رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دمشق تصر على مواصلة الحل الأمني وتعرض هامشيات إصلاحية
أيها القاتل المؤسس نهجا
دمويا وتشهد الأمصار
نعم إن جميع مدن ومناطق وقرى الشام الأبي لتشهد على ذلك شهادات كتبت بالدم والسجن والتشريد والنفي والطرد والتمثيل والاغتصاب ونهب البيوت وحصار درعا وبانياس وحمص واليوم الهجوم الشرس بالدبابات والمدرعات ووحدات النقل العسكرية التي ضربت طوقا كاملا على بلدة جسر الشفور – محافظة ادلب وكذلك محاصرة معرة النعمارية التي يرقد فيها الشاعر العالمي أبي العلاء المعري. لقد هبوا لقتل الأحرار من الجيش الذين رفضوا قتل الشعب.
ولكن ادعت الداخلية السورية ووزارة الدفاع وجود عصابات مسلحة في جسر الشفور وكان لابد من مهاجمتها إذ إنها قتلت على زعمهم 120 من قوات الحكومة ولابد للانتقام أن يأخذ دوره كما رووا ويروون من هذه الروايات الكاذبة المستمرة كل يوم مندسون وسلفيون وإرهابيون وعصابات مسلحة، ولم يجرؤوا على القول إنهم والعديد من ضباط وأفراد الجيش السوري رفضوا إطلاق الناس على المتظاهرين السلميين واعترضوا على هذه المجازر والمذابح فما كان من الجزارين إلا أن قتلوهم ثم ادعوا أمام الشعب أن العصابات المسلحة المدعاة هي التي تقتل ولقد أفاد بهذا جميع من تمكن من الفرار من قطعته المسلحة وكذلك الضباط المنشقون كالمقدم الذي ظهر بالصوت والصورة وبين سبب انشقاقه هو ورفاقه وكذلك من انضم إليهم من الضباط والعسكريين الذين أدلوا بشهاداتهم الموثقة التي أيدها أيضاً النازحون المدنيون وعرفوا حال الجيش لدى دخوله جسر الشفور وهو يقوم بعملية تطهير بلا أدنى رحمة حتى لم تنج الدواب في الطرق من قتله بادئا بحرق المحاصيل الزراعية وهو في طريقه إلى البلدة التي بدت مدينة أشباح حيث لم تتمكن من القيام هذه الجمعة بمظاهرة نتيجة الحصار والتطويق كما فعل بدرعا أختها من قبل، ولأن الجميع في سوريا يعرف طبائع هؤلاء الوحوش فقد قرر كبار السن والنساء والأطفال مغادرة البلدة والنزوح باتجاه تركيا القريبة من الحدود، حيث تم ذلك خوفا من القتل أو التعذيب والإهانة بل الاغتصاب والخطف والإجهاز على الجرحى، وتدبروا أمرهم وعزموا على اللجوء والهجرة لأنهم مخرجون لا بإرادتهم وإنما الفرار من الضيم كما قال الشاعر ارحل بنفسك عن أرض تضام بها ومع أن رسول الله صلى الله عليه قال: السفر قطعة من العذاب بل قالت عائشة رضي الله عنها: لولا أن رسول الله قال: السفر قطعة من العذاب لقلت العذاب قطعة من السفر، وهذا من بلاغتها التي توضح آلام السفر الحسية والمعنوية، وهذا ما يكون بالرضا غالبا فكيف بمن يجبر على ذلك ويهاجر ويترك كل شيء إلا ما خف حمله حفاظا على الثوابت والمبادئ والقيم، وقد تحدثت نسوة وهن يبكين بعد وصولهن إلى الحدود التركية كيف تم نهب البيوت، ونحن لا نستغرب ذلك فهذا ما فعلوه في درعا قبل جسر الشفور وكذلك عندما تنفرج الأمور إن شاء الله سيسمع العالم كله عن الأخلاق المنحطة التي يعيش فيها مثل هؤلاء الأراذل وها هو اليوم يدخل الجيش السوري المعد على تركيبة قد لا تسمح إلا لمن استطاع بالانشقاق عنه، إذ إنه بتشكيلته الغالبة وإنما هو من كثرة