رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد تسليم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر مقاليد السلطة رسميا للرئيس الجديد الدكتور محمد مرسي، وبعد أن أقيمت مراسم التسليم العسكرية في مقر القيادة المركزية، وعقب أدائه اليمين أمام المحكمة الدستورية، ليكون بذلك أول رئيس منتخب يدخل مقر رئاسة الجمهورية بقصر العروبة، يدخل الدكتور مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين سابقا وإحدى القيادات السياسية بالجماعة، القصر وهو متعب ومرهق من الجولة الأولى فالثانية لانتخابات الرئاسة، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من أن يخسر معركة الانتخابات الرئاسية لصالح الفريق أحمد شفيق.
بعد يوم التنصيب الشاق الذي لم يترك في جسده طاقة، دخل الدكتور مرسي إلى القصر الجمهوري، خلع معطفه الرمادي الغامق وحل ربطة عنقه العنابية اللون، وأزاح نظارته الطبية لتستقر على المكتب أمامه، جلس على الكرسي الوثير واضعا ساعديه خلف رأسه وهو يسترجع شريط ذكريات الأيام الخوالي، سنوات السجن والنضال، وكيف أن سنة كونية إلهية قدرها الله تبارك وتعالى، وهي تعاقب الأيام ودورانها على العباد، وتقلب الأحوال فيها من علو إلى نزول ومن نزول إلى علو، واستدرك قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). أمال مرسي رأسه إلى الخلف في الكرسي الوثير وابتسم ابتسامة هادئة وهو يسترجع الأحداث الماضية وكيف أصبح السجين رئيسا لأهم دولة عربية، والرئيس المخلوع مسجونا. أغمض مرسي عينيه وهو يستذكر ما لمصر من مكانة عظيمة في الإسلام، فقد كرمها الله بذكرها في القرآن، فهي كنانة الله في أرضه.
راح مرسي مستغرقا في الغد المشرق الذي ينتظر مصر وشعبها، وفي استغراقه الشديد ذاك، تراءت أمامه صورة رجل ورع تقي يشع وجهه بنور الصلاح والإيمان وهو جالس في مصلاه، سائلة دموعه، فدخلت عليه زوجته ذات الدين، فقالت: يا أمير المؤمنين، أشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، وذي العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة عن خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.
لم يكن مرسي في حاجة إلى التفكير للحظة لكي يتعرف على أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، كيف لا يعرفه وهو الخليفة الذي تمرس، قبل توليه الخلافة، بالإدارة واليا وحاكما، واقترب من صانعي القرار، ورأى عن كثب كيف تدار الدولة، وخبر الأعوان والمساعدين، فلما تولى الخلافة، كان لديه من عناصر الخبرة والتجربة ما يعينه على تحمل المسؤولية ومباشرة مهام الدولة، وأضاف إلى ذلك أن ترفع عن أبهة الحكم ومباهج السلطة، وحرص على المال العام، وحافظ على الجهد والوقت، ودقق في اختيار الولاة، وكانت لديه رغبة صادقة في تطبيق العدل، واستطاع أن يحول تلك المرحلة التاريخية الحرجة من تاريخ الأمة للعودة بالحياة إلى تحكيم الشريعة وآفاق الخلافة الراشدة الملتزمة بمعطيات القرآن والسنة.
صاح مرسي: يا أمير المؤمنين، لقد انتشر الفساد في الأرض وعمت الفوضى، وأصبحت بقدرة الله حاكما على أرض الكنانة مصر، فما هي النصيحة؟
أمير المؤمنين: في أول لقاء لي بالأمة، خطبت الناس وأنا على المنبر، وضعت منهجا للحكم في أربعة مواضع. أولا: الالتزام بالكتاب والسنة، وأني غير مستعد للاستماع إلى أي جدل في مسائل الشرع والدين. ثانيا: حددت لمن يود العمل معي أن يكون عمله معي لخمسة أسباب، وإلا فليفارقني: أن يرفع عليه حاجة من لا يستطيع أن يصل إليه، وأن يعينني على الخير ما استطاع، وفرضت على من يعمل معي أن يرشدني ويهديني إلى ما فيه خير الأمة وخير الدين، ونهيت أن يغتاب عندي أحد، وأن لا يتدخل أي متقرب مني في شؤون الحكم. ثالثا: حذرت الناس من عواقب الدنيا لو أساءوا فيها، وطلبت منهم أن يصلحوا سرائرهم. رابعا: قطعت على نفسي عهداً بألا أعطي أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا.
