رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أعرف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن قرب. لم أجلس إليه مرة، ولم أعمل في قطر، ولم أكن يومًا جزءًا من مؤسساتها الإعلامية. لكنني، مثل ملايين العرب، عشت أثر الرجل أكثر مما عرفت سيرته، وعرفت مشروعه أكثر مما عرفت شخصه. فهناك رجال لا تحتاج إلى مصافحتهم حتى تلمس بصماتهم في حياتك، لأنهم يغيرون المجال العام الذي يعيش فيه الجميع، ويصنعون مناخًا جديدًا للتفكير والأمل.
أنتمي إلى جيل عربي ولد في زمن الهزائم، وكبر وهو يراقب كيف تتراجع فكرة الأمة، وكيف تتحول الدولة إلى جهاز يخشى الكلمة أكثر مما يخشى الاحتلال، وكيف يصبح الإعلام مرآة للسلطة لا نافذة على المجتمع. كان ذلك جيلاً يبحث عن أي دليل يثبت أن العرب ما زالوا قادرين على إنتاج مشروع كبير، وأنهم ليسوا مجرد مستهلكين لما يصنعه الآخرون.
ثم جاءت الجزيرة. لم تكن مجرد قناة تلفزيونية. كانت حدثًا حضاريًا قبل أن تكون مؤسسة إعلامية. كانت إعلانًا بأن العقل العربي يستطيع، إذا توفرت له الإرادة السياسية، أن ينافس أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم، وأن يصنع نموذجًا مهنيًا مختلفًا، وأن يفرض نفسه على أجندة الأخبار الدولية.
ولعل أعظم ما فعله الأمير الوالد أنه لم يبنِ مبنى، بل بنى فكرة. لم يستثمر في أجهزة البث وحدها، بل استثمر في الإنسان العربي. جمع من مختلف الأقطار نخبة من ألمع الصحفيين والمفكرين والمخرجين والمراسلين والمنتجين، ممن ضاقت بهم أوطانهم أو ضاقت أوطانهم بأحلامهم، ومنحهم فرصة نادرة ليصنعوا إعلامًا يليق بأمة تبحث عن صوتها.
كانت الجزيرة، بالنسبة لكثيرين منا، أول جامعة عربية مفتوحة في السياسة والفكر والإعلام. منها تعرفنا إلى مدارس صحفية متعددة، وإلى مناظرات كانت محرمة، وإلى معارضين لم يكن أحد يسمع أصواتهم، وإلى مسؤولين وجدوا أنفسهم لأول مرة أمام أسئلة حقيقية. والأهم أنها جعلت المشاهد العربي يشعر بأن رأيه له قيمة، وأن الخبر ليس ملكًا للحاكم وحده.
قد يختلف الناس في تقييم الجزيرة، وقد تختلف الآراء حول بعض خياراتها أو تغطياتها، فهذا شأن كل تجربة بشرية كبرى. لكن ما يصعب إنكاره هو أنها غيرت تاريخ الإعلام العربي إلى الأبد، وأنها صنعت قبل وبعد عام 1996 خطًا فاصلًا بين زمنين.
ولم يكن ذلك الإنجاز منفصلًا عن رؤية الأمير الوالد. فقد أدرك مبكرًا أن النفوذ في العصر الحديث لا يصنعه المال وحده، ولا القوة العسكرية وحدها، بل تصنعه المعرفة، والإعلام، والقدرة على مخاطبة العالم بلغته، مع الاحتفاظ بالهوية والثقة بالنفس.
كان ذلك رهانًا حضاريًا أكثر منه رهانًا سياسيًا.
لقد آمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأبقى. ولذلك لم تقتصر التجربة على الإعلام، بل امتدت إلى التعليم، والبحث العلمي، والدبلوماسية، والرياضة، والثقافة، لتصبح قطر، خلال سنوات قليلة، اسمًا حاضرًا في ملفات كانت حكرًا على الدول الكبرى.
