رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرت في مقالات سابقة أن «أعداء الإنسانية» لم يتركوا مجالا واحدا من مجالات الفطرة إلا وحاولوا إفساده وتشويهه في سعيهم الحثيث لـ «صناعة الكفر». واليوم نتحدث عن إفساد الحياة بإفساد الصوت، وهذا بحد ذاته بحر من الأسرار والمعلومات الموثقة، وليست «التآمرية»، قد لا يصدقها عقل. فكما أن للصوت أثرا إيجابيا على النفس كصوت القرآن يُتلى، فإن له أثرا مدمرا، أيضا، لا يقتصر على الأغاني الماجنة. فقد طور أعداء الإنسانية طرقا أخرى للإفساد بالصوت أهمها التلاعب بالترددات. وربما يتذكر كثيرون الحلقات المميزة التي قدمها الزميل يسري فودة عن الماسونية على قناة الجزيرة في عام 2008. وكان من بين المعلومات الصادمة فيها أنهم يتلاعبون بترددات الموسيقى وكلمات ونغمات الأغاني وبسياقها وتشغيلها من الأمام للخلف، وبالعكس، ويُضمّنونها معانى تمجد الشيطان وترددات تؤذي النفس.
وقد أظهرت الأبحاث أن كل الأصوات حولنا هي مقادير من الطاقة، ترتبط بشبكة من الترددات الكهرومغناطيسية، التي تنتقل عبر الهواء، في شكل موجات. وكان أول من رصدها وقاس سرعتها الألماني هاينريخ هيرتز، عام 1888. وقد درس اللغة العربية، التي وضع علماؤها المسلمون أُسُسَ «علم الصوتيات». وسُمي باسمه، مقياس سرعة الترددات الصوتية «هيرتز». وهذا يختلف عن مقياس شدة أو قوة الصوت وهو «ديسيبل». وتختلف الترددات بحسب مصدرها وكم الطاقة المختزنة فيه. واندرج ذلك ضمن علوم الفيزياء، في ضوء نظريات منها نظرية الموسيقى لفيثاغورث، ونظرية الدوّامات لهيرمان هيلمهولتز، أستاذ هيرتز، وصولا إلى المزج بين الصوت والكهرباء، فيما يعرف بالموجات الكهرومغناطيسية، التي باتت تصنع صناعة، منذئذ، حيث اختُرعت موجات الراديو، والموجات الصوتية المتراكبة، وأشعة إكس، وغيرها.
كما تم التعرف على وجود ترددات نافعة وترددات ضارة. فقبل نحو مائة عام وتحديدا في عام 1930، أجرى د. رويال ريموند رايف تجارب على الترددات الصوتية تمكن من خلالها إثبات التأثير الضار للتردد 440 هيرتز على الإنسان، مقابل ترددات مفيدة منها 432، و528، كونها متناغمة مع الترددات الكونية. كما أثبت أن الترددين الأخيرين يقعان ضمن صوت تلاوة القرآن والأذان، ولهما تأثير علاجي شاف. كما اخترع د. رايف تقنية الرنين الحيوي وتمكن بها من علاج 16 حالة من السرطان خلال 3 أشهر، فكان جزاؤه الاغتيال من قبل أعداء الإنسانية، وإنهاء برنامجه العلاجي، بحسب باري لاينز وكتابه، «علاج السرطان الذي نفع» 1987. وفي عام 1952، اكتشف الألماني شومان ( (W.O. Schuman رنين أو»نبض الأرض»، وهي ترددات وموجات سميت باسمه بتردد 7.83، ويؤدي التلاعب به إلى الإضرار ليس فقط بالإنسان، بل بشبكات الطاقة والأقمار الصناعية.
