل عام. إنه عيد يرتبط بأصل عميق من أصول الإيمان والإنسانية، حيث تظهر التضحية لا بوصفها خسارة، بل بوصفها قدرة على تقديم ما هو أدنى حفاظا على ما هو أعلى. وفي هذه الفكرة تكمن قوة العيد. فالأمم، مثل الأفراد، لا تختبر حقيقتها في أيام السعة وحدها، بل في اللحظات التي تضيق فيها الخيارات، وتشتد فيها الأثمان، ويصبح التمسك بالقيم أصعب من ترديدها. وقد علمنا التاريخ أن الأعياد الكبرى كثيرا ما جاءت في أزمنة عسيرة. مرّت على الناس وهم في ميادين القتال، أو على أبواب الهجرة، أو تحت وطأة الحصار، أو بعد فقد كبير. ومع ذلك ظل العيد علامة على أن الحياة لا تستسلم بالكامل لقسوة ظرفها. كان التكبير يعلو لا لأنه يلغي الألم، بل لأنه يضعه في سياق أوسع، ويذكّر الإنسان بأن المعنى قد يمنح الروح قوة لا تقل عن قوة السلاح والمال والسياسة. ومن هنا يصبح عيد الأضحى، في زمننا الحاضر، أكثر من ذكرى دينية جليلة. إنه درس في الصبر المسؤول، وفي الرحمة حين تقسو السياسة، وفي الحكمة حين يطغى الانفعال، وفي الثبات حين تتبدل الموازين. فالعالم الذي نراه اليوم محتاج إلى شيء من روح هذا العيد، لا إلى شعارات كبيرة، بل إلى قدرة صادقة على تغليب الحياة على الموت، والحوار على القطيعة، والرحمة على القسوة، والواجب على المصلحة الضيقة. وليست التضحية، في معناها الأعمق، إراقة ولا ألما مقصودا لذاته. إنها أن يضحي الإنسان بأنانيته من أجل عائلته، وبراحته من أجل مسؤوليته، وبانفعاله من أجل حكمته، وبمصلحته القريبة من أجل خير أوسع. وعند هذه النقطة، لا يبقى العيد طقسا عابرا، بل يتحول إلى فعل أخلاقي حاضر، يذكّرنا بأن الإيمان لا يكتمل إلا حين ينعكس في السلوك، وأن الفرح لا يسمو إلا حين يتسع للآخرين. الرأي الأخير وفي يوم العيد، وبينما يحمل كل بيت فرحته الخاصة، تبقى الحاجة قائمة إلى أن نتذكر من ضاقت بهم الأرض، ومن ينتظرون نهاية حرب، أو عودة غائب، أو خبرا يفتح باب الرجاء. فالعيد لا يطلب منا أن ننسى آلام العالم، بل أن نواجهها بقلب أصفى، وإرادة أعدل، وأمل لا ينكسر بسهولة، فكل عام وأنتم بخير، وعيدكم مبارك. ونسأل الله أن يحفظ سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، وأن يديم على دولة قطر وشعبها نعمة الأمن والعزة والاستقرار، وأن يجعل هذا العيد باب خير ورحمة وسلام على الجميع في عالمنا العربي والإسلامي. ”يبقى العيد أصدق حين يتسع فرحه لمن لم يفرحوا بعد“ إلى اللقاء في رأي آخر،،،
285
| 27 مايو 2026
في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في غياب المخارج، بل في ضيق الخيال السياسي عند لحظة البحث عنها. كل طرف يريد اتفاقا يشبه انتصاره الكامل، وكل عاصمة تريد صيغة لا تبدو أمام جمهورها كأنها تراجعت. وبين الرغبة في الحسم والخوف من التنازل، تتسع المسافة بين الحرب والسلام، حتى يصبح استمرار الأزمة أسهل سياسيا من إنهائها. هذا ما يجعل اللحظة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران شديدة الخطورة. فالحرب، أو ما يقترب منها، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية أو تبادل رسائل نارية. إنها اختبار لطريقة التفكير نفسها. هل تستطيع واشنطن وطهران أن تقبلا باتفاق غير كامل، لكنه يمنع الانزلاق؟ أم أن كلا منهما سيظل يطلب من الآخر ما يعرف مسبقا أنه لن يحصل عليه؟ في مقال نشرته «ذي أتلانتك»، ظهرت قراءة أمريكية لافتة لمسار هذه الحرب وحدودها. جوهرها أن إيران لن تمنح على طاولة التفاوض ما لم تفقده تحت الضغط، وأن واشنطن قد تكتشف، كما اكتشفت من قبل في ملفات كثيرة، أن القوة تستطيع أن تفتح باب السياسة لكنها لا تستطيع أن تحل محلها. هذه ليست قراءة متعاطفة مع طهران، ولا ينبغي أن تُفهم كذلك، لكنها تضع الإصبع على سؤال صعب يواجه صانع القرار الأمريكي. ماذا تفعل عندما لا يكفي الضغط لإنتاج استسلام، ولا يكفي التفاوض لإنتاج ثقة؟ من وجهة نظري، لا الولايات المتحدة في ظل إدارتها الحالية، ولا إيران في ظل نظامها الحالي، قادرتان على الوصول إلى اتفاق مثالي. الخلاف أعمق من بند نووي، وأثقل من جدول عقوبات. هو خلاف في الذاكرة، وفي تعريف الأمن، وفي نظرة كل طرف إلى الآخر. واشنطن تريد ضمانات لا تراها طهران مقبولة، وطهران تريد اعترافا بدورها لا ترى واشنطن أن من الحكمة منحه بهذه البساطة. وفي الداخلين الأمريكي والإيراني، توجد قوى لا ترى في التسوية حلا، بل ضعفا مؤجلا. لكن استحالة الاتفاق المثالي لا تعني استحالة الاتفاق الضروري. هنا تكمن المسألة. في السياسة، أحيانا يكون الاتفاق الجيد هو ذلك الذي يمنع الأسوأ، لا ذلك الذي يحقق الأفضل كاملا. وبتعبير راسخ في تراثنا الفقهي، فإن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أي أن منع الضرر الواسع قد يسبق السعي إلى مكسب أوسع لا تسمح به الظروف. اتفاق يخفف النار، ويعيد ترتيب قواعد الاشتباك، ويمنع توسع الحرب، قد يكون أكثر قيمة من اتفاق كامل لا يأتي أبدا. أما جعل الكمال شرطا للحل، فيعني غالبا ترك الميدان لمنطق الصواريخ والحسابات الخاطئة. الرأي الأخير الوضع القائم غير قابل للاستمرار. لا إيران تستطيع أن تعيش إلى ما لا نهاية تحت ضغط العقوبات والعزلة واحتمال المواجهة، ولا الولايات المتحدة تستطيع أن تدير الشرق الأوسط بمنطق الردع وحده، ثم تتوقع أن يبقى كل شيء تحت السيطرة. أما المنطقة، فهي التي تدفع كلفة الانتظار بين قرار لم يُتخذ وحرب لم تُحسم. إما أن يتغير شيء في الحسابات، أو يتغير شيء في السلوك. أما انتظار اتفاق مثالي بين خصمين لا يثقان ببعضهما، فقد يكون أكثر خطورة من الاعتراف بالحاجة إلى اتفاق ناقص، لكنه كافٍ لمنع الأسوأ. ”الأفضل عدوّ الجيد“ - فولتير إلى اللقاء في رأي آخر،،،
747
| 12 مايو 2026
بالأمس كان لي شرف حضور حفل تخريج المتفوقات بجامعة قطر، الذي أُقيم برعاية وحضور سمو الشيخة جواهر بنت حمد بن سحيم آل ثاني حرم سمو الأمير. لم أحضر الحفل بصفتي كاتبًا أو محللًا سياسيًا أو بأي صفة أخرى، سوى لكوني أبًا فخورًا بابنته، هذه الصفة التي تفوق كل صفة أخرى. أتابع لحظة تقف فيها ابنتي ضمن المتفوقات في الدفعة التاسعة والأربعين، في مشهد يتجاوز دلالته الفردية إلى معنى أوسع يرتبط بمسار جيل كامل يدخل مرحلة مختلفة من المسؤولية. في هذه اللحظة، لا يُختزل التخرج في كونه إنجازًا أكاديميًا، بل يتحول إلى محطة تقيس ما سبقها بقدر ما تعلن عنه. فالتفوق، حين يتحقق، لا يضع نقطة نهاية، بل يفتح بابًا أكثر اتساعًا لما بعده. هنا يتراجع وزن النتيجة المباشرة، ويتقدم سؤال الجاهزية لما هو قادم، حيث لا تعود المعايير ثابتة، ولا المسارات مضمونة كما كانت. الفخر حاضر بطبيعته، لكنه لا يقف منفردًا. يتقدمه إحساس آخر أكثر عمقًا، يتعلق بمدى رسوخ ما زُرع عبر السنوات. فالتربية لا تُقاس في لحظات النجاح، بل