رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- لقّب باسم الشعب: «دفان الفقر وحمد الخير والمأوى» لأنه لكل ضعيف ملجا
- شجعني وأثنى على كتاباتي التاريخية وهي مفخرة لي ووسام على صدري
في تواريخ الدول وأخبار الرجال، من ذكره لا ينسى، وأفعاله لا تمحى، وسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله تعالى - من هؤلاء القلة الذين يندر بهم الزمان، ويعدون على أصابع الأيام، ويقترن اسمه باسم الزمان والمكان، والبلاد والأوطان، فتاريخ قطر الحديث، اقترن باسم الأمير الوالد في كل مقال وحديث، ونهضت به حتى أصبحت مضرب المثال، وشكل بشخصيته هوية وطن وآمال، وضرب بسهم إرادته في كل ميدان، وأصابت رؤيته العنان، وشهد له بذلك كل أحد، من كل قُطْر وبلد.
فالسياسة ساسها، والمعرفة أشاعها، والإعلام رفع أعلامه، والاقتصاد شيد بنيانه، والصحة صحت في عصره، والوقف أثبت غرسه، والرياضة روضت للأجيال، والعمران عمّ كالخيال، والآثار أحييت من رمسها، والمفاخر نادت بصوتها: يا من جمع شتات المآثر، ونظم عقد الجواهر، وغرس محبة في كل قلب، فلقّب باسم الشعب: دفان الفقر، وحمد الخير، والمأوى، لأنه لكل ضعيف ملجا. يا من يحار القلم فيه من أين يبدأ، والعين ماذا تترك وتقرأ، فقد ملأت السمع والبصر، والعقل والفكر، والقرطاس والسطر، وإنما نذكر رشفة من بحر، وقطرة من نهر.
فسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله تعالى -يعتبر أبو الدستور القطري، وذلك بإصداره لأول دستور دائم لدولة قطر سنة 2004م، وصاحب رؤية بعيدة المدى باعتماده رؤية قطر الوطنية 2030 في عام 2008م، وبذلك أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال، ولمستقبلهم أقام منارًا للعلم، فمن أول مشاريعه خلال فترة حكمه -رحمه الله -إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995م، والتي أصبحت صرحًا ونموذجًا تعليميًّا، جمع بين التميز الأكاديمي المحلي، والمعايير العالمية، وفي السنة التالية لتأسيسها أطلق -رحمه الله -سنة 1996م قناة الجزيرة، هذا الصرح الإعلامي الذي غير وجه الإعلام العربي بل العالمي، وكان علامة فارقة في تاريخ الإعلام، بل في تاريخ الشعوب العربية، وكان إطلاقها نابعًا من همه العربي والإسلامي، وفخره بهذا الانتماء، وسعيه للإصلاح بين الفرقاء، فكم كانت له من يد تشكر، ومساع لا تكفر، ولو نذكر، نذكر اتفاق الدوحة اللبناني 2008م، والمصالحة بين السودان وتشاد 2009م، والوساطة بين جيبوتي وإريتريا 2010م، وسلام دارفور 2011م، وإعلان الدوحة للمصالحة الفلسطينية 2012م، وبداية استضافة المفاوضات بين طالبان والأمريكان 2010م، وغيرها الكثير، بالإضافة إلى سعيه للإفراج عن العديد من الرهائن والمحتجزين، والتي أسفرت عن إطلاق سراحهم وتقدير الدول لهذا الدور المحوري.
وقد تمكنت قطر في عهده من الحصول على العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن لمدة عامين، وترأست المجلس عام 2006م، ثم ترأست الدورة 66 للجمعية العامة للأمم المتحدة 2011ـ2012م، وبهذه السياسة والدبلوماسية تشكل نموذج للدبلوماسية القطرية فريد من نوعه، أشرب بشخصية الأمير الوالد -رحمه الله تعالى ـ، وفي نفس هذا العام 1996م تحقق طموح الشيخ -رحمه الله -بإصدار أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح قطر في عام 2006م أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالميًّا، وللمحافظة على هذه الموارد برؤية الأمير الوالد -رحمه الله -أنشأ جهاز قطر للاستثمار سنة 2005م لتنمية هذه الأصول المالية وحمايتها للأجيال، وتنويع مصادر الدخل للدولة، لتصبح أحد أكبر عشر صناديق سيادية على مستوى العالم.