مرسي: ولكن زمانك يا أمير المؤمنين غير زماني، كثر الفساد، وظهر العناد، واستعلى المراد في كل شؤون ومناحي الحياة، فالمفسدون في الأرض ينشرون الباطل والإلحاد، ويدعون إلى الضلال ومخالفة الشريعة، والتنكر لها، ويعتقدون أن هذه هي شريعة العولمة الجديدة.
أمير المؤمنين: يا عبدالله (مرسي)، لقد ظل الفساد في الأرض منتشراً في كل زمان ومكان، وبأنواع شتى مختلفة، منها المعاصي، والمخالفات لشرع الله، بارتكاب نواهيه وتعطيل أوامره (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
عليك بالعدل وذلك بمنع الظلم وإزالته عن المظلوم، ومنع انتهاك حقوق الناس المتعلقة بأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وإزالة آثار التعدي الذي يقع عليهم، وإعادة حقوقهم إليهم ومعاقبة المعتدي عليها فيما يستوجب العقوبة، عليك برد المظالم وأن تبدأ بنفسك أولا، مهما كان الأمر صغيرا أو كبيرا، حتى تكون قدوة للآخرين.
مرسي: لقد أنشأت ديوان المظالم، حتى غدت بوابات القصر مكانا لاستقبال شكاوى ومطالب المواطنين منذ تولي الحكم.
أمير المؤمنين: جد في الأمر، واجتهد، ولكن يجب عليك أن تضع آلية للديوان حتى تستطيع أن تطبق النظام بكل شمولية ودقة من أجل استقامة دعائمه، وإلا فسوف تفشل في تحقيق الغاية.
مرسي: يا أمير المؤمنين، لقد قامت الثورة في مصر من أجل الكرامة والحرية، ولكن الوضع الاقتصادي سيئ ومتدهور، فالثورة لم تكن فقط مجرد انتفاضة نخب سياسية ومثقفين، ولكنها كانت ثورة حقيقية نتيجة أزمة اقتصادية طاحنة.
أمير المؤمنين: من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، عليك أولا أن تحافظ على أمن البلاد والعباد، ومن ثم تستطيع تحقيق الأهداف الاقتصادية، وذلك بتوفير المناخ المناسب للتنمية، وعليك برد الحقوق لأصحابها، وإطلاق الحرية الاقتصادية المنضبطة، ورفع مستوى الطبقات الفقيرة. عليك بأن تتبع خطوات ترمي إلى زيادة الإنتاج الزراعي، فمصر أرض خير وجنان. وعليك بالإنتاج الصناعي حتى تستطيع القضاء على البطالة، كما عليك تشجيع الاستثمار الصناعي تماشيا مع روح الإسلام الذي يحث على الاستفادة من العلم والحكمة في جميع الميادين، طاعة لله وخدمة للناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها).
مرسي: هناك نقطة هامة يا أمير المؤمنين، إن تطهير القضاء المصري ضرورة ثورية ومطلب شعبي، فكيف الوصول إليه؟
أمير المؤمنين: إن القضاء في الإسلام يا محمد، له تاريخ طويل في النزاهة والاستقلال، والتاريخ الإسلامي حافل بقصص رائعة للقضاء، حتى أن أحد القضاة في عهدي قد حكم مرة بإخراج جيوش المسلمين من سمرقند، التي فتحها قتيبة بن مسلم، من دون أن ينذر أهلها. وفي عهدي اشترطت في القاضي خمسة شروط، ولا يجوز له أن يلي القضاء حتى تكتمل فيه هذه الشروط، وهي: العلم، والحلم، والعفة، والاستشارة، والقوة في الحق. وإذا ما أردت قضاء نزيها، فينبغي عليك الإسراع في تنفيذ أحكام القضاء وعدم التباطؤ وتقصير الإجراءات في المحاكم وتعجيل النظر في الأحكام.
