رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مبارك اتسم بالعناد وقراراته اعتمدت على الانطباع الشخصي والمحيطين به
في التاسع من شهر يونيو من العام 1967 أعلن الزعيم الخالد جمال عبدالناصر تنحيه عن السلطة في بيان طويل متحملا بذلك مسؤولية النكسة أو الهزيمة التي نتجت عن العدوان الصهيوني في الخامس من الشهر ذاته مما أسفر عن تدمير المطارات المصرية والطائرات التي كانت رابضة على مدرجاتها وهو ما أدى بالتالي إلى احتلال سيناء بالكامل مع الضفة الغربية التي كانت تتبع إداريا الأردن والجولان السورية وفي الحادي عشر من شهر نوفمبر 2011 أعلن اللواء عمر سليمان نائب الرئيس المصري السابق في بيان مقتضب لم يستغرق سوى نصف دقيقة تخلي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن الحكم دون شروح لأسباب القرار وإن كانت واضحة للعيان وبالتأكيد ثمة فوارق بين القرارين أولها أن ناصر هو الذي بادر بنفسه إلى مخاطبة شعبه بعد أن تيقن من حجم الكارثة على مصر وعلى الأمة العربية من جراء اشتداد العدوانية الصهيونية لكنه لم يدفن رأسه في الرمال أو يغمض عينيه وطلب منه أن يساعده في اتخاذ قرار مغادرة موقع السلطة والانخراط في صفوف الجماهير وفي الوقت ذاته يؤكد مسؤوليته عما جرى نتيجة ما اعتبره سوء تقدير للموقف وليس عملا مقصودا لإغراق الوطن والأمة في مستنقع الهزيمة أو النكسة وهو التعبير الذي انحاز إلى استخدامه لأن العدو لم يتمكن رغم ضربته القاصمة من التأثير على الإرادة السياسية لمصر ومن ثم تسارع إلى إعلان خضوعها لنتائج الحرب وهو ما كان يترقبه قادة الكيان الصهيوني وفق ما ذكره وزير حربه موشى ديان في مذكراته من أنه كان ينتظر مكالمة هاتفية من ناصر يبلغه فيها استسلامه أما في حالة مبارك فإنه أجبر وفق ما توافر من معلومات على قرار التخلي عن السلطة بعد ما ظل يراوغ ويناور هو والمجموعة الضيقة المحيطة به خاصة نجله جمال وزوجته سوزان ورئيس ديوانه زكريا عزمي ووزير إعلامه أنس الفقي رغم المطالبات المدوية في ميدان التحرير وغيره من ميادين المحروسة بضرورة رحيله وإنهاء سنوات حكمه الثلاثين التي تجاوز فيها استبداده المدى.
ثانيا: يبدو أن القدرات والمهارات- بين الرجلين - خاصة فيما يتعلق بالتجاوب مع الحراك السياسي والشعبي - كانت بدورها متفاوتة على نحو أنعكس في نوعية وصياغة وطبيعة قرار التنحي بالنسبة لناصر والتخلي بالنسبة لمبارك فالأول كان معنيا بالدرجة الأولى أن يصارح جماهيره التي آمنت به ومنحته ثقة بلا حدود على مدى 15 عاما منذ انبثاق ثورة يوليو 1952 بحقائق الموقف وطريقة تعاطيه معها فسارعت بدورها برفض قراره وحثه وهو الزعيم الخارج لتوه من هزيمة قاسية على الاستمرار في قيادة مسيرة الوطن والأمة لتجاوز نتائجها والتوجه نحو صباح الانتصار وهو ما تجلى في خروج الملايين في أنحاء المحروسة وعواصم بلاد العرب رافضة تنحيه على مدى يومين أظهرت خلالهما صدقية عالية فرأى أن الوفاء لها يستوجب العدول عن التنحي.
والعودة إلى موقع القيادة والبدء فورا في صياغة منظومة الوطن متثملا ذلك في الإسراع في بناء القوات المسلحة وإعدادها للمواجهة بعد إجراء تعديلات شاملة على قيادتها التي وضعت نصب عينيها استعادة ثقة الشعب في قواته المسلحة مما أثمر صمودا مدهشا لقوة عسكرية مكونة من 30 مقاتلا من قوات الصاعقة في منطقة رأس العش جنوب مدينة بور فؤاد المقابلة لمدينة بورسعيد في الضفة الغربية لقناة السويس في مواجهة قوة إسرائيلية مدججة بالأسلحة والدبابات والعتاد والأفراد والتي فوجئت بالمقاومة العنيفة للقوة المصرية التي أنزلت بها خسائر كبيرة في المعدات والأفراد أجبرتها على التراجع وكان ذلك بعد الهزيمة بشهر واحد تقريبا وعندما عاودت هذه القوة الهجوم مرة أخرى، فشلت في اقتحام موقع القوة المصرية المحدودة العدد والعدة وكانت النتيجة بعد الخسائر في معدات وأفراد القوة الإسرائيلية الانسحاب وظلت المنطقة في أيدي القوات المصرية حتى قيام حرب أكتوبر 1973.