ولهذا الانفتاح العالمي تم وضع حجر الأساس وبدأ العمل في إنشاء مطار حمد الدولي سنة 2005م، وميناء حمد عام 2011م، وأصبحت قطر في عهده قبلة للمضيوم، وقبلة للأعمال، وقبلة للساسة، وقبلة للرياضة، ففي عهده برزت قطر كأيقونة رياضية باستضافتها العديد من الدورات العالمية ومنها دورة الألعاب الآسيوية 2006م، وفوزها بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022م وذلك في سنة 2010م كأول دولة عربية تستضيف كأس العالم، ومواكبة لهذه النهضة الرياضية تم إطلاق قنوات الجزيرة الرياضية 2003م.
ونرجع إلى عام 1996م لنسلط الضوء على جانب آخر من جوانب إنجازات الأمير الوالد -رحمه الله تعالى -وهو إصداره لأول قانون للوقف في دولة قطر، بل في الخليج، وهو سبق له أجره، وأجر كل من عمل به، وللأمير الوالد -رحمه الله -أياد بيضاء في العمل الوقفي، نابعة من إيمانه بأن الوقف أساس نهضة الأمة العربية والإسلامية على مر العصور، فأسس لها أساساً متيناً بإصدار القانون، وساهم بماله في إنشاء عدد من الوقفيات الصحية والعلمية والقرآنية، ودُشّن في عهده «مصحف قطر» 2010م وجعل له وقفًا لا ينقطع أجره بمنّ الله وكرمه، وباعتزازه بعقيدته ودينه دشّن -رحمه الله تعالى -أكبر جامع في قطر، جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب سنة 2011م، إلى غير ذلك من المشاريع الخيرية والعلمية الوقفية داخل قطر وخارجها، ومنها كلية الشيخ جاسم للعلوم والتكنولوجيا في فطاني 2007م، ومسجد الشيخ جاسم بن محمد في ميفير بلندن سنة 1997م، وتشييد وترميم مكتبة الغازي خسروبك بالبوسنة والذي بدأ بتوجيه شخصي منه -رحمه الله -سنة 2004م، وغيرها مما يعجز القلم عن حصره.
ولو نظرنا إلى جانب التراث والتاريخ، فقد كان الأمير الوالد الشيخ حمد -رحمه الله -ممن له اهتمام ومعرفة خاصة بالتاريخ القطري، وقد شجعني -رحمه الله تعالى -وأثنى على كتاباتي التاريخية، وهي مفخرة لي ووسام على صدري، وأوصاني خاصة في التاريخ بالحرص على الدقة في سرد الأحداث، وأحيا في عهده تاريخ قطر والبحث فيه بإعلانه اليوم الوطني سنة 2007م، وإنشائه لهيئة متاحف قطر سنة 2005م، وإعادة إحياء وتطوير سوق واقف سنة 2006م، وافتتاح متحف الفن الإسلامي سنة 2008م، والحي الثقافي كتارا سنة 2010م، وغيرها الكثير، وكان آخرها إدراج موقع الزبارة الأثري في قائمة التراث العالمي لليونسكو في 22 يونيو 2013م، وبعدها بثلاثة أيام 25 يونيو 2013م وقد حقق ما وعد بكلمته المشهورة «بأن أي شخص في الدنيا سيتمنى أن يكون من الشعب القطري»، ضرب الأمير الوالد الشيخ حمد -رحمه الله تعالى -أروع مثال لمن يملك الحكم لرفعة شعبه ووطنه، فبعد حوالي عقدين من الإنجاز والنجاح، تنازل عن الحكم بمحض رغبته لولي عهده سيدي سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى -حفظه الله تعالى ورعاه -ليكون خير خلف لخير سلف، ويستكمل هذه المسيرة العطرة، ويحقق الله على يديه المزيد من الرفعة والتقدم لبلاده وشعبه. وبقي الأمير الوالد -رحمه الله -والدًا لشعبه ولكل من على هذه الأرض الطيبة.