وبالنسبة لنا نحن الذين كنا نراقب من بعيد، لم تكن المسألة إعجابًا بدولة بقدر ما كانت إعجابًا بإمكانية عربية كانت تبدو مستحيلة. كان السؤال الذي يرافقنا دائمًا: إذا استطاعت دولة عربية أن تنجز هذا المشروع، فلماذا لا تستطيع بقية الدول أن تصنع مشاريعها الخاصة؟ ولماذا أصبح الاستثناء هو النجاح، بينما يفترض أن يكون القاعدة؟
إن إرث الأمير الوالد لا يقاس فقط بما شُيّد من مؤسسات، وإنما بما أعاد زرعه في الوعي العربي من ثقة بالقدرة على الفعل. ففي زمن كانت فيه المنطقة تتقن تبرير عجزها، جاءت تجربة قطر لتقول إن الإرادة السياسية تستطيع أن تغير موازين كثيرة، وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
وربما لهذا السبب تجاوز تأثير الرجل حدود بلده. فقد أصبح جزءًا من ذاكرة جيل كامل من الإعلاميين والباحثين والمثقفين الذين وجدوا في تلك التجربة نافذة على عالم عربي مختلف؛ عالم يؤمن بالكفاءة أكثر من الولاء، وبالاحتراف أكثر من الدعاية، وبالطموح أكثر من الخوف.
حين يرحل أصحاب المشاريع الكبرى، لا يترك رحيلهم فراغًا في المواقع، بل يترك فراغًا في الخيال. لأن المؤسسات يمكن أن تستمر، لكن الروح المؤسسة هي الأصعب في التعويض.
وفي رثاء الأمير الوالد، لا أرثي رجل دولة فحسب، بل أرثي واحدًا من آخر القادة العرب الذين امتلكوا الجرأة على أن يحلموا خارج المألوف، وأن يمنحوا ذلك الحلم مؤسسات تعيش بعدهم. لقد أثبت أن المشروع العربي ليس مستحيلًا، وأن الأمة التي تنجح في صناعة منبر عالمي، تستطيع – إذا امتلكت الإرادة نفسها – أن تصنع نهضتها أيضًا.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي لم يكتفِ بأن يكتب فصلًا في تاريخ قطر، بل ساهم في كتابة فصل مضيء من تاريخ الوعي العربي الحديث.
غير أن المشاريع الكبرى لا تُقاس فقط بما ينجزه مؤسسوها، وإنما بقدرتها على الاستمرار بعدهم. وهذه ربما تكون إحدى أهم رسائل تجربة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؛ إذ لم يكن ما بناه مشروعًا عابرًا ارتبط بشخصه، بل رؤية وجدت من يحملها ويواصل تطويرها.
لقد انتقل المشعل إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واستمرت الدولة في تثبيت الخيار نفسه: الاستثمار في الإنسان، وفي المعرفة، وفي الإعلام، وفي الدبلوماسية، وفي جعل الحضور القطري قائمًا على المبادرة لا على رد الفعل. وبين كل الملفات التي خاضتها قطر، بقيت فلسطين عنوانًا أخلاقيًا وسياسيًا لهذا الحضور، وبقي أهلها في قلب هذا الالتزام، ليس بوصفهم ورقة للمزايدة، وإنما باعتبارهم قضية عدل وكرامة وحق، وبوصفها أيضًا البوابة التي تتجلى فيها المنافسة العربية الشريفة على خدمة الإنسان والدفاع عن قيم الحرية والعدالة.
ولذلك، فإن رثاء الأمير الوالد ليس بكاءً على مرحلة انتهت، بقدر ما هو تأمل في تجربة أثبتت أن الأفكار العظيمة لا تموت برحيل أصحابها، وأن الدول التي تؤسس لمشاريع حضارية حقيقية تضمن لنفسها الاستمرار عبر تعاقب الأجيال. لقد غاب الرجل، لكن المشعل لم ينطفئ، وما زالت الرؤية التي آمنت بأن للعرب مكانًا تحت شمس العصر، وبأن الإنسان العربي قادر على الفعل والإبداع وصناعة التاريخ، تجد من يحملها ويواصل السير بها إلى الأمام.
