رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتور الشيخ خالد بن محمد بن غانم آل ثاني

الباحث في التاريخ القطري

مساحة إعلانية

مقالات

0

الدكتور الشيخ خالد بن محمد بن غانم آل ثاني

رحيل الأمير الوالد رحمه الله.. رحيل أمة| أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم أقام منارًا للعلم

13 يوليو 2026 , 02:00ص

- لقّب باسم الشعب: «دفان الفقر وحمد الخير والمأوى» لأنه لكل ضعيف ملجا

- شجعني وأثنى على كتاباتي التاريخية وهي مفخرة لي ووسام على صدري

في تواريخ الدول وأخبار الرجال، من ذكره لا ينسى، وأفعاله لا تمحى، وسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله تعالى - من هؤلاء القلة الذين يندر بهم الزمان، ويعدون على أصابع الأيام، ويقترن اسمه باسم الزمان والمكان، والبلاد والأوطان، فتاريخ قطر الحديث، اقترن باسم الأمير الوالد في كل مقال وحديث، ونهضت به حتى أصبحت مضرب المثال، وشكل بشخصيته هوية وطن وآمال، وضرب بسهم إرادته في كل ميدان، وأصابت رؤيته العنان، وشهد له بذلك كل أحد، من كل قُطْر وبلد. 

فالسياسة ساسها، والمعرفة أشاعها، والإعلام رفع أعلامه، والاقتصاد شيد بنيانه، والصحة صحت في عصره، والوقف أثبت غرسه، والرياضة روضت للأجيال، والعمران عمّ كالخيال، والآثار أحييت من رمسها، والمفاخر نادت بصوتها: يا من جمع شتات المآثر، ونظم عقد الجواهر، وغرس محبة في كل قلب، فلقّب باسم الشعب: دفان الفقر، وحمد الخير، والمأوى، لأنه لكل ضعيف ملجا. يا من يحار القلم فيه من أين يبدأ، والعين ماذا تترك وتقرأ، فقد ملأت السمع والبصر، والعقل والفكر، والقرطاس والسطر، وإنما نذكر رشفة من بحر، وقطرة من نهر.

فسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله تعالى -يعتبر أبو الدستور القطري، وذلك بإصداره لأول دستور دائم لدولة قطر سنة 2004م، وصاحب رؤية بعيدة المدى باعتماده رؤية قطر الوطنية 2030 في عام 2008م، وبذلك أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال، ولمستقبلهم أقام منارًا للعلم، فمن أول مشاريعه خلال فترة حكمه -رحمه الله -إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995م، والتي أصبحت صرحًا ونموذجًا تعليميًّا، جمع بين التميز الأكاديمي المحلي، والمعايير العالمية، وفي السنة التالية لتأسيسها أطلق -رحمه الله -سنة 1996م قناة الجزيرة، هذا الصرح الإعلامي الذي غير وجه الإعلام العربي بل العالمي، وكان علامة فارقة في تاريخ الإعلام، بل في تاريخ الشعوب العربية، وكان إطلاقها نابعًا من همه العربي والإسلامي، وفخره بهذا الانتماء، وسعيه للإصلاح بين الفرقاء، فكم كانت له من يد تشكر، ومساع لا تكفر، ولو نذكر، نذكر اتفاق الدوحة اللبناني 2008م، والمصالحة بين السودان وتشاد 2009م، والوساطة بين جيبوتي وإريتريا 2010م، وسلام دارفور 2011م، وإعلان الدوحة للمصالحة الفلسطينية 2012م، وبداية استضافة المفاوضات بين طالبان والأمريكان 2010م، وغيرها الكثير، بالإضافة إلى سعيه للإفراج عن العديد من الرهائن والمحتجزين، والتي أسفرت عن إطلاق سراحهم وتقدير الدول لهذا الدور المحوري.

 وقد تمكنت قطر في عهده من الحصول على العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن لمدة عامين، وترأست المجلس عام 2006م، ثم ترأست الدورة 66 للجمعية العامة للأمم المتحدة 2011ـ2012م، وبهذه السياسة والدبلوماسية تشكل نموذج للدبلوماسية القطرية فريد من نوعه، أشرب بشخصية الأمير الوالد -رحمه الله تعالى ـ، وفي نفس هذا العام 1996م تحقق طموح الشيخ -رحمه الله -بإصدار أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح قطر في عام 2006م أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالميًّا، وللمحافظة على هذه الموارد برؤية الأمير الوالد -رحمه الله -أنشأ جهاز قطر للاستثمار سنة 2005م لتنمية هذه الأصول المالية وحمايتها للأجيال، وتنويع مصادر الدخل للدولة، لتصبح أحد أكبر عشر صناديق سيادية على مستوى العالم. 