لاحقا، أكد الدكتور ليونارد هورويتز، أحد أكبر علماء الصحة العامة، أن التردد 528 يمكنه إحداث تغييرات في الحمض النووي للإنسان، وإمداد الجسم بطاقة إيجابية شفائية. وهورويتز ذاك هو ذاته الذي نبه في لقاء مع «الجزيرة» عام 2009، إلى تواطؤ الحكومة الأمريكية وشركات الأدوية ووسائل الإعلام و»الصحة العالمية» لنشر فيروس ولقاح انفلونزا الخنازير، ضمن تجربة عسكرية راحت أمه شخصيا ضحيتها.
وهكذا بات معروفا ومنذ زمن بعيد أن الصوت يمكن استخدامه كسلاح، أو أداة للخير أو الشر. وتعزز ذلك بتطور مخيف يسمى «تكنولوجيا المؤثرات الصوتية» التي باتت أهم من الانتاج الصوتي نفسه. ولا نتحدث هنا عن تزييف الأصوات ولكن عن التأثيرات النفسية للصوت. وفي عام 1953، قرر أعداء الإنسانية فرض التردد 440 هيرتز على البشر، فصدر قرار للمنظمة الدولية للمعايير،ISO، بأن تُصنع كل الموسيقى في العالم بذاك التردد، الذي يسبب حالات من الاكتئاب والأمراض النفسية. ومَنْ كان وراء هذا القرار؟...نعم، «مؤسسة روكفلر»، تلك التي كانت وراء إهلاك الحرث والنسل والزرع والضرع، كما تقدم. وعندما تهيمن موجات كهرومغناطيسية وترددات معينة على الدماغ، ومنها 440، يشعر الإنسان بالكسل والتعب، بينما تجعله موجات أخرى متأهبا ويقظاً. وثبت أيضا أن الترددات الموسيقية يمكنها، في أقل تأثيراتها، أن تشل التفكير وتجعله أسير اللحن. لكن الترددات التي يفرضها أعداء الإنسانية لها تأثيرات أخرى قد تصيب الإنسان بأمراض مثل الفصام والتوحد الذي بات شائعا في الغرب بالذات. والأكثر شيوعا هو مرض القلق الحاد الذي تشعر وكأنهم يسقونه للأطفال سقيا في المدارس، نظرا لكثرة أعداد الأحداث المصابين به بدرجات وأشكال مختلفة، حيث تملأ الموسيقى والأغاني مراكز التسوق والشوارع وحتى العيادات. ويؤكد د. روبرت فايفر، مدير قسم السمع وأمراض النطق في جامعة ميامي، ومازال حيا يرزق، أن الموجات (تحت الصوتية) والموسيقى الصاخبة، (موسيقى عبدة الشيطان، ويقابلها عندنا ما يسمى موسيقى المهرجانات)، تسبب ما يسمى مشكلة الارتجاف السمعي، وتؤدي إلى طيف واسع من الأمراض، تصل بالإنسان للانتحار.
أخطر ما في الأمر الإفساد الصوتي هو أحد أسلحة التحكم بالعقول البشرية، وهي أكثر خطرا من القنابل الذرية، لأنها تستهدف تقريبا كل الناس والمجتمعات والدول، في حرب غير معلنة لا تستثني أحدا. والغريب أن بعض المشتغلين بالدين ينفون إمكانية التأثير بالصوت على الإنسان، ويخلطون بينه وبين شعوذة العلاج بالطاقة، برغم ما ثبت في الأثر عن ذلك، وبرغم ما أثبته العلم الحديث، ومنه، مثلا، أن قراءة القرآن، والدعاء والذكر، على الماء تغير شكل جزيئاته، وذلك بحسب كتاب «الرسائل المخفية في الماء» للطبيب الياباني إيسورو إيموتو. فما بالك بالإنسان الذي يشكل الماء 70 % من جسمه. ولا أدري ماذا يقول هؤلاء عندما يعلمون عن حرب أكبر وأشمل من مجرد إفساد الصوت سماها من يشنونها علينا «هندسة الفكر». وفي هذا حديث آخر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5148
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4947
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1674
| 13 مايو 2026