رحيل الأمير الوالد رحمه الله.. رحيل أمة
- أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم أقام منارًا للعلم - لقّب باسم الشعب: «دفان الفقر وحمد... اقرأ المزيد
444
| 13 يوليو 2026
الأمير الوالد كان سنداً حقيقياً للبنان
كان لي الحظ بتمثيل لبنان لدى دولة قطر في الفترة 1999 – 2003، في عهد الأمير الوالد الشيخ... اقرأ المزيد
75
| 13 يوليو 2026
﴿فروح وريحان وجنة نعيم﴾
إلى جنات الخلد بإذن الله، غابت شمس قطر، وخيّم الحزن على القلوب، وارتدت الأرض الطيبة ثوب الفقد وهي... اقرأ المزيد
171
| 13 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5781
| 07 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد عشر لاعباً يساندهم خمسمائة مليون قلب عربي نابض بالأمل في التأهل لدور ربع النهائي. هذه المساندة الجماهيرية ليست رياضيةً فحسب، وإنما هي حبٌّ عظيمٌ لمنتخب الساجدين الذي أحيا الحماسة في شعوب أمتنا عندما عبر المدرب حسام حسن عن النواة الصلبة في ضمائرنا ونفوسنا المتمثلة بفلسطين الحبيبة، حين حمل العلم الفلسطيني في الملعب، فهزَّ وجداننا بالحب لمصر وشعبها اللذينِ لهما مكانةٌ عظيمةٌ في تاريخنا الماضي، وحاضرنا، ومستقبلنا. تابعنا الأداء الفني الرفيع والبطولي المتميز للمنتخب المصري، وشاهدنا الجماهير في مدن وقرى وبوادي ديارنا العربية وهي تسانده بالتشجيع في البيوت والمجمعات الرياضية والمقاهي والساحات، وكأنما كل فرد في أمتنا يشعر شعوراً راسخاً بأن المنتخب يمثله شخصياً، ويمثل مجتمعه المحلي، وأمته المتعطشة لإثبات الوحدة النفسية والعقلية لشعوب تجمعها حضارةٌ مجيدةٌ، ولو كان ذلك من خلال كرة القدم. الذي لفت أنظار العالم هو الحماسة العظيمة لأهلنا في غزة الجريحة الذين تجمعوا بين الخيام والدمار وقد تعلقت قلوبهم بأداء المنتخب المصري، وكيف أرسل إليهم حسام حسن رسالةً تحمل توقيعات قلوب أبناء أمتنا برفع العلم الفلسطيني، مما جعل من مباراة اليوم مع الأرجنتين مباراةً تتابعها شعوبنا وهي تهتف للمنتخب المصري من أعماق قلوبها مؤمنةً بأهمية الفوز لمصر والأمة العربية. نحن ندرك جيداً أن الأداء الفني في المباراة هو الفيصل، ولكننا نؤمن بأن وقود الروح القتالية للاعبي المنتخب المصري هو مساندة الجماهير العربية لهم. ولذلك، نتوجه إليهم برسالة محبةٍ عظيمةٍ ممهورةٍ بثقتنا بجدارتهم بالفوز إن شاء الله. ونقول لهم إننا ننتظر منهم تركيزاً كاملاً، وحضوراً ذهنياً لا يغيب طوال التسعين دقيقة، مع تأكيدنا على ثقتنا بأن الكابتن حسام حسن قادر على استثمار طاقات اللاعبين، وتوظيفهم توظيفاً سليماً يحقق الأمل المنشود من المباراة. الأنظار متجهة إلى الأسطورة الكروية العربية؛ محمد صلاح الذي سيكون الركيزة الأساسية في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية. إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية مانحاً المنتخب خياراتٍ متعددةً وخطورةً مستمرةً نحو مرمى الخصم. كلمةٌ أخيرةٌ: يا لاعبي منتخب مصرنا الحبيبة، حين تسجدون بعد إطلاق صافرة النهاية وقد حققتم الفوز، بإذن الله، ستلامس جباهكم قلوبنا التي كانت معكم في أرضية الملعب.