واليوم تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله سبحانه أن يرحم فقيد الوطن، ويرفع درجته في عليين، ويلحقه بالصالحين، ويبقي أثره وأجره إلى يوم الدين. ونصبّر أنفسنا ونعزيها بسيدي سمو الأمير -حفظه الله تعالى ورعاه -وإخوانه الغر الميامين، برّد الله قلوبهم باليقين، وأعلا منارهم في العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5781
| 07 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد عشر لاعباً يساندهم خمسمائة مليون قلب عربي نابض بالأمل في التأهل لدور ربع النهائي. هذه المساندة الجماهيرية ليست رياضيةً فحسب، وإنما هي حبٌّ عظيمٌ لمنتخب الساجدين الذي أحيا الحماسة في شعوب أمتنا عندما عبر المدرب حسام حسن عن النواة الصلبة في ضمائرنا ونفوسنا المتمثلة بفلسطين الحبيبة، حين حمل العلم الفلسطيني في الملعب، فهزَّ وجداننا بالحب لمصر وشعبها اللذينِ لهما مكانةٌ عظيمةٌ في تاريخنا الماضي، وحاضرنا، ومستقبلنا. تابعنا الأداء الفني الرفيع والبطولي المتميز للمنتخب المصري، وشاهدنا الجماهير في مدن وقرى وبوادي ديارنا العربية وهي تسانده بالتشجيع في البيوت والمجمعات الرياضية والمقاهي والساحات، وكأنما كل فرد في أمتنا يشعر شعوراً راسخاً بأن المنتخب يمثله شخصياً، ويمثل مجتمعه المحلي، وأمته المتعطشة لإثبات الوحدة النفسية والعقلية لشعوب تجمعها حضارةٌ مجيدةٌ، ولو كان ذلك من خلال كرة القدم. الذي لفت أنظار العالم هو الحماسة العظيمة لأهلنا في غزة الجريحة الذين تجمعوا بين الخيام والدمار وقد تعلقت قلوبهم بأداء المنتخب المصري، وكيف أرسل إليهم حسام حسن رسالةً تحمل توقيعات قلوب أبناء أمتنا برفع العلم الفلسطيني، مما جعل من مباراة اليوم مع الأرجنتين مباراةً تتابعها شعوبنا وهي تهتف للمنتخب المصري من أعماق قلوبها مؤمنةً بأهمية الفوز لمصر والأمة العربية. نحن ندرك جيداً أن الأداء الفني في المباراة هو الفيصل، ولكننا نؤمن بأن وقود الروح القتالية للاعبي المنتخب المصري هو مساندة الجماهير العربية لهم. ولذلك، نتوجه إليهم برسالة محبةٍ عظيمةٍ ممهورةٍ بثقتنا بجدارتهم بالفوز إن شاء الله. ونقول لهم إننا ننتظر منهم تركيزاً كاملاً، وحضوراً ذهنياً لا يغيب طوال التسعين دقيقة، مع تأكيدنا على ثقتنا بأن الكابتن حسام حسن قادر على استثمار طاقات اللاعبين، وتوظيفهم توظيفاً سليماً يحقق الأمل المنشود من المباراة. الأنظار متجهة إلى الأسطورة الكروية العربية؛ محمد صلاح الذي سيكون الركيزة الأساسية في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية. إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية مانحاً المنتخب خياراتٍ متعددةً وخطورةً مستمرةً نحو مرمى الخصم. كلمةٌ أخيرةٌ: يا لاعبي منتخب مصرنا الحبيبة، حين تسجدون بعد إطلاق صافرة النهاية وقد حققتم الفوز، بإذن الله، ستلامس جباهكم قلوبنا التي كانت معكم في أرضية الملعب.