في اللحظة التي يصبح فيها القرار ذاتيًا، وحين ينتقل الأبناء من مساحة التوجيه إلى مساحة الاختيار. هناك فقط يتضح أثر ما بقي، لا ما قيل، وما ترسخ بالفعل، لا ما تم تكراره. هذا المشهد، رغم خصوصيته، لا ينفصل عن سياق أوسع. ما شهدته جامعة قطر هو جزء من لحظة تمتد عبر جامعات الدولة هذا الأسبوع، حيث يتقدم جيل كامل نحو واقع لا يقبل التأجيل. لم يعد الانتقال تدريجيًا كما كان، ولا التجربة مساحة مفتوحة بلا كلفة. الدخول إلى الميدان أصبح مباشرًا، والتوقعات حاضرة منذ اللحظة الأولى، ما يفرض مستوى مختلفًا من الاستعداد. في هذا السياق، يتغير تعريف التخرج بصورة واضحة. لم يعد محطة ختامية لمسار تعليمي، بل بداية فعلية لاختبار الجاهزية في بيئة أكثر تعقيدًا. المعرفة وحدها لا تكفي، والطموح وحده لا يضمن الاستمرار. ما يصنع الفارق هو القدرة على تحويل ما تم تعلمه إلى أداء فعلي، وما تم غرسه إلى التزام يومي يظهر في التفاصيل قبل العناوين. كما أن رعاية القيادة لمثل هذه المناسبات تعكس إدراكًا يتجاوز بعدها الاحتفالي. فهي تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بعد هذه اللحظة، حين ينتقل الخريجون من الإعداد إلى الفعل. هذه الثقة لا تُمنح بوصفها تكريمًا، بل بوصفها مسؤولية تفرض على صاحبها أن يكون على مستوى ما أُنيط به. بالنسبة للأب، لا تنتهي المرحلة عند هذا الحد، بل تتغير طبيعتها. يتراجع التوجيه المباشر، وتتقدم المتابعة القائمة على الثقة، ويصبح الرهان على ما ترسخ لا على ما يمكن إضافته. أما بالنسبة للوطن، فكل دفعة جديدة تمثل بداية اختبار جديد، تُقاس نتائجه خارج القاعات، في ميادين العمل والتحدي. الرأي الأخير لا تختصر هذه اللحظة في معنى الفخر، بل تمتد إلى ما هو أبعد. فهي لحظة انتقال حقيقية، يتراجع فيها ما قيل، ويتقدم ما سيفعل، وهناك يتحدد المعنى الكامل لما تحقق. فمبروك لأبنائنا وبناتنا الخريجين والخريجات، فالوطن اليوم، بانتظاركم. ”سَلِمتِ بلادي فداكِ الشبابْ ومجدٌ لراياتِنا وانتســابْ فنحنُ البراعمُ قد صافحتْ سواعدُنا عالياتِ السَحابْ“ الوالد سعادة الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني، حفظه الله. إلى اللقاء في رأي آخر
381
| 06 مايو 2026
ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم، بل هي سجل لما يختار مجتمع أن يقوله عن نفسه في لحظة محددة. وبينما تبدلت الوسائط وتسارعت المنصات، بقيت للكلمة المكتوبة حين تُنشر بتأنٍ قيمة لا تتغير، أن تكون أداة للفهم لا مجرد متابعة للحدث، وأن تترك أثرًا يتجاوز لحظة النشر إلى ما بعدها. في هذا السياق، تأتي هذه البداية في الشرق مع دخولي العام التاسع عشر من الكتابة في الصحف والمجلات، لتعيدني بهدوء إلى البدايات الأولى لهذه الصحيفة حين كانت تحمل اسم الخليج اليوم. يوم صدر عددها الأول، وصفحاته ما تزال تحمل رائحة الحبر، وكان والدي، سعادة الشيخ مبارك بن سيف آل ثاني حفظه الله، مؤسسها ورئيس تحريرها الأول. لم يكن ذلك المشهد احتفاءً بإصدار جديد بقدر ما كان تعبيرًا عن نية واضحة، أن يكون لهذا المنبر دور في تشكيل النقاش العام لا مجرد ملاحقته. لم يكن الرهان على السبق، بل على ما يستحق أن يُقرأ، وعلى ما يمكن أن يُستعاد لاحقًا لفهم ما جرى لا لمجرد استعادته. اليوم تغير المشهد جذريًا، وبقيت المسؤولية. لم يعد الإعلام وسيطًا ينقل الخبر، بل أصبح جزءًا من