رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

159

د. أحمد المحمدي

فأسرها يوسف في نفسه

13 يونيو 2026 , 10:34م

تكشف هذه الآية عن مبدأ دقيق من مبادئ الحكمة الإنسانية؛ وهو أن امتلاك الحقيقة لا يستلزم دائمًا إعلانها، وأن القدرة على الرد لا تقتضي بالضرورة ممارسته. فليست جميع المواقف تُعالَج بالكشف والمواجهة، كما أن الصمت ليس دائمًا علامة عجز أو تردد، بل قد يكون في بعض الأحوال صورة من صور الوعي العميق بطبيعة النفوس وحدود الحوار.

لقد كان يوسف عليه السلام قادرًا على أن يدفع التهمة عن نفسه، وأن يكشف زيف الدعوى التي أطلقها إخوته، غير أن السياق يدل على أنه أدرك أن المشكلة لم تكن معرفية بقدر ما كانت نفسية؛ فليست كل النفوس مستعدة لاستقبال الحقيقة حين تتعارض مع تصوراتها المسبقة أو مصالحها أو مشاعرها. ومن هنا يصبح الإصرار على الجواب استنزافًا للطاقة دون مردود حقيقي.

ومن الأخطاء الشائعة أن يظن الإنسان أن كل حقيقة ينبغي أن تُقال، وأن كل اتهام يجب أن يُجاب عنه. غير أن التجربة الإنسانية تكشف أن كثيرًا من الجدل لا ينشأ عن البحث عن الحق، وإنما عن الرغبة في الانتصار أو التبرير أو تثبيت موقف مسبق. وفي مثل هذه المواطن يتحول الحوار من وسيلة للمعرفة إلى ساحة لاستنزاف النفس وإهدار العمر.

ولهذا فإن من علامات النضج العقلي والوجداني القدرة على التمييز بين الكلام الذي يخدم الحقيقة، والكلام الذي يخدم الانفعال. فكثير من الردود لا تصدر دفاعًا عن مبدأ، بل تعويضًا عن جرح، ولا تهدف إلى إيضاح الواقع، بل إلى استرداد شعور داخلي بالاعتبار. وهنا يصبح الصمت أحيانًا أكثر اتزانًا من الكلام، لأنه يحفظ الإنسان من أن يجعل خصومته مع الآخرين خصومة مع نفسه.

وتبرز الآية كذلك مفهومًا راقيًا للقوة النفسية؛ فالقوة ليست في امتلاك الحجة فحسب، وإنما في امتلاك النفس عند حضور الحجة. وليست الكرامة رهينة باعتراف الآخرين، ولا قيمة الحق متوقفة على تصديق الناس له. فالحقيقة تظل حقيقة وإن جحدها الخلق، كما أن الباطل لا يتحول إلى حق بمجرد شيوع القبول له.

ومن منظور أعمق، فإن بعض المعارك لا تكون الخسارة فيها بنتيجة ما تنتهي إليه، وإنما بمجرد الدخول فيها. إذ قد ينجح بعض الناس في جرِّ خصومهم إلى مستويات من الجدل والانفعال لا تليق بهم، فيكون أعظم الانتصار أن يرفض المرء النزول إلى الميدان أصلًا. ولهذا كان إسرار يوسف للكلمة في نفسه موقفًا منضبطًا يعبر عن ثقة لا تحتاج إلى ضجيج، وعن يقين لا يفتقر إلى تصفيق.

إن النفوس الكبيرة لا تستعجل ما تكشفه الأيام، لأنها تدرك أن للزمن وظيفة لا تقل أثرًا عن وظيفة البيان، وأن الوقائع كثيرًا ما تتكفل بإظهار ما تعجز الكلمات عن إظهاره. ولذلك فإن الحكمة ليست في قول كل ما يُعرف، وإنما في معرفة ما يستحق أن يُقال، وما ينبغي أن يُترك لحكم الله وسير الأحداث.

فبعض الحقائق يحرسها الصمت أكثر مما يحرسها الجدل، وبعض الكرامة يضيع حين يُبالغ صاحبها في الدفاع عنها، وبعض المقامات لا يبلغها الإنسان إلا حين يكون قادرًا على الرد، ثم يختار، عن وعي واقتدار، أن يُسرَّها في نفسه.

 

مساحة إعلانية