رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن إيران صارت الحاكم بأمرها في العراق بفضل تحالفها مع الغزاة الأمريكيين منذ بداية هذا القرن، ولا شك أنها تحاول تعميم التجربة العراقية على لبنان وسوريا واليمن وأي بلد عربي تستطيع اختراقه بدعم أمريكي وإسرائيلي. لكن كما يقول المثل الشعبي «ليس كل وقعاتها بزلابية» فالتركيبة السكانية والدينية والثقافية لكل بلد عربي تختلف عن الآخر، فلا يمكن مثلاً تمرير الوصفة الإيرانية في العراق في سوريا، ففي العراق مثلاً تمكنت إيران من إحكام قبضتها على النظام العراقي بعد الغزو أولاً بمباركة أمريكية، وثانياً وهو الأهم أن حوالي نصف العراق هم من الشيعة المذهب السائد في إيران ذاتها، لهذا استخدمت العامل المذهبي والديني بقوة في تمرير مخططها في العراق عن طريق وكلائها الدينيين ومن بعدهم المسؤولون الشيعة الذين يوالونها مذهبياً وعقدياً. ولا ننسى أن هناك قاعدة وحاضنة شعبية في العراق تساعد الإيرانيين على التغلغل في البلاد ثقافياً ودينياً ومن ثم السيطرة على الأرض.
صحيح أيضاً أنها استطاعت عبر ذراعيها المذهبي والعسكري المتمثلين بحزب الله أن تتغلغل في لبنان وتحكم قبضتها على جزء كبير منه بالترغيب والترهيب، لكن تأثيرها الثقافي والديني يبقى منحصراً في الضاحية الجنوبية من بيروت حيث يتمركز حلفاؤها الشيعة، بينما تبقى بقية أجزاء لبنان المسيحية والدرزية والإسلامية السنية خارج التأثير الإيراني الممجوج والممقوت والمرفوض رفضاً قاطعاً. وتتمثل السيطرة الإيرانية على لبنان في ذراعيها الاقتصادي والعسكري فقط، فهي قادرة على تطويع الأحزاب اللبنانية بالقوة والترهيب أو بالتمويل فقط، ومهما مكثت في لبنان فلن تستطيع أن تتجذر بسبب تنوع التركيبة الديمغرافية والدينية والثقافية في البلاد.
ويتساءل البعض: بما أن إيران تمكنت من فرض سيطرتها على العراق مذهبياً وسياسياً، وفي لبنان عسكرياً واقتصادياً، فلماذا لا تتمكن من الهيمنة على سوريا بذات الطريقتين أو بطريقة مختلفة؟ والجواب على هذا السؤال: إن الوضع في سوريا أصعب على إيران بكثير مهما قدم لها النظام من خدمات وتسهيلات على الأرض مرحلياً لماذا؟ لأن الغالبية العظمى من الشعب السوري لا توالي إيران مذهبياً كما في العراق، فالسواد الأعظم من السوريين من المسلمين السنة الذين يكرهون الأرض التي تمشي عليها إيران، لا بل يعتبرونها قوة غازية تحاول أن تفرض مذهبها على شعب غالبيته من السنة. دعك من القيادات الدينية السنية السياسية في سوريا التي تسبح بحمد إيران وتبارك التحالف معها الآن، فهذه الطبقة لا تمون على شيء في سوريا أصلاً وهي مجرد موظفين يؤدون مهمة مطلوبة منهم من القيادة السورية التي تتحالف مع إيران لمصلحتها بالدرجة الأولى وليس لتمكين الإيرانيين من رقبة سوريا.
والأمر الإيجابي الآخر أن الطائفة العلوية التي قد تبدو متحالفة مع إيران مذهبياً، إلا أن الواقع يقول إن العلويين هم أكثر الكارهين للنفوذ الإيراني في سوريا، ولا ننسى أن الشيعة يكفرّون العلويين أصلاً ولا يعتبرونهم من الاثنى عشرية. أضف إلى ذلك أن العلويين طائفة علمانية تحب الحياة ومعظم أفرادها متنورون ومنفتحون ويكرهون الانغلاق والفكر الظلامي الإيراني، ومهما حاولت إيران اختراق مناطقهم بالعامل المالي واستغلال ظروفهم الاقتصادية المزرية، إلا أنهم لن يقبلوا بتشييعهم وتحويلهم إلى دروايش في ولاية الفقيه، ولا شك أنهم سيقاومون إيران مثل بقية السوريين وربما أكثر.