وعلى صعيد البناء الداخلي وضع ناصر برنامج 30 مارس 1968 والذي بمقتضاه تم التأسيس لمرحلة مغايرة في العمل الوطني تنهض على توجيه كل الموارد وحشد كل الطاقات باتجاه المعركة رافعا عنوان: " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة مع إجراء تغييرات جذرية في بنية الحكومة والتنظيم السياسي والحوار مع الطلاب بعد رفضهم للأحكام القضائية التي صدرت بحق القيادات العسكرية التي أدى ارتباكها المهني وتخبطها العسكري إلى الهزيمة رغم أن ناصر نفسه كان قد أحاطهم علما بتوقيت وطبيعة الهجوم الصهيوني قبل شنه في الخامس من يونيو1967 بأقل من أسبوع وفق المعلومات التي وفرها للقيادة المصرية جاسوسها النشط داخل الكيان في ذلك الوقت رأفت الهجان وسرعان ما انطلقت سواعد الرجال تبني وتغزل خيوط الانتصار القادم على مختلف الأصعدة وإذا توقف المرء عند مبارك فإنه كان يتسم بنوع غريب من العناد الذي لم يكن ناجما عن تقدير علمي ومنهجي للموقف وإنما كان نتيجة انطباعات شخصية أو استشارات المجموعة المحيطة به والتي كانت تتحرك وفق أهواء خاصة لتحقيق هدف جوهري وهو الدفع بجمال مبارك إلى السلطة خلفا لوالده ولو تطلب الأمر أن يتحقق ذلك فوق جماجم الشهداء ودماء المصابين وانهيار منظومة الوطن والذي اختزل في مبارك وعائلته وهؤلاء النفر الضالعين في معادلة الثروة والسلطة والتي ظلت سائدة على مدى ثلاثة عقود هي فترة حكمه ولقد أفضى به هذا العناد إلى رفض التجاوب مع مطالب المتظاهرين في بداية الاحتجاجات في الخامس والعشرين والتي لم تتعد إقالة وزير الداخلية حبيب العادلي ورفع قانون الطوارئ وتحسين بعض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتي لو استجاب لها آنذاك لظل في الحكم المدة المتبقية له حتى أكتوبر المقبل لكن ظن الأمر محض تحركات شعبية محدودة بناء على تقارير وزير الداخلية وباقي الأجهزة المعنية التي لم تتوقع بدورها آفاق هذه الاحتجاجات والمدى التي يمكن أن تبلغه ولم يدر بخلدها أبدا أن يصل إلى حد المطالبة بإسقاط مبارك نفسه وزمرته بل وإسقاط مشروع التوريث الذي كان يحلم به جمال والسيدة والدته وزكريا عزمي وأنس الفقي والذين أسهموا في تضليل مبارك حتى الساعات الأخيرة قبل قرار التخلي عن الحكم وكانوا من قبل مع مجموعات أخرى من قيادات الحزب الوطني قد حاولوا إجهاض مظاهرات ميدان التحرير ودبروا لواقعة الجمل التي استمرت أكثر من عشرين ساعة من قبل ما يطلق عليهم البلطجية جنبا إلى جنب رجال الأمن السري وعناصر جهاز أمن الدولة الموالي لمبارك والعادلي ولكن التدبير فشل بفعل شجاعة الثوار الذين واجهوا كل صنوف القتل والهجوم عبر الخيول والبغال والجمال وقطع الرخام المجهزة بالليل وفق ما أثبتته لجنة التحقيق الخاصة لقد اتسم أداء مبارك في مواجهة الاحتجاجات والتظاهرات التي انطلقت في سائر مصر بنوع من اللامبالاة وضيق الأفق ولو صح في هذا السياق ما رددته بعض وسائط أعلام صهيونية بخصوص محاولته الاستعانة بنتنياهو وأصدقائه من الوزراء الآخرين في حكومة الكيان للقضاء عليها فإنه بذلك يكون قد بلغ مرتبة الخيانة العظمى بحق دون الحاجة إلى أي تهم أخرى واللافت أن مبارك لم يحظ بخروج ملايين المصريين ليدافعوا عنه ويحملوا صورته ويحموا مشروع التوريث الذي كان يتبناه بشكل منهجي واضح الإشارات والخطوات رغم نفيه علنا فنسبة من خرجوا بتحريض من زمرته وأركان حكمه المتهاوي في بعض ميادين القاهرة كميدان مصطفى محمود لم يتجاوزا بضع مئات أو آلاف وهو ما يعني أنه لم يكن يمتلك المساحة التي تتيح له البقاء في الحكم في حالة من الرضا أو القبول العام ومع ذلك كان مريدوه يصورون الأمر له بحسبانه عنصر ترجيح لرفض الاستجابة لمطلب الرحيل الذي كانت تهدر به الملايين ووصل إلى ذروته بعد خطابه الأخير مساء الخميس العاشر من فبراير والذي أظهر فيه مماطلة ممجوجة وبدا مفتقرا لأي حس سياسي وقراءة حقيقية لمفردات الواقع المحيط به فقررت الجماهير الزحف إلى قصر الرئاسة لتجبره على المغادرة أو التخلي عن رئاسة الجمهورية بينما التفت الملايين حول مقر إقامة ناصر بمنشية البكري لتطالبه بالبقاء قبل ذلك بنحو أربعة وأربعين عاما السطر الأخير.
مفتونا بوجهك أمضي صباحاتي
أرسم عنفوان عشقي
أكابد شمسك المسافرة
أحلم بطيورك تسبح في بحاري
فعودي إلى مسافاتي
دبري أمر رجوعي
لمشهد الشعر بعينيك
كوني فاكهة الكتابة
في مقدمي وإدباري
في توحدي وانشطاري
فأنت براءة السنوات القديمة
وحصني في الزمن الآتي
elazab1@gmail.com
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
434
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
310
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026