رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أمور لا تستدعي مخاطبة سعادة الوزير عبدالله بن خالد القحطاني لأنها عادية، ويمكن أن تؤجل، ولا يترتب على تأخيرها إضرار بمصالح الناس، ولعل أهم مصالح الناس صحتهم، وهنا تصبح مخاطبة سعادة وزير الصحة ضرورية، أولاً لأن الأمر لا يحتمل التأجيل أو الانتظار، وثانياً لأن الأمر متكرر، والشكوى هي نفسها، وهنا أود عرض مشهد حدث في العيادات الخارجية بقسم السجلات والتقارير يوم 16/12/2012 حيث حضر شاب يبدو لأول وهلة أنه مريض جداً، يشي بذلك شدة إصفرار وجهه، ووقفته منحنياً من شدة الإنهاك، سأل الموظفة عن تقريره الذي من المفروض أن يتسلمه، قالت الموظفة بصوت خفيض (التقرير مش خالص) هنا رفع صوته المتعب ليقول لها (ثلاثة شهور أراجع وبعد مش جاهز، ما تشوفين حالتي، المحكمة ناطرة التقرير وأنا رايح جاي وما أسمع غير مش جاهز؟ متى يصير جاهز حرام عليكم) وانصرف الشاب وهو في غاية الغضب والاستفزاز يشد قدميه، ويشد تعاطف الواقفين معه!
انتهى المشهد المتكرر إذ ليست هذه حالة وحيدة تشكو من تأخير التقرير الطبي، وهنا نسأل ما أسباب تأخير التقارير؟ هل هو ضغط عمل؟ إن كان كذلك، فهناك حلول بالتأكيد، ثم لماذا يقال للمريض المراجع تعال بعد أسبوعين ثم يراجع شهرين دون تسلم تقريره الطبي، وقد يتعلق الأمر بعارض صحي عاجل، أو بموعد مع طبيب، أو بسفر لإجراء عملية مستعجلة، أو بصدور أحكام فاصلة فيها حقوق ناس؟ أعتقد أن الأمر لأصحابه في غاية الأهمية لأنه لا يخص نزهة بل يخص صحة، أما عن معاناة المراجعة فهذا أمر مؤلم آخر، فإذا كان الصحيح منا يتعب ويضجر وهو يلف ويدور طويلاً حتى يجد مركناً لسيارته إذا ما راجع في أمر صحي، فما بالنا بالمريض الذي أجرى عملية حديثة، أو المسن المنهك، أو ذي الاحتياجات الخاصة الذي قد يكون بلا مرافق وهو يجرجر أقدامه من سيارته حتى (كونتر) المراجعة ثم يقال له التقرير غير جاهز تعال بعد أسبوعين ليتكرر الإجهاد، والمشقة، والتعب؟
لأن الأمر إنساني جداً، ويشكل معاناة لأصحابه نرفع هذا المشهد لسعادة وزير الصحة ونحن على ثقة بأن مسألة تأخير التقارير ستحل رحمة بالمرضى، وتيسيراً على الموجوعين الذين اجتمع عليهم هم المرض وهم تأخير التقارير، والشكر الجزيل نقدمه سلفاً، ويا ريت تتشرف إدارات المستشفى المختلفة بزيارة تفقدية مفاجئة لسعادة الوزير دون الإعلان عنها ليرى بنفسه ما يشكو منه الناس على الطبيعة، فليس من سمع كمن رأى، مع خالص التقدير ووافر التحية.
• حكايات الناس
• كل يوم نرى مآسي موجعة للروح، ونستطيع دون جهد عد أضلاع المحرومين من النعمة وقد صدمتنا البوصات الملونة بصور غارقة في الفاقة، ونحن غارقون في ترف يجعلنا نرمي أكثر مما نأكل، كل يوم نرمي أشكالاً لا تعد ولا تحصى من نعم يتمناها الغارقون في جحيم الجوع، ولا ننتبه إلى أننا يمكن أن نطعم قبيلة بحالها مما نستغنى عنه في سرف لا نظن أننا سنحاسب عليه، قد تمر (لا مؤاخذة) بأي كوم فضلات، في أي مكان، ستلاحظ أن في تلك المخلفات (خبز) ألقاه الناس مع فضلات طعامهم، أحياناً ترى الخبز (مكسر) وأحياناً كامل الاستدارة، ويكون خلاصنا منه بالقمامة إما بطراً لأنه (بايت) أو (تالف) بفعل إهمال حفظه، أو لأنه بقية ما أكل الآخرون، ولا يروق لنا لمس ما فاض من الآخرين أو أكل منه أحد وهنا تكون (الزبالة) أولى به، صديقتي الجميلة لها شأن آخر مع بقايا الخبز سواء المكسر أو الذي تلف سهواً، إذ كلما تجمع عندها خبز من هذا النوع وضعته في كيس، ثم تذهب به مع أحفادها إلى بحيرات (اسباير) حيث تقطعه صغيراً صغيراً ليطعمه الأحفاد للبط الهائم سابحاً فوق البحيرة، أو يلقونه للأسماك التي تقترب من الحافة لالتهامه ليضج الصغار فرحاً وسعادة وابتهاجاً، يوماً قلت لها (ما أطول بالك شايلة الخبز من بيتك لحد اسباير عشان تأكلي البط والسمك؟) ابتسمت ابتسامة طيبة وهي تقول: أجد في هذا العمل البسيط سعادة غريبة، ومن يدري فربما كتب لي بهذا الإطعام عمل صالح رجح كفة الميزان في يوم صعب نحتاج فيه إلى الإحسان!!