تكوينه. وما يُنشر لا يصف الحدث فحسب، بل يسهم في تحديد كيف يُفهم، وما الذي يُستبعد من فهمه. وفي زمن الأزمات، تتضاعف هذه الوظيفة، لأن الكلمة تصل إلى قارئ يعيش حالة ضغط، يبحث عن تفسير بقدر ما يبحث عن معلومة. هنا يظهر الفرق بين التأثير والإثارة. التأثير يقوم على سياق واضح وربط بين الوقائع ووعي بحدود المعرفة. أما الإثارة فتعتمد على السرعة وعلى تقديم أجزاء من الصورة بوصفها كلًا مكتملًا، وعلى اختزال التعقيد في عناوين حادة. وفي لحظات الأزمات تميل الكفة نحو الثانية، لا لأنها أدق، بل لأنها أسرع. لكنها سرعة تنتج فهمًا هشًا، يتغير مع كل تحديث، وتُبقي القارئ في حالة متابعة دون استقرار في الإدراك. من هنا لا يعود دور الكاتب خيارًا مهنيًا محدودًا، بل مسؤولية تمتد إلى المجال العام. فالكلمة في هذه اللحظات إما أن تفتح مجالًا للفهم أو تضيق به. بين التهدئة والتحريض، وبين التوضيح والتشويش، يتحدد موقع الكاتب. ليس المطلوب حيادًا باردًا، بل انضباطًا واعيًا يزن الكلمة بقدر أثرها، ويدرك أن ما لا يُقال أحيانًا لا يقل أهمية عما يُنشر. وقد طُرح هذا السؤال مؤخرًا في حديثي مع تلفزيون قطر حول مسؤولية الكاتب في زمن الأزمات. والإجابة الأقرب أن هذه المسؤولية لا تُقاس في أوقات الهدوء، بل حين يضيق الوقت ويعلو الصوت وتصبح الكلمة جزءًا من معركة الروايات. هناك يظهر الفرق بين من يكتب ليلحق بالحدث، ومن يكتب ليحافظ على معناه. خطورة السرديات السريعة لا تكمن فقط في احتمال خطئها، بل في قدرتها على أن تسبق التحقق وتفرض إطارًا للفهم يصعب تعديله لاحقًا. وما يُكتب تحت ضغط اللحظة قد يتحول مع التكرار إلى مرجع مؤقت يُبنى عليه فهم لاحق حتى بعد أن تتغير الوقائع. الرأي الأخير … في النهاية تبقى الصحافة فعل اختيار، ماذا نقول وكيف نقوله ومتى. وهي قبل ذلك مسؤولية تجاه قارئ لا يبحث فقط عن المعلومة، بل عن طريقة لفهمها. ومن هذه الزاوية في الشرق أتطلع إلى أن تكون الكتابة إضافة لا تكرارًا، وأن يجد فيها القارئ ما يعينه على قراءة الأحداث بوعي أوسع وثقة أهدأ وقدرة أكبر على التمييز. ففي زمن تتزاحم فيه الأصوات لا يكفي أن نُسمع، بل أن نقول ما يستحق أن يُصغى إليه. ”الحقيقة لا تُقال … على عجل“ إلى اللقاء في رأي آخر ،،،
726
| 28 أبريل 2026
مساحة إعلانية
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية،...
2916
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها،...
2859
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً...
2613
| 09 يونيو 2026
يعتقد كثيرون أن القانون هو العدو الأول للأسرة،...
855
| 11 يونيو 2026
في كل مرة يُذكر فيها الشباب، تتكرر الأحكام...
774
| 10 يونيو 2026
دائماً ما نجد أنه حين يتحدث الأكاديميون أو...
714
| 09 يونيو 2026
لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد قطاع اقتصادي ناشئ...
705
| 10 يونيو 2026
لقد أضاع الكثيرون طريق المساجد وأصبح العزوف عن...
705
| 08 يونيو 2026
وجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى على أعتاب...
684
| 13 يونيو 2026
ليست الأزمة الحالية مجرد خلاف حول برنامج نووي،...
534
| 08 يونيو 2026
فوزك أملنا والله يا منتخبنا.. أغنية من إبداعات...
531
| 11 يونيو 2026
"أيُّها النّاس، إنّ ربكم اتخذ بيتًا فحجّوه".. هذه...
501
| 11 يونيو 2026
مساحة إعلانية