الشعب لا من الندرة الحاكمة التي نصبت نفسها أميرة على كل سرية فضلا عن الكتائب والفرق والألوية ولم يكن أمام الجنود إلا الطاعة وإلا فإنهم سيقتلون، ماذا ننتظر من مثل هؤلاء في جيش تمنع فيه الصلاة علنا ويمنع إعفاء اللحية لمن أرادها ولا يقوم مسؤولوه خاصة الذين لا قيمة للدين والخلق عندهم بأي عبادة أو تربية وطنية حقيقية وإنما بالتعصب فقط لأزلام النظام الأسري العائلي الذي يستبعد الأكثرية من حقها في السياسة وتسلم الوزارات السيادية وأن أعطى بعض تلك الوزارات مثلا كالخارجية الممنوحة للمعلم حتى في التشكيلة الأخيرة فإنما لعلمهم تماما أنه معلم بفتح اللام لا بكسرها وأنه لا يستطيع أن يغني خارج سربهم، هذا المسؤول الوزير كيف يغالط الحقائق ويطلب من الأمم المتحدة أن تنحاز إلى سوريا في مواجهة المسلحين والمتطرفين لا أن تدين القمع فيها إذ إنه يذهب أيضا إلى أن أكثر المظاهرات ليست سلمية كبرت كلمة خرجت من فيه لأنه يجزم أن هذا كذب ولكن لا غرابة من أناس فقدوا الوطنية ألا يدافعوا عن الوطن، إن سوريا تذبح كل يوم وأن الجزار لم يتعب مع كثرة الضحايا وبينما لا يسمع نصيحة من أي أحد لإحداث إصلاحات حقيقية تشترك فيها جميع أطياف الشعب السوري وتأخذ دورها جوهريا لا شكليا.
ولكن ما الذي سوف تسفر عنه الحملة العسكرية الجهنمية في جسر الشفور الآن ربما لا أحد يعرف إلا نحن السوريين الذين خبزنا هؤلاء وعجناهم وعرفنا تاريخهم الأسود ضد شعوبهم بينما هم حمل وديع أمام الصهاينة محرم عليهم أن يصيبوهم بأي أذى وكيف لا وهم أرباب نظام الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة:
عجز الغاضبون عن قهر شعبي
من قديم وأفلح الجزار
لقد صدق نزار قباني فما فعلت فرنسا أثناء احتلالها سوريا كما يفعل هؤلاء من أهوال يشيب لها الولدان، ولا أدل على ذلك من أنهم في فترات مجازرهم التي أقاموها في القرن الماضي عتموا إعلاميا عليها وهي بعشرات ألوف القتلى والمفقودين إلى يومنا هذا، ومع ذلك فلم يعد خافيا على أحد إجرامهم ولكن لم تكن هذه التقنيات الإعلامية التي في عصرنا هذا حيث استطاع الناشطون بها أن يوصلوا بعضا من المشهد السوري إلى العالم علما بأن الذي يحدث أخطر بكثير مما يعرض ومع ذلك يكذب الإعلام الرسمي ويدعي أن البلاد هادئة وأن المتظاهرين بالعشرات والمئات وهم لا يهتزون لأي قتل قاموا به ضدهم أو جرح أو سجن وكذلك أرباب الفكر والقلم لأن المجرم إنما يتسلى بتعذيب ضحيته فكيف يهمه أمرها، إننا ندعو وبكل قوة أن يدخل إلى سوريا الإعلام حتى الصيني أو الروسي المؤيد لسوريا ونقبل به فإنه مهما كان غير منصف فسينقل كثيرا من الحقيقة ولكن حتى هؤلاء لا يجعلون لهم طريقا كي لا ينقلب السحر على الساحر، هل سمعتم وفي هذا الزمان إغلاق سوريا أمام جميع وسائل الإعلام الإقليمية والدولية المحايدة وعدم السماح إلا لإعلام النظام لتعرفوا أنهم متهمون حقا والا لسمحوا ولكن الشمس لا يمكن أن تغطي بالغربال وأن نظاما داؤه الفوقية والحقد والانتقام وعدم الاعتراف بالآخر لابد أن يزول مهما طال الوقت وأن الشعوب لتأبى أن تقاد بالسطوة وأن تلتقي مع القتلة على طاولة حوار اسمه حوار الدبابات والدم.
