رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قررت أن تختار في عمر لم يكن يسمح لها بذلك. أنهت مرحلة وجاء الوقت لتختار، وكأي فتاة حينما يُطرق الباب تفتح، لم تمتلك أي مهارات تؤهلها لمعرفة أي نوع من الأبواب يناسبها.
لم يكن اختيارها يحمل نوعا من التوافق الاجتماعي، وهذا ما جعل أمامها فجوة كبرى تراها كل يوم تزداد. فجوة تعيدها كل يوم باحثة عن ذاتها التي تشعر بأنها مفقودة في زحام الحياة الصاخبة بأشياء ليس لها رغبة بها. وبقدر ما كانت تفقد أهمية المحور الاجتماعي وأنه كفيل بأن يحطم علاقات بين طرفين، وأن يقتل شجرة الود. وعلى الرغم من وجود التوافق النفسي بشكل كبير وأن هناك تفاصيل كانت تشبهها وبقوة، إلا أنها كانت تشعر بالغرق إلى حد أنها لا تستطيع أن تخرج أنفاسها في كثير من الأحيان.
وحينما كانت تحاول الاقتراب وتجاهل الصعوبات التي تظن أن الزمان قادر على محوها، تجد أن كل العوامل الأخرى تنفرها بشكل يجعلها تبغض الشيء ذاته، الذي كان اختيارها. أو ربما لم يكن لديها صورة مكتملة وناضجة وكانت تظن أنه اختيارها. لم يكن هناك تشابه في شيء سوى ذاك الامتزاج الوحيد بروحها. كان الصراع بين السير وتجنب كل ما هو كائن، أو البحث عن تلك العوامل الأخرى التي في نظرها هي مكتملة.
في المرة الثانية، اقتربت من عوامل أخرى وشعرت بأنها امتلكت القرار الذي يجعلها تبحث عن البيئة التي تناسبها بشكل أكثر مما كان عليه الاختيار السابق، كان قرار البحث ينصب نحو الجانب الاجتماعي والثقافي، ربما فكرت التنازل عن نفسها بشكل جزئي شيئا فشيئا!
حينما قررت الانفصال عن تجربتها كان صوت داخلها يؤلم، وكانت مؤمنة به إلى درجة لم يعد بداخلها رغبة في السؤال عن ذاك الشريك الجديد، إنه شريك له سمعة طيبة، وأدركت جيداً أنه سيمنح لها العديد من الإيجابيات. بحثت عن التوافق بشكل كبير، وحينما اقتربت أكثر، وجدت أنها تواجه بنفسها قرار التخلي عن الجانب النفسي، بوضوح وأنها في منتصف الطريق، لا يمكنها الإقدام، حتى وإن كان هناك بعض الصراعات، وأن الصورة الخارجية لا تكفي بمفردها للاستمرار.
مضت أعوام وأعوام تحاول البحث عن ذاتها، وخلال هذه الأعوام ظل الشريك عابث الوجه طيلة مشوارهما. كلما اقتربت كان يبتعد، وكلما فشلت كانت تظن أنها بحاجة لأن تعطيه من وقتها أكثر، طالما كانت تسند الفشل والقصور لها. لم تحمله يوماً الذنب. وكانت تشعر أن ثمة شيء لا يليق بها. حتى آن وقت كسر القيود التي كتفتها وأن تنطلق متجهة للشيء الذي امتزج بروحها وامتلأ بكل معاني الحب والرغبة والشغف. ووجدت أنها باتت تجد في ذاتها النضوج الكافي للقرار. وقد حان الوقت لتجنيب المعايير المادية التي يمكن لها أن تكون قيد لمشوار كان السير فيه شاق.
في الاختيار الثالث، أيقنت أن الارتباط هو قرار لابد أن يستند إلى أبعاد عدة وكل منا عليه المفاوضة أي العوامل لها نسبة أهم له هو فقط. ولكننا نخطئ حينما ننحي بعض العوامل المهمة بشكل كامل. فكان لهذا القرار الدراسة الكاملة، ومع امتلاك الوعي الذي جعلها تفاوض وتقارن. فكان التفكير بالبعد العقلي النفسي، والاجتماعي، والعاطفي، وذاك الشكل الخارجي، ووضعت البعد الديني بالشكل الذي يليق بها دون الخلل بأساسه المرهون والمشروط. وكان المنطلق الذي وجدت فيه ذاتها. ووجدت أن الشريك قد عرفها حتى أنها باتت تنتظر أن يأتي، ووقت غيابه تفكر كيف تنمي نفسها كي تليق به، وأصبح الغد له صورة مكتملة، وأصبح لديها رغبة بالسير والعطاء. وقتها قررت أن حقيقة اختيارها الأخير بذات المجال التي قررت أن يكون هو مجالها والذي رغبت فيه حقاً وأن اختيارها وإن جاء بعد تغيرات عدة، فهذه القوة الحقيقية التي تمنت أن يمتلكها كل شخص قبل أن يفوته القطار، قطار العلم يستحق أن يأخذ منا قدرا من التفكر والتمعن، امنحوا الفرصة لذواتكم ولأبنائكم أن يكون القرار لهم، علموهم أن القرار يؤخذ بناء على عوامل عدة، وأن الوسط المحيط بِنَا ليس له الحق في أن يفرض علينا الشيء الذي يرغبه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1674
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1242
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
963
| 07 يناير 2026