ولهذا الانفتاح العالمي تم وضع حجر الأساس وبدأ العمل في إنشاء مطار حمد الدولي سنة 2005م، وميناء حمد عام 2011م، وأصبحت قطر في عهده قبلة للمضيوم، وقبلة للأعمال، وقبلة للساسة، وقبلة للرياضة، ففي عهده برزت قطر كأيقونة رياضية باستضافتها العديد من الدورات العالمية ومنها دورة الألعاب الآسيوية 2006م، وفوزها بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022م وذلك في سنة 2010م كأول دولة عربية تستضيف كأس العالم، ومواكبة لهذه النهضة الرياضية تم إطلاق قنوات الجزيرة الرياضية 2003م. 

ونرجع إلى عام 1996م لنسلط الضوء على جانب آخر من جوانب إنجازات الأمير الوالد -رحمه الله تعالى -وهو إصداره لأول قانون للوقف في دولة قطر، بل في الخليج، وهو سبق له أجره، وأجر كل من عمل به، وللأمير الوالد -رحمه الله -أياد بيضاء في العمل الوقفي، نابعة من إيمانه بأن الوقف أساس نهضة الأمة العربية والإسلامية على مر العصور، فأسس لها أساساً متيناً بإصدار القانون، وساهم بماله في إنشاء عدد من الوقفيات الصحية والعلمية والقرآنية، ودُشّن في عهده «مصحف قطر» 2010م وجعل له وقفًا لا ينقطع أجره بمنّ الله وكرمه، وباعتزازه بعقيدته ودينه دشّن -رحمه الله تعالى -أكبر جامع في قطر، جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب سنة 2011م، إلى غير ذلك من المشاريع الخيرية والعلمية الوقفية داخل قطر وخارجها، ومنها كلية الشيخ جاسم للعلوم والتكنولوجيا في فطاني 2007م، ومسجد الشيخ جاسم بن محمد في ميفير بلندن سنة 1997م، وتشييد وترميم مكتبة الغازي خسروبك بالبوسنة والذي بدأ بتوجيه شخصي منه -رحمه الله -سنة 2004م، وغيرها مما يعجز القلم عن حصره. 

ولو نظرنا إلى جانب التراث والتاريخ، فقد كان الأمير الوالد الشيخ حمد -رحمه الله -ممن له اهتمام ومعرفة خاصة بالتاريخ القطري، وقد شجعني -رحمه الله تعالى -وأثنى على كتاباتي التاريخية، وهي مفخرة لي ووسام على صدري، وأوصاني خاصة في التاريخ بالحرص على الدقة في سرد الأحداث، وأحيا في عهده تاريخ قطر والبحث فيه بإعلانه اليوم الوطني سنة 2007م، وإنشائه لهيئة متاحف قطر سنة 2005م، وإعادة إحياء وتطوير سوق واقف سنة 2006م، وافتتاح متحف الفن الإسلامي سنة 2008م، والحي الثقافي كتارا سنة 2010م، وغيرها الكثير، وكان آخرها إدراج موقع الزبارة الأثري في قائمة التراث العالمي لليونسكو في 22 يونيو 2013م، وبعدها بثلاثة أيام 25 يونيو 2013م وقد حقق ما وعد بكلمته المشهورة «بأن أي شخص في الدنيا سيتمنى أن يكون من الشعب القطري»، ضرب الأمير الوالد الشيخ حمد -رحمه الله تعالى -أروع مثال لمن يملك الحكم لرفعة شعبه ووطنه، فبعد حوالي عقدين من الإنجاز والنجاح، تنازل عن الحكم بمحض رغبته لولي عهده سيدي سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى -حفظه الله تعالى ورعاه -ليكون خير خلف لخير سلف، ويستكمل هذه المسيرة العطرة، ويحقق الله على يديه المزيد من الرفعة والتقدم لبلاده وشعبه. وبقي الأمير الوالد -رحمه الله -والدًا لشعبه ولكل من على هذه الأرض الطيبة.

واليوم تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله سبحانه أن يرحم فقيد الوطن، ويرفع درجته في عليين، ويلحقه بالصالحين، ويبقي أثره وأجره إلى يوم الدين. ونصبّر أنفسنا ونعزيها بسيدي سمو الأمير -حفظه الله تعالى ورعاه -وإخوانه الغر الميامين، برّد الله قلوبهم باليقين، وأعلا منارهم في العالمين.

مساحة إعلانية