ولعل السؤال يدور لماذا تصر دمشق على مواصلة الحل الأمني وتعرض هامشيات إصلاحية وحوارا محسوما سلفا مع التمترس بالقوة داخل البؤر الحساسة؟ والجواب يصح إن صح النبأ الذي نقلته جريدة القدس العربي من موقع ديبكا فايل الأمني الإسرائيلي المرتبط استخباراتيا من أنه لدى اجتماع الدول الثماني مؤخرا أجري لقاء بين أوباما والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف حيث تم الاتفاق على صفقة بينهما للإطاحة بالقذافي مقابل استمرار الأسد ولعل هذا التحليل يناسبهم حيث ترضى به إسرائيل التي تصر على بقاء الأسد لأنه الأصلح لها كما قرر مفكروهم وهو ما صرح به رامي مخلوف بن خال الأسد أن استقرار إسرائيل من استقرار سوريا!
وبهذا أيضا يفهم موقف جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي السلبيين أقول ولابد للغز بعد ذلك أن يحل، وهنا يبقى موقف تركيا هو الموقف الإيجابي المشرف المنفتح على جميع الاحتمالات لصالح الشعب المظلوم الذي يهتف:
قد يعيش الطغاة ظلما وقهرا
إنما فوق قاهر قهار
Khaled-hindawi@hotmail.com
مادورو على السفينة.. القوة الأمريكية بين الشماتة والهيمنة
في التاريخ السياسي الحديث، نادرًا ما كانت الصورة مجرّد صورة، فهي في لحظات التحوّل الكبرى، تتحوّل إلى خطاب... اقرأ المزيد
150
| 07 يناير 2026
حنا السبب
في زمنٍ لم تعد فيه الشوارع أخطر ما يهدد أطفالنا، ولا الغريب المجهول هو العدو الأول، ظهر عدوٌّ... اقرأ المزيد
156
| 07 يناير 2026
غزة تحت المطر
هل شتاء غزة.. يختبر صبر أهل غزة؟! فصورة الخيام المهترئة التي لا تمنع مطرا ولا تقي بردا مؤلمة.... اقرأ المزيد
75
| 07 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1644
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
828
| 31 ديسمبر 2025
لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري والسياحي هي جهودٌ مقدَّرة ومحلّ اعتزاز، ونأمل أن تبلغ أسمى درجات التميّز والإبداع من خلال التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات، وبمشاركة أطياف المجتمع كافة؛ بما يعكس الصورة المشرّفة للبلد، وثقافتها، وقيمها، ورُقيّ أهلها. وبحكم كوني من روّاد كورنيش الدوحة، فقد استوقفتني بعض الممارسات التي -من وجهة نظري- قد تؤثّر سلبًا في المشهد العام وجودة التجربة السياحية التي نطمح جميعًا إلى الارتقاء بها. إذ إن لهذه الممارسات انعكاساتٍ مباشرة على سمعة القطاع السياحي، وعلى جودة الخدمات المرتبطة به. ومن أبرز هذه الملاحظات انتشار مجموعات من الأشخاص الذين يمارسون الإرشاد السياحي دون ترخيص أو تأهيل مهني، يتمركزون في نقاط معيّنة على الكورنيش والمواقع الحيوية، ويعمدون إلى استقطاب السياح بصورة عشوائية تفتقر إلى التنظيم. وأشير هنا -من باب رصد الواقع لا التعميم- إلى بعض العمالة، ولا سيما الآسيوية منها، التي تفتقر إلى أبسط أدوات الإرشاد السياحي السليم، وإلى الوعي والبعد التاريخي والثقافي للمكان. وهنا يبرز تساؤلٌ مشروع: هل يحمل هؤلاء تصاريح رسمية تخوّلهم مزاولة هذه المهنة؟ وهل يمتلكون التأهيل المعرفي اللازم لنقل المعلومة الدقيقة عن التاريخ، والعادات، وقيم المجتمع؟ فالإرشاد السياحي ليس مجرّد مرافقة عابرة، بل هو تمثيلٌ حيّ، وصورة واقعية تُنقل إلى العالم عبر التواصل الإنساني المباشر، وتترك أثرًا دائمًا في ذاكرة الزائر والسائح. وتبرز ملاحظةٌ أخرى تتعلّق بالقوارب الخشبية السياحية التقليدية، حيث تظهر على بعضها علامات التهالك، وتدنّي معايير السلامة والنظافة، فضلًا عن غياب الأسلوب الاحترافي السياحي في التعامل مع الزوّار والسائحين، وهو ما يثير تساؤلًا حول مدى توافق هذه المشاهد مع الصورة العصرية والحضارية التي نحرص على تقديمها في أحد أبرز معالمنا السياحية. إن إعادة تأهيل هذه القوارب السياحية والارتقاء بجاهزيتها، من خلال تحسين معايير الأمان، وتوفير سبل الراحة، والالتزام الصارم بمعايير السلامة والنظافة، واعتماد أسلوب احترافي في الخدمة، من شأنه أن يجعلها أكثر جاذبية للسياح، ويحوّلها من وسيلة نقل عشوائية إلى عنصر سياحي فعّال يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية على الكورنيش. إن كورنيش الدوحة ليس مجرّد معلمٍ عابر، بل لوحة نابضة تروي قصة وطن؛ فعن يمين الزائر تتجلّى الأبراج الشاهقة رمزًا للحداثة، وعن يساره يستحضر عبق التاريخ المرتبط بالبحر والغوص والبادية. وفي هذا التلاقي الفريد، يلتقي الماضي بالحاضر ليجسّدا رحلة بلدٍ حافظ على هويته وهو يعانق المستقبل. ومن هنا تكمن المفارقة في وجود بنية تحتية عالمية المستوى، يقابلها ضعف في جودة بعض التفاصيل الميدانية التي قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر في جوهر التجربة السياحية. وفي المقابل، تمثّل مهنة الإرشاد السياحي فرصةً حقيقية وواعدة لأبناء الوطن من الجنسين، لما تتطلّبه من مخزون ثقافي ومعرفي واعتزاز بالهوية. وقد أثبت الشباب القطري كفاءته في شتى المجالات، وهو الأقدر على تقديم تجربة سياحية أصيلة تعكس القيم والتاريخ بصورة مشرّفة. إن اختيار الدوحة عاصمةً للسياحة الخليجية لعام 2026 هو إنجازٌ يفخر به الجميع، لكنه في الوقت ذاته يضع الجميع أمام مسؤوليةٍ مضاعفة لترجمة هذا اللقب إلى واقعٍ ملموس، يتجلّى في جودة التنظيم، وسلامة المرافق، ورُقيّ مستوى الخدمة. خلاصة القول.. تظلّ التجربة السياحية ناقصة ما لم يُرافقها محتوى إنساني وثقافي مؤهَّل يعكس روح المكان. إن الاستثمار في تنظيم وضبط معايير الخدمات الميدانية هو استثمارٌ في سمعة القطاع السياحي واستدامته؛ إذ لا يدوم التميّز إلا حين يلمسه الزائر والسائح واقعًا في كل تفاصيلها.
729
| 04 يناير 2026