لا تصدقوا كل الأقاويل أن سوريا صارت في الجيب الإيراني، فبالرغم من كل التسهيلات التي حصلت عليها إيران في سوريا، إلا أنها تبقى حتى في نظر القيادة السياسية والعسكرية والأمنية في سوريا قوة غريبة أجبرتها الظروف على التحالف معها عسكرياً وسياسياً، لكن لا يمكن السماح لها بابتلاع البلد وتسييره حسب الرغبة الفارسية. ومن الأمور الإيجابية في سوريا الآن أن الغالبية العظمى من الطبقات الثقافية والسياسية والدينية تستخدم أسلوب التقية مع إيران، على مبدأ: داوها بالتي كانت هي الداء. تمالأها في العلن، وتلعنها سراً. ولا بد من التذكير هنا أن السواد الأعظم من النخبة السياسية والأمنية السورية يكره الإيرانيين كما يكرهون الأمراض، ويقولون فيها ما لم يقله مالك في الخمر في جلساتهم الخاصة، فهم لا يطيقونها ويعتبرون التحالف معها ضرورة أجبرتهم عليها الظروف لحماية النظام لا أكثر ولا أقل. وقد يكون لدى إيران الآن في سوريا موالون داخل القيادات الأمنية والعسكرية، لكن النظام يراقب كل شيء ويعرف كل شاردة وورادة عن التغلغل والنفوذ الإيراني داخل البلاد، لا بل إن أكثر من يحارب عمليات التشييع الإيرانية داخل سوريا ويضبطها هو النظام. ولا تتفاجأوا إذا سمعتم أن أكثر من يحاول كبح جماح الإيرانيين داخل سوريا هي القيادة السورية. ومن الخطأ الظن أن البلد قد تم تسليمه لإيران، لا أبداً، وهناك كلام الآن عن أن النظام بصدد تسريح العديد من القيادات العسكرية والأمنية المقربة من إيران. ولا ننسى أن التحالف مع الروس كان هدفه الأساسي منع إيران من السيطرة على سوريا وابتلاعها. ولو سألت السوريين في الداخل: من تفضلون: إيران أم روسيا لصوّت كل السوريين لصالح النفوذ الروسي ضد الإيراني، لأن روسيا ليس لديها مطامع دينية وثقافية إحلالية في سوريا على الأقل كما لإيران.
ولا تتفاجأوا أيضاً إذا سمعتم أن القيادة السورية قد تنفست الصعداء بعد طرد الإيرانيين من سوريا بهذه الطريقة أو تلك. ولن أتعجب إذا سمعت أن الكثيرين في سوريا يباركون الضربات التي تتعرض لها القواعد الإيرانية في البلاد من هذا الطرف أو ذاك. دعكم من التصريحات السياسية، فهي للاستهلاك الإعلامي فقط. والنخبة السورية المتحالفة مع إيران الآن تعلم علم اليقين أن تعاظم النفوذ الإيراني في سوريا يشكل خطراً عليها أكثر من أي شيء آخر، لهذا ستكون أسعد الناس عندما يتم تقليم أظافر الإيراني في سوريا على أن تبقى حليفاً مضبوطاً في خدمة سوريا وليس العكس.
ولا تنسوا أن التحركات الأمريكية والإسرائيلية والعربية لتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة كلها تصب في خدمة الموقف السوري حتى لو لم يعلن عن موقفه.
falkasim@gmail.com
المؤامرة الكبرى لم تستثن أحداً في سوريا
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف... اقرأ المزيد
2385
| 15 ديسمبر 2019
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2108
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3165
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1224
| 01 أكتوبر 2026