1452
| 07 يوليو 2026
• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات تُقترح، وحقائب تُجهز، وتذاكر تُحجز، وأحاديث لا تنتهي عن لندن وإسطنبول وباريس وسويسرا… وكأن الاستمتاع لا يبدأ إلا بتجهيز الحقائب والعبور من صالة المغادرة. حتى أصبح السفر عند البعض مرادفًا للإجازة، وكأن الوطن يتوقف عن صناعة الفرح مع ارتفاع درجات الحرارة. • لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: هل المشكلة في حرِّ قطر… أم في نظرتنا إلى الصيف؟ فالاستمتاع ليس درجة حرارة، ولا مدينة على الخريطة، ولا تذكرة سفر، بل ثقافة حياة، ونظرة ترى الجمال فيما نملكه قبل أن تبحث عنه في مكان آخر. • وفي قطر، ورغم حرارة الصيف، لم يترك الوطن هذا الفصل موسمًا للركود، بل هيأ له كل أسباب الراحة والاستمتاع؛ من مرافق حديثة، وشواطئ ومنتجعات، ومساحات ثقافية وترفيهية، إلى بنية تحتية متطورة جعلت الحركة أكثر سهولة وجودة. ولذلك، فإن الصيف ليس موسمًا للهروب من الوطن، بقدر ما هو فرصة لاكتشافه من جديد. • ومع بداية الإجازات الصيفية، تتجه كثير من العائلات إلى مدن أوروبية مثل لندن وباريس ومدن في ألمانيا وسويسرا وغيرها، طلبًا للأجواء المعتدلة والاستجمام. غير أن كثيرًا من المسافرين يفاجؤون بموجات حر صيفية قد تكون أكثر إرهاقًا مما توقعوا، ليس بسبب ارتفاع درجات الحرارة وحدها، بل لأن كثيرًا من المباني القديمة، وبعض الشقق السكنية، والمتاجر الصغيرة، وحتى بعض وسائل النقل، لم تُصمم تاريخيًا للاعتماد الواسع على أجهزة التكييف كما هو الحال في دول الخليج، فيتحول الانتقال بين الأماكن إلى رحلة بحث عن مكان بارد أو نسمة هواء. • أما في قطر، فقد أصبح التكييف جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية حتى اعتدناه ولم نعد نستشعر عظمة هذه النعمة. فمن المنزل إلى السيارة، ومن المواقف إلى المجمعات التجارية، ومن المتاحف إلى المكتبات، ومن المطاعم إلى المقاهي، صُممت معظم المرافق لتوفر بيئة مريحة تجعل الحركة ممكنة مهما ارتفعت درجات الحرارة. إنها نعمة لا يشعر الإنسان بقيمتها إلا عندما يغادرها. • ولذلك لم تعد المجمعات التجارية الكبرى، مثل بلاس ڤاندوم، ودوحة فستيفال سيتي، وڤيلاجيو، وقطر مول، ومشيرب قلب الدوحة، مجرد أماكن للتسوق، بل أصبحت وجهات متكاملة للحياة والترفيه؛ تضم المقاهي والمطاعم، ودور السينما، ومدن الألعاب، والفعاليات، والمعارض، والمساحات التي تستوعب جميع أفراد الأسرة، فيقضي الناس ساعات طويلة بين الحركة والراحة دون أن يشعروا بحرارة الصيف أو ملل الإجازة. • ولا يتوقف جمال الصيف عند المرافق المغلقة، فالبحر في قطر له حكايته الخاصة. فشواطئ سيلين، واللؤلؤة، والمنتجعات البحرية، ومنتجع سلوى، وجزيرة بن غنام، وغيرها من الوجهات، تمنح الأسرة فرصة للاسترخاء والاستمتاع بين زرقة البحر وصفاء السماء، حيث تمتزج الأنشطة البحرية بأجواء الراحة والسكينة، مع توافر مختلف الخدمات التي تجعل قضاء يوم كامل تجربة آمنة وممتعة. • وهناك من يختار أن تكون الإجازة داخل البيت، فيكتشف أن أجمل الرحلات قد تبدأ من خلف الباب. فالبيت ليس مكانًا للنوم فقط، بل مساحة تصنع فيها العائلة أجمل ذكرياتها. تعود الكتب المؤجلة إلى الأرفف، وتُفتح دفاتر الكتابة، وتفوح روائح المعجنات والحلويات، ويشارك الأطفال والديهم إعداد الطعام وترتيب المائدة، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى ذكريات لا