مرسي: كيف استطعت يا أمير المؤمنين متابعة أمر الرعية وتصريف شؤون جميع الأقاليم في الدولة الإسلامية؟
أمير المؤمنين: كنت أمضي جل وقتي أرسم سياسة الإصلاح، والتي شملت مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية، عليك بالبطانة المعينة على الخير، التي توضح لك كل ما فيه المصلحة للدولة والشعب، وتكون بذلك قد أعانتك على تحقيق المصلحة العامة، وكنت أرسل المفتشين إلى الأقاليم ليتعسسوا ويبحثوا في أمور الناس وأحوالهم، فيأتوني بالأخبار والمستجدات. وعليك بمبدأ تقسيم العمل ومهام المسؤولية للدولة، فإن للدولة أركانا لا تثبت إلا بها، فالحاكم ركن، والقاضي ركن، والشعب ركن، والوالي أو الوزير ركن، فعليك بالوزراء الذين يعينونك على إدارة شؤون البلاد والعباد، ولقد سعيت في تحقيق السلامة من الفساد الإداري، بالحرص على سبل الوقاية منه، وسد المنافذ على المشاكل الإدارية مثل الخيانة والكذب والرشوة.
مرسي: وماذا عن الحرية التي قامت من أجلها الثورة في مصر؟
أمير المؤمنين: لقد حرصت على تنفيذ قاعدة حرية الاعتقاد في المجتمع، وإقامة العدل ورفع الظلم عن الناس وعدم التضييق عليهم في معتقدهم ودينهم، انطلاقا من قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وإطلاق الحرية السياسية والحرية الشخصية وحرية التجارة، فالحرية في المجتمع الإسلامي دعامة من دعائم النجاح والتقدم والرقي.
مرسي: إن قضية التعليم يا أمير المؤمنين، من أهم القضايا الشائكة في الوقت الراهن، والتي تقف عائقا أمام التنمية الاقتصادية والبشرية.
أمير المؤمنين: إن الهدف من التعليم في الإسلام هو زيادة علم المسلمين، مصداقا لقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، فالتعليم يمثل نقطة الانطلاق السليمة والمحور الأساسي للدولة الإسلامية، لذلك أولاه الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، لما للعلم من مكانة عظيمة في إصلاح الشعوب وترقيتها، لذا فقد حث الإسلام المسلمين على الزيادة من العلم وتنميته. وعليك بالمعلم، لأنه حجر الزاوية في العملية التعليمية، بجانب التركيز على المنهج التعليمي، من أجل الوصول إلى الأهداف السامية، والتي تجمع بين الدين والدنيا.
ومع انطلاق صوت الأذان من المسجد القريب من القصر، فتح مرسي عينيه، ورأسه مازالت تدور بها بقايا رحلة قصيرة بين اليقظة والأحلام والأفكار والهموم، من أجل غد أكثر إشراقا لأرض الكنانة، قام مرسي يتوضأ للصلاة وهو يردد مقولة أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز: إنما أنا رجل من المسلمين، غير أني أكثر المسلمين حملا وعبئا ومسؤولية أمام الله، كيف أنام وقد وليت أمر الناس وفيهم الفقير والجائع والمسكين والأرملة.
إنه الاختلاف الكبير والبون الشاسع، لقد حكم عمر بن عبدالعزيز، فعدل، وعاش مرتاح الذهن والبال بين شعبه، لا بعيد عنهم، لأنه لم يكن يخشى إلا الله، ولم تكن الدنيا تساوي عنده مثقال ذرة من خردل. فهل يستطيع الدكتور مرسي أن يعيد لمصر مكانتها، وأن يرسم خارطة طريقها نحو دولة إسلامية عصرية، تتباهى بها كل الشعوب العربية والإسلامية؟ أم سوف تحل عليه لعنة الأسلاف تتبعها لعنات جيل الربيع العربي والتاريخ؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4281
| 23 سبتمبر 2026