• هل تعرفون أوجاع الحنين؟ سؤال لا يعرف وقعه على النفس إلا من اكتوى بمشاعر الشوق لأحبة فارقهم وفارقوه، تستطيع قطعاً أن تتصور الزحام، وصراخ الأطفال، وحالة الضجيج التي تجتمع في مساحة مركز تسوق، وتستطيع قطعاً أن تتخيل حجم ضغط العمل على أي كاشير يجلس أمام صندوق حاسبته مشدود الأعصاب، متخوفاً من أي خطأ سيكلفه كثيراً وهو يتعامل مع عشرات الآلاف بوقت وجيز، في هذا المشهد بأحد مراكز التسوق رأيتها تجلس أمام صندوقها تتسلم قيمة الفواتير وبتأن تعيد الباقي، لاحظتها، نحيلة، وجهها فارقته حيويته، عيونها خابية وكأنها باكية، عندما حان دوري لدفع فاتورتي سمعتها رغم كل هذا الضجيج والضغط العصي على الاحتمال تغني "آي نيد يو بسيد مي" أحتاجك إلى جانبي، مازحتها سائلة من هذا الذي تريدينه إلى جانبك؟ قالت حبيبي، عدت أسألها متزوجة؟ ردت وكأنها تفخر أنا أم لأربعة أطفال ثلاث بنات وولد كلهم في مانيلا مع أمي، حبيبي الصغير يعذبني فراقه، مازال يحتاجني، يوجعني حنيني له لكني أحتاج المال لأوفر لأطفالي طعاماً جيداً، وتعليماً جيداً، كل حرف قالته كان ينزف بأوجاع الحنين، وصلني جداً ما تقاسي منه وتتألم، إنها باختصار أم تتمزق حنيناً لوجه صغيرها الذي تفتقده، ربما لم يسألها أحد قبلي عن أحزانها، وضعتني في حالة شجن لكني ودعتها راضية ربما لإحساسي بأن حديثي السريع معها كان له وقع السلوى في نفس حزينة مغتربة.
• ملاحظة:
• في مقال الأسبوع الفائت بفقرة الطفلة التائهة التي سلمتها للبحث الجنائي وردت كلمة (المباحث الفيدرالية) والمكتوبة في أصل المقال (المباحث الجنائية) كلمة (فيدرالية) خطأ مطبعي لم اكتبه بمقالي، لذا لزم التنويه والاعتذار لمن يهمه الأمر.
• طبقات فوق الهمس
• ما لنا عندما نتصدق أحياناً نبحث عن أسوأ ما لدينا لنعطيه، هو جمع ألعاب أولاده المكسرة، الناقصة يد، ورجل، ورأس، وعجلة، وجهاز تشغيل وأهداها لأيتام جنوا بها فرحاً، في نفسي قلت ما ضره لو أسعد الأيتام بغير المكسور، والمبتور، والتالف؟ أتراه لا يحب أجراً ما خطر على بال بشر؟
• أعجبني جداً قول جواهر آل ثاني "للحزن وجه مبتسم لا يراه إلا المؤمن"!.. صدقت إذ كثيراً ما نضجر مما أصابنا فنشكو لطوب الأرض، وقليلاً جداً ما نسكت والحزن قاطع لنياط القلب واجدين أنساً حتى في الابتلاء!
• قرأت إعلاناً يقول (للبيع قصر لعظيم، الوسطاء يمتنعون) توقفت عند العظيم، وهمس خاطري لنفسه أما علم (المعلن) بضم الميم ألا عظيم إلا الذي خلقه وخلق ساكني القصر الفخيم؟!
• كثيراً ما يكون ردها على الهاتف بأن فلانة (المطلوبة) غير موجودة، أو في الحمام، أو نايمة، أو مشغولة في المطبخ، أو عندها ضيوف، رغم أن فلانة المطلوبة تجلس على بعد خطوات منها!.. أترانا ندرك أن هذه الأنواع من الكذب محسوبة علينا، وأنها من أبشع صور تمرين الصغار على الكذب عملياً بالصوت والصورة، على اعتبار أنه إذا كان رب البيت بالدف ضارباً.. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص!!
• تجرؤوا على منع طالبة محجبة من دخول قاعة الدرس، فهذا ما يناسب عاداتهم، (مفيش حاجة تتغطى) أما نحن فلم نجترئ ونوقف مساخر الملابس الفاضحة والشورتات، والمايوهات، وعري الصدر والظهر في المجمعات والكورنيش والشارع، لأن ما تقدم لا يناسب ديننا أولاً قبل عاداتنا وتقاليدنا، أليس الأمر يدعو للعجب؟
• يقول الشاعر: دقات قلب المرء قائلة له.. إن الحياة دقائق وثواني، نعرف كم مضى، لكن كم من العمر بقي على انتهاء الرحلة؟ سؤال يسأله الخائفون كل لحظة فيحسنون إعداد الزاد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2238
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1479
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1131
| 11 أكتوبر 2026