1452
| 07 يوليو 2026
• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات تُقترح، وحقائب تُجهز، وتذاكر تُحجز، وأحاديث لا تنتهي عن لندن وإسطنبول وباريس وسويسرا… وكأن الاستمتاع لا يبدأ إلا بتجهيز الحقائب والعبور من صالة المغادرة. حتى أصبح السفر عند البعض مرادفًا للإجازة، وكأن الوطن يتوقف عن صناعة الفرح مع ارتفاع درجات الحرارة. • لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: هل المشكلة في حرِّ قطر… أم في نظرتنا إلى الصيف؟ فالاستمتاع ليس درجة حرارة، ولا مدينة على الخريطة، ولا تذكرة سفر، بل ثقافة حياة، ونظرة ترى الجمال فيما نملكه قبل أن تبحث عنه في مكان آخر. • وفي قطر، ورغم حرارة الصيف، لم يترك الوطن هذا الفصل موسمًا للركود، بل هيأ له كل أسباب الراحة والاستمتاع؛ من مرافق حديثة، وشواطئ ومنتجعات، ومساحات ثقافية وترفيهية، إلى بنية تحتية متطورة جعلت الحركة أكثر سهولة وجودة. ولذلك، فإن الصيف ليس موسمًا للهروب من الوطن، بقدر ما هو فرصة لاكتشافه من جديد. • ومع بداية الإجازات الصيفية، تتجه كثير من العائلات إلى مدن أوروبية مثل لندن وباريس ومدن في ألمانيا وسويسرا وغيرها، طلبًا للأجواء المعتدلة والاستجمام. غير أن كثيرًا من المسافرين يفاجؤون بموجات حر صيفية قد تكون أكثر إرهاقًا مما توقعوا، ليس بسبب ارتفاع درجات الحرارة وحدها، بل لأن كثيرًا من المباني القديمة، وبعض الشقق السكنية، والمتاجر الصغيرة، وحتى بعض وسائل النقل، لم تُصمم تاريخيًا للاعتماد الواسع على أجهزة التكييف كما هو الحال في دول الخليج، فيتحول الانتقال بين الأماكن إلى رحلة بحث عن مكان بارد أو نسمة هواء. • أما في قطر، فقد أصبح التكييف جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية حتى اعتدناه ولم نعد نستشعر عظمة هذه النعمة. فمن المنزل إلى السيارة، ومن المواقف إلى المجمعات التجارية، ومن المتاحف إلى المكتبات، ومن المطاعم إلى المقاهي، صُممت معظم المرافق لتوفر بيئة مريحة تجعل الحركة ممكنة مهما ارتفعت درجات الحرارة. إنها نعمة لا يشعر الإنسان بقيمتها إلا عندما يغادرها. • ولذلك لم تعد المجمعات التجارية الكبرى، مثل بلاس ڤاندوم، ودوحة فستيفال سيتي، وڤيلاجيو، وقطر مول، ومشيرب قلب الدوحة، مجرد أماكن للتسوق، بل أصبحت وجهات متكاملة للحياة والترفيه؛ تضم المقاهي والمطاعم، ودور السينما، ومدن الألعاب، والفعاليات، والمعارض، والمساحات التي تستوعب جميع أفراد الأسرة، فيقضي الناس ساعات طويلة بين الحركة والراحة دون أن يشعروا بحرارة الصيف أو ملل الإجازة. • ولا يتوقف جمال الصيف عند المرافق المغلقة، فالبحر في قطر له حكايته الخاصة. فشواطئ سيلين، واللؤلؤة، والمنتجعات البحرية، ومنتجع سلوى، وجزيرة بن غنام، وغيرها من الوجهات، تمنح الأسرة فرصة للاسترخاء والاستمتاع بين زرقة البحر وصفاء السماء، حيث تمتزج الأنشطة البحرية بأجواء الراحة والسكينة، مع توافر مختلف الخدمات التي تجعل قضاء يوم