رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل آن الأوان لتأميم التعليم العالي في قطر والحملة الشرسة تتمادى على بعض الشراكات الدولية الرصينة من جامعات مؤسسة قطر؟ جامعات وصل الحال بحملتها التضليلية إلى تفحص ملفات لا علاقة لها إلا بالعلم ومدفوعاته ندرك نحن أن وراء الأكمة ما وراءها ليس من قبيل الراعي الرسمي للحملات الدعائية الحاليّة لمصلحة معروفة من عمر القضية العربية الفلسطينية فحسب، بل حتى من قبل البديل المنتظر الذي يسعى لتقليد قطر والسعي بعدها بثلاثة عقود لاحتضان مشروع تعليمي عالي شبيه وكأن سياساتها تذكّرت صدفة أن هناك شيئا ما يسمى الدبلوماساية التعليمية الذي يعتمد على الشراكات العلميّة حين عجزت وقتها عنه، حيث هرعت بعضها في اتجاه آخر ونجحت في تحقيق السبق في تكوين مدن إما راقصة أو مخمورة أو مطبّعة.
أما آن الأوان؟
وقطر تفخر بمدينة تعليمية أسست برامجها على أعلى المعايير العلمية الدولية والأخلاقية في ظل الإبداع والابتكار الذاتي، فضلا عن الشراكات العلمية من خلال التعاون الدولي والانفتاح على العالم.
التأميم الذي نعنيه ليس في مجال المنخرطين فيه ولا مقدميه ولا شراكاته ونحن نؤمن بأن الحكمة ضالة المؤمن والشراكات العلمية مهمّة ولكننا نعني تأميم استثماراته فتنطلق بجذوره الراسخة نحو العالمية بأسرها في توأمة لجامعات لا قصا ولصقا باستيراد حرفي مطلق، بل بتأسيس جامعاتنا بأنفسنا في فسيفساء متداخلة مترابطة تأخذ من كل العلوم والعلماء وبيوت العلم من منطلق خذ الحكمة من أي وعاء خرجت خصوصا بعد التجربة الغنيّة ونجاح مؤسسة قطر ولربع قرن في عدّة أمور:
أولها: بداية التأسيس المحلي النابض المتمثّل في نجاح سمو الشيخة موزا بنت ناصر باقتدار في تكوين بوتقة أصيلة للتعليم في جذر المدارس في التعليم الأساسي للمؤسسة قبل مرحلة التعليم العالي.
وثانيها: نجاحها ومؤسسة قطر في تكوين نموذج متفرّد لجامعات التعليم العالي والمتمثّل في المنارة الرائدة في كلية الدراسات الإسلامية التي شكّلت نسخة فريدة لدولة قطر تأسست بعقول عربية ومسلمة من مختلف أقطار العالم.
ثالثها: نجاحها في إعداد المظلّة الجامعية العليا الكبرى جامعة حمد بن خليفة التي لم تقتصر على الكليّات الرائدة في مجالها فحسب بل أبدعت في تأسيس مراكز نوعيّة للبحوث وفق رؤية مستقبليّة دولية ثاقبة لعِلْمٍ مستحق واسم على مسمّى حمل اسم عَلَمٍ مستحق هو (حمد بن خليفة) سمو الأمير الوالد الرائد المتقد السابق لعصره وزمانه الذي اعتنى بالاستثمار البشري وهو أعلى درجات الاستثمار الذي كان ركيزة رؤية قطر الأولى.
رابعها: حصافة الاقتداء والتأسي منذ ما يزيد على عقدين بنجاح مؤسسة قطر في استقطاب أعلى مراكز التعليم تصنيفا من تلك الجامعات المعروفة والمرموقة عالميا في تخصصاتها والمهمة من جامعات إسلاميّة أيضا بالإضافة إلى تلك الجامعات الغربية أو الأمريكيّة المهمّة في ما يعرف بالتبادل والتلاقح الفكري والحضاري وهي ما تساوم عليه راعية حملات التضليل في تسييس التعليم والبحوث.
وأخيرا: نجاح الاستقطاب الفكري والاستثمار الذاتي المحلي القطري في أبناء قطر من الخريجين من حملة الشهادات العليا من المدينة وإليها وكذلك من منارات علمية أخرى سواء كانت في قطر أو خارجها والذي جعل قطر منبعا ومصبّا للنخب الفكرية القطرية والمواطنة العربية والمسلمة والغربية ومن كلّ الجنسيّات والثقافات.
وهنا أصل إلى الجزء الأخير من العنوان الذي قدمته في مقالين سابقا: «حملة الجامعات والإشعاع الفكري المضادّ» فهل ستعجزنا الحملات التضليلية؟
لا لم ولن تعجزنا... وربما قد آن الأوان لإعلان نموذجنا المتفرّد من المدينة التعليميّة للتعليم العالي في قطر وبكلّ أطيافها من الكليّات والجامعات ومراكز البحوث التي تأسست باقتدار في مؤسسة قطر فشكّلت إشعاعا حضاريا وبوتقة لم تنصهر فيها كل العلوم من كل الثقافات وفي كل المجالات فحسب بل شهدت محفلا علميا وفكريا لأهل العقول من أساتذة وعلماء ونخب فكرية وممتهنين وكوادر تعليمية وإدارية وفوق ذلك خريجين وطلاب قطريين وغير قطريين مقيمين وملتحقين من الخارج متفوقين ومحبين وممتنين لمحضن علّمهم في بيئة إيجابية حققت لهم تعليما نوعيا وشهادات بمعايير عالمية وأخلاقيات مهنيّة دون انحياز. ربما آن لها الأوان لأن تكون تحت مظلة جامعة حمد بن خليفة بقوتها ومعاييرها ومكانتها العلمية والتي خطفت فيها قطر الأبصار، وشكّلت وستشكل فيها كما نراها الآن ونستشرفها مستقبلا حاضرة إسلامية رائدة ونموذجا شبيها بما قدمته الحضارة الإسلامية في عصر الخلافة العباسية في عهد المأمون والرشيد والتي جعلت من مدينة قطر التعليمية «دار الحكمة» وهي تؤسس لها وتعلم سلفا أن الحكمة ضالة المؤمن سواء أتت من الغرب أو من الشرق خصوصا وأن رؤية قطر وسياساتها تنبع من حكومة تؤمن بأن العالم الإسلامي هو حاضرة الثقافة والعلم والإشعاع الحضاري الذي أمد أوروبا والغرب بالحضارة في عصر كانت تعج فيه في الظلمات والذي لولا هذا الانتقال والتمازج والتلاقح لما كان له امتداد وإشعاع.
ولن نلام إذا اتَّقدت فينا مفخرة استشرافية وتفاؤلية ترى قطر أندلس الشرق في العصر الحديث وعودة وإحياء لروح الرازي والزهراوي وابن الهيثم وابن النفيس والخوارزمي مجددا لتؤسس من مراجعهم ومرجعيتهم الفكريّة مجدا على مجد وربما من أسمائهم أسماء لجامعات تخصصية تحت مظلة حمد بن خليفة في أرض تشكّل صحوة فكريّة للأندلس العربيّة الإسلامية واجتماعا للعلم والعلماء والنخب ودور الحكمة في قطر ذلك البلد الصغير العظيم الذي ينطبق على أندلسه ما صدح به الشاعر العربي السوري محمد صالح عنوانا لديوانه الشعري الجديد الذي دشنه الشهر الماضي في معرض الكتاب: «أمويّ عائد إلى مضر؟»
وللّه درّ بني أميّة ومضر وسائر النخب إذا اجتمعوا...
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4665
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3315
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1179
| 01 أكتوبر 2026