تُنسى. • ومن أجمل ما تحرص عليه كثير من الأسر إعداد برامج صيفية منزلية للأطفال تجمع بين المتعة والفائدة؛ من الرسم، والقراءة، والأشغال اليدوية، والطهي، والعناية بالنباتات، والمشاركة في ترتيب المنزل، فيتعلم الطفل المسؤولية، ويكتسب مهارات جديدة، ويقضي إجازته في بيئة آمنة مليئة بالمحبة والحوار. • كما تزخر قطر ببرامج ثقافية وتعليمية تثري الإجازة الصيفية؛ فمكتبة قطر الوطنية، ومتاحف مشيرب، ومؤسسة قطر، وغيرها من المؤسسات، تقدم برامج وورش عمل تناسب مختلف الأعمار، لتصبح الإجازة فرصة لتنمية العقل، واكتشاف المواهب، وبناء المعرفة، إلى جانب الترفيه والاستمتاع. • ولا يقتصر الأمر على تنوع الوجهات، بل يمتد إلى التخطيط المتواصل لصناعة تجربة سياحية متجددة. فمن خلال حملة زوروا قطر (Visit Qatar)، وتقويم قطر السنوي للفعاليات، أصبحت الأنشطة الثقافية، والترفيهية، والرياضية، والفنية تُنظم على مدار العام، لتمنح المقيم والزائر خيارات متنوعة تناسب جميع الأعمار والاهتمامات. فالصيف في قطر لم يعد موسمًا ساكنًا، بل أصبح موسمًا حافلًا بالمهرجانات، والمخيمات الصيفية، والورش التعليمية، والعروض العائلية، إلى جانب العروض الفندقية والبرامج السياحية التي تجعل من كل فصل تجربة مختلفة. • وتكمن قيمة هذه المبادرات في أنها لا تروّج لمكان فحسب، بل تصنع تجربة متكاملة تعكس هوية قطر، وتبرز ما وصلت إليه من تطور في قطاع السياحة وجودة الحياة. فمن يتابع تقويم قطر أو منصات «زوروا قطر» يدرك أن لكل أسبوع فعالية، ولكل فصل قصة، وأن هذا الوطن أصبح وجهة سياحية وثقافية تتجدد باستمرار، وتستقبل زوارها ببرامج متنوعة تجعل كل زيارة مختلفة عن سابقتها. • وحتى الصحراء، التي يظن البعض أن الصيف يبعد الناس عنها، أصبحت مع تطور وسائل التبريد والخيام الحديثة وجهة مميزة في ساعات المساء. جلسة بين الكثبان الرملية، وفنجان قهوة، وأحاديث الأصدقاء، وصوت المذياع، وسماء تتلألأ بالنجوم… كلها تفاصيل تجعل من الصحراء مساحة يستعيد فيها الإنسان هدوءه بعيدًا عن صخب المدينة. • ولعل أجمل ما في كل ذلك أننا كثيرًا ما نبحث عن السعادة في مكان بعيد، بينما تكون بين أيدينا دون أن نشعر بها. فالإنسان يعتاد النعمة حتى تصبح جزءًا من يومه، ولا يدرك قيمتها إلا عندما يفقدها أو يقارنها بغيرها. ولذلك، فإن إعادة اكتشاف الوطن ليست رحلة إلى مكان جديد، وإنما رحلة إلى عين ترى ما اعتادت عليه، وقلب يقدّر ما يملكه. • آخر جرة قلم: الاستمتاع لا تحدده مساحة، ولا تصنعه مدينة، ولا يختصره فصل من فصول السنة. إنه ثقافة، وأسلوب حياة، وروح تعرف كيف ترى الجمال فيما حولها. وفي قطر، لا ننعم ببحر وشواطئ وصحراء ومنتجعات ومرافق عالمية فحسب، بل ننعم أيضًا بالأمن، وجودة الحياة، وبنية تحتية متطورة، وتكييف أصبح جزءًا من تفاصيل يومنا حتى نسينا أنه نعمة. ولعل أعظم استثمار تصنعه الدول ليس في بناء الأماكن فحسب، بل في صناعة التجارب والذكريات. وهذا ما نجحت قطر في ترسيخه؛ فكل موسم يحمل فعالياته، وكل زيارة تفتح بابًا لاكتشاف جديد، حتى أصبح الوطن وجهة تتجدد في كل فصل من فصول العام. وما أجمل أن نرى وطننا بعين السائح، وقلب المحب، فنكتشف أن أجمل الإجازات ليست دائمًا تلك التي تبدأ من صالة المغادرة، بل قد تكون تلك التي تبدأ من لحظة امتنان، ومن قرار بأن نستمتع بما وهبنا الله من نعم العائلة والصحبة والأمن والامان في وطننا الغالي قطر.
1224
| 08 يوليو 2026