كامل تجربة آمنة وممتعة. • وهناك من يختار أن تكون الإجازة داخل البيت، فيكتشف أن أجمل الرحلات قد تبدأ من خلف الباب. فالبيت ليس مكانًا للنوم فقط، بل مساحة تصنع فيها العائلة أجمل ذكرياتها. تعود الكتب المؤجلة إلى الأرفف، وتُفتح دفاتر الكتابة، وتفوح روائح المعجنات والحلويات، ويشارك الأطفال والديهم إعداد الطعام وترتيب المائدة، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى ذكريات لا تُنسى. • ومن أجمل ما تحرص عليه كثير من الأسر إعداد برامج صيفية منزلية للأطفال تجمع بين المتعة والفائدة؛ من الرسم، والقراءة، والأشغال اليدوية، والطهي، والعناية بالنباتات، والمشاركة في ترتيب المنزل، فيتعلم الطفل المسؤولية، ويكتسب مهارات جديدة، ويقضي إجازته في بيئة آمنة مليئة بالمحبة والحوار. • كما تزخر قطر ببرامج ثقافية وتعليمية تثري الإجازة الصيفية؛ فمكتبة قطر الوطنية، ومتاحف مشيرب، ومؤسسة قطر، وغيرها من المؤسسات، تقدم برامج وورش عمل تناسب مختلف الأعمار، لتصبح الإجازة فرصة لتنمية العقل، واكتشاف المواهب، وبناء المعرفة، إلى جانب الترفيه والاستمتاع. • ولا يقتصر الأمر على تنوع الوجهات، بل يمتد إلى التخطيط المتواصل لصناعة تجربة سياحية متجددة. فمن خلال حملة زوروا قطر (Visit Qatar)، وتقويم قطر السنوي للفعاليات، أصبحت الأنشطة الثقافية، والترفيهية، والرياضية، والفنية تُنظم على مدار العام، لتمنح المقيم والزائر خيارات متنوعة تناسب جميع الأعمار والاهتمامات. فالصيف في قطر لم يعد موسمًا ساكنًا، بل أصبح موسمًا حافلًا بالمهرجانات، والمخيمات الصيفية، والورش التعليمية، والعروض العائلية، إلى جانب العروض الفندقية والبرامج السياحية التي تجعل من كل فصل تجربة مختلفة. • وتكمن قيمة هذه المبادرات في أنها لا تروّج لمكان فحسب، بل تصنع تجربة متكاملة تعكس هوية قطر، وتبرز ما وصلت إليه من تطور في قطاع السياحة وجودة الحياة. فمن يتابع تقويم قطر أو منصات «زوروا قطر» يدرك أن لكل أسبوع فعالية، ولكل فصل قصة، وأن هذا الوطن أصبح وجهة سياحية وثقافية تتجدد باستمرار، وتستقبل زوارها ببرامج متنوعة تجعل كل زيارة مختلفة عن سابقتها. • وحتى الصحراء، التي يظن البعض أن الصيف يبعد الناس عنها، أصبحت مع تطور وسائل التبريد والخيام الحديثة وجهة مميزة في ساعات المساء. جلسة بين الكثبان الرملية، وفنجان قهوة، وأحاديث الأصدقاء، وصوت المذياع، وسماء تتلألأ بالنجوم… كلها تفاصيل تجعل من الصحراء مساحة يستعيد فيها الإنسان هدوءه بعيدًا عن صخب المدينة. • ولعل أجمل ما في كل ذلك أننا كثيرًا ما نبحث عن السعادة في مكان بعيد، بينما تكون بين أيدينا دون أن نشعر بها. فالإنسان يعتاد النعمة حتى تصبح جزءًا من يومه، ولا يدرك قيمتها إلا عندما يفقدها أو يقارنها بغيرها. ولذلك، فإن إعادة اكتشاف الوطن ليست رحلة إلى مكان جديد، وإنما رحلة إلى عين ترى ما اعتادت عليه، وقلب يقدّر ما يملكه. • آخر جرة قلم: الاستمتاع لا تحدده مساحة