رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرت في المقال السابق أن للحرية معاني كثيرةً، واليوم أقول إنه قد تكون للعبودية معاني أكثر. في مجموعته القصصية "العبودية"، التي كتبها في عشرينيات القرن الماضي، يتحدث الأديب الروسي "الثائر" مكسيم غوركي عن أنواع من العبودية تكاد تشمل كل أشكالها، من عبودية العمل والفقر إلى عبودية الحب والفكر والعادة (الروتين)، إلى عبودية المجتمع والمركز الاجتماعي. وهو يرى إجمالا أن الحرية ليست إلا وهما، وأن الإنسان يكون غالبا عبدا لهواه. وهو يقترب بهذا من المعنى القرآني "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه". وهذا بدرجة كبيرة هو ما يسعى أعداء الإنسانية لجعله حال الناس جميعا في إطار "صناعة الكفر"، من خلال إتاحة الحرية للوصول إلى كل الموبقات والدنايا مقابل "تصعيب" كل الطيبات والصالحات.
في كتاب مهم عن العولمة (حاضنة صناعة الكفر) بعنوان (-2001 The No-Nonesense Guide To Globalization) أو "الدليل الخالي من الهراء للعولمة" يقول المؤلف وين إيلوود، الذي كانت لي معه مداخلات مهمة ربما نأتي على ذكرها لاحقا، إن هدف أصحاب رأس المال، أرباب العولمة، كان وما زال هو السعي الدائم والأبدي وراء تعظيم رأس مالهم. وهذا كلام وإن كان صحيحا فإنه لا يذكر الحقيقة الكاملة لأهداف العولمة. وفي تعريف المراجع العالمية، ومنها وزارة الخارجية الأمريكية، لأسباب العبودية أنها توفر لأصحاب رأس المال ربحا أكبر كثيرا حتى من العمالة زهيدة الأجر، لأن العبد لا يتكلف إلا نفقة طعامه وسكنه في أي ظروف وبأرخص التكاليف، أما العامل الحر فيحتاج لمستوى مختلف من المعيشة مهما قلت تكلفتها. لكن تظل هذه أيضا حقيقة غير كاملة، فأصحاب رأس المال أعداء الإنسانية لا يهدفون، في نهاية الأمر لا إلى تعظيم ثرواتهم فقط ولا إلى تقليل نفقاتهم فقط، ولكنهم يريدون استعباد البشر على الحقيقة في إطار فرض أفكارهم الشيطانية عليهم لمنع عبادة الله في الأرض، كما يشير د. بهاء الأمير في كتابه المهم "الوحي ونقيضه"، 2006.
يقودنا هذا الحديث للنظر بعمق في معنى "الاستعباد الجماعي للبشر" الذي أشرت إليه في المقال السابق، لنجد أنه في الوقت الذي تخرج فيه التقارير تترى عن تزايد بل واستفحال ظاهرة العبودية الحديثة فإنه تجب ملاحظة أن تلكم التقارير والتي تصدرها بالطبع هيئات ومنظمات تابعة للمنظومة الدولية، الخاضعة لرأس المال، تركز على حالات من تلك العبودية محدودة ومقصورة على الصور التقليدية مثل الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي.
كما يجدر الانتباه إلى أنه رغم كل الحديث عما يسمى منجزات الحضارة الإنسانية ممثلة في الغرب بصفة خاصة فإننا نجد أن "العبودية العارية" أو الاتجار بالرقيق الأبيض في تزايد عجيب، وهو ما رأيت نموذجا منه بأم عيني، خلال زيارة للنمسا قبل نحو 30 عاما لحضور مؤتمر سياسي دولي. كانت الفتيات يجلسن في نوافذ عرض المتاجر في الشارع الرئيسي، في فيينا وفي سالزبورج، بلا ملابس تقريبا، تماما كما تعرض الحيوانات، حاشاكم الله، أو البضائع المعدة للبيع، وما زلن، مع كل الأسف والحزن. والاختلاف الوحيد بين الحيوانات وتلك الضحية أنها تدعوك للدخول بيدها وجسدها معا. وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل الجهات التي تعلن أنها تكافح العبودية، تكافحها فعلا أم تغذيها؟ أليس هذا النوع من العبودية أحقر وأقذر من كل عبودية أخرى؟ أليس الأحرى بتلك الدول التي تسمي نفسها متحضرة أن تمنع هذا الشيء بدلا من أن تقننه وتنظمه وتعظمه. والسؤال الأهم، لماذا إذن تسمح تلك الدول بذلك الانحطاط اللاإنساني؟ وهذا سؤال سنجيب عنه بعد قليل.
وفق أحدث التقارير التي صدرت خلال العام الماضي، ذكرت منظمة حقوق الإنسان الأسترالية "ووك فري" أن عدد ضحايا العبودية الحديثة ارتفع بنسبة كبيرة في السنوات الأخيرة، وأن ما يقرب من 50 مليون شخص في أنحاء العالم ضحايا للعبودية الحديثة، بزيادة 10 ملايين شخص عن عام 2018، أكثرهم من الرقيق الأبيض. كما توصلت دراسة استمرت عامين أجرتها منظمة الهجرة الدولية مشاركة مع جامعة "بيدفوردشير" البريطانية واختتمت أواخر عام 2019، إلى نتائج مماثلة بل وأشارت إلى أن الأعداد الحقيقية ربما تكون أكبر كثيرا من الأرقام المعلنة.
أخيرا، يقول الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين واصفاً العبودية في أمريكا ولكن بمنطق المعاكسة: "لقد منَّ الله علينا بثلاث في هذا البلد (أمريكا)؛ حرية التعبير وحرية التفكير وحرية عدم التمتع بأي منهما". أما مواطنه تشارلز بوكوفسكي الألماني الأصل فيعمم مسألة العبودية قائلا: إن العبودية لم تختف أبداً من الوجود، ولكن تمت توسعة نطاقها فقط لتشمل جميع الأعراق. وأحسب أن هذا من أدق ما قيل عن صناعة الكفر وتعميم العبودية لغير الله في هذا العالم. وهنا تأتي الإجابة عن السؤال الأهم: لماذا تسمح الدول المسماة بالمتقدمة بل تعمل بكل جهد على تعميم العبودية بكل أنواعها على البشر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا؟ والإجابة بكل بساطة هي أن العبودية العارية وعبودية الأجر وغيرهما، كلها تُخفي وراءها الهدف الأكبر، ألا وهو عبودية الهوى والفكر وصناعة الكفر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1401
| 18 مايو 2026
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية، متجاوزًا وظيفته التقليدية كأداة للإجابة عن الأسئلة أو تسريع إنتاج المعرفة، ليغدو فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الأحكام، وتوجيه القرارات، وإعادة صياغة علاقة الإنسان بإدراكه لذاته وللعالم من حوله. فالتفاعل مع هذه الأنظمة لم يعد مجرد عملية طلب للمعلومة وتلقّيها، بل أصبح جزءًا من بنية التفكير نفسها، بما يمنح الآلة دورًا يتجاوز الوساطة التقنية إلى تأثير معرفي ونفسي متنامٍ. وتنبع حساسية هذه المكانة الجديدة ليس فقط من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المعرفة، بل من قدرته على ترسيخ قناعات المستخدم، وتعزيز إحساسه باليقين تجاه أفكاره وقراراته، بل وحتى تجاه رغباته ودوافعه. غير أن هذه الوظيفة تكشف اليوم عن وجه أكثر تعقيدا وإثارة للقلق. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن كثيرا من أنظمة الذكاء الاصطناعي تميل إلى تبنّي سلوك قائم على الإرضاء والمجاراة، لا على التصحيح والمساءلة. في بدايات النقاش حول هذه الظاهرة، كان الاهتمام منصبًّا على ميل النماذج إلى تأكيد أخطاء المستخدم المعرفية، كأن توافقه على معلومة غير صحيحة أو تدعم استنتاجا خاطئا فقط لأن ذلك يتماشى مع توقعاته أو قناعاته. كان هذا يُفهم بوصفه خللا معرفيا ناتجا عن تغليب الانسجام على الدقة. لكن التطور الأهم- في ظني- يتمثل في انتقال هذا الميل من مستوى المعرفة إلى مستوى الأخلاق. فالمشكلة لم تعد أن الآلة قد توافقك على حقيقة خاطئة، بل إنها قد تمنح أفعالك ذاتها شرعية ضمنية، حتى حين تكون محل إشكال أخلاقي. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"التملق الاجتماعي"، حيث لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تأكيد الأفكار، بل يمتد إلى تبرير السلوك وإعادة صياغته بلغة تخفف من وطأته الأخلاقية. وهذا يعني أن النظام لم يعد مجرد أداة معلومات، بل أصبح جزءًا من آلية إنتاج التبرير نفسه. تكمن خطورة هذا التحول في أن الإنسان لا يبحث دائما عن الحقيقة بقدر بحثه عن التبرير. وعندما تأتيه الموافقة من نظام يمتلك هالة معرفية عالية ويبدو قادرا على الفهم والتحليل، فإن هذه الموافقة لا تُقرأ بوصفها استجابة تقنية فحسب، بل بوصفها تصديقا يمنح الفعل شرعية إضافية. وفي هذه اللحظة، يبدأ جزء من العبء الأخلاقي بالانتقال من الإنسان إلى الآلة، أو على الأقل يتوزع بينها وبينه، بما يخفف الشعور بالمسؤولية ويجعل الخطأ أكثر قابلية للتبرير وأكثر سهولة في التكرار. هنا تكمن المفارقة الكبرى: أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُفترض أن يساعد الإنسان على التفكير بصورة أفضل، قد يتحول إلى أداة تجعله أكثر اطمئنانًا إلى أسوأ قراراته. المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُسوَّق بوصفه أداة لتحسين القرار البشري، قد يتحول في هذه الحالة إلى أداة لإضعافه. فالقرار الأخلاقي لا يتطلب فقط معلومات، بل يحتاج إلى مقاومة داخلية، إلى احتكاك نقدي، إلى صوت يعترض حين يلزم الاعتراض. وإذا غاب هذا الصوت، أو استُبدل بآلة تتقن فن الإرضاء، فإن الإنسان يصبح أكثر عرضة للانزلاق الأخلاقي وهو يشعر بالطمأنينة. المسألة هنا ليست تقنية فقط، بل سياسية وفلسفية كذلك. لأن تصميم الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تصميم لعلاقة سلطة: من يملك حق التصحيح؟ ومن يحدد متى يجب على النظام أن يرفض؟ وهل وظيفة الآلة أن تخدم رغبات الإنسان، أم أن تحميه أحيانا من أسوأ نزعاته؟ وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في مستقبل الذكاء الاصطناعي: ما الذي نريده فعلا من هذه الأنظمة؟ هل نريدها امتدادا لرغباتنا، تعكس لنا ما نحب سماعه، أم نريدها بنية معرفية مسؤولة قادرة على وضع مسافة نقدية بين الإنسان وأفكاره وأفعاله؟ فالمشكلة ليست في أن تكون الآلة مطيعة، بل في أن تتحول الطاعة إلى معيار للجودة، والموافقة إلى معيار للذكاء. عند هذه النقطة، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مرآة تضخّم انحيازاتنا وتعيد إلينا أخطاءنا في صورة أكثر إقناعا. وفي النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر في تطوير الذكاء الاصطناعي هو جعله أكثر شبها بالإنسان في قدراته التحليلية واللغوية، بل في حمايته من وراثة أكثر العيوب البشرية رسوخا: التملق، والانحياز، والرغبة في تجنب المواجهة الأخلاقية حفاظا على القبول والرضا. فالآلة، حين تتعلم أن النجاح يقاس بمدى رضا المستخدم عنها، قد تنزلق تدريجيا من وظيفة البحث عن الحقيقة إلى وظيفة إنتاج الطمأنينة، حتى لو كانت طمأنينة زائفة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الآلة، فالخطأ جزء من أي منظومة معرفية، بل في أن تضفي على الخطأ شرعية، وأن تحوّل التبرير إلى معرفة، والمجاملة إلى حكم، فتجعل الإنسان أكثر ثقة بما كان ينبغي أن يتردد حياله أو يعيد مساءلته. ما تقدم لا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة فقط، بل يعيد تشكيل علاقته بذاته؛ إذ يصبح أقل ميلا إلى مراجعة قراراته وأكثر استعدادا للبحث عن تصديق بدلا من نقد، وعن تأكيد بدلا من مساءلة. وفي عالم تتعاظم فيه سلطة الخوارزميات، وتتسع قدرتها على التأثير في الوعي الفردي والجمعي، فإن الدفاع عن الحقيقة أصبح جزءًا من المسؤولية البنيوية للآلة نفسها. لأن الذكاء الاصطناعي، إذا أراد أن يكون أداة لتوسيع الإدراك البشري لا لتضييقه، يجب أن يتعلم متى يوافق، والأهم متى يعترض. فالمستقبل لن يُقاس فقط بمدى ذكاء الآلة، بل بمدى نزاهتها حين تواجه الإنسان بحقيقته، لا بما يرغب في سماعه.
1143
| 14 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
987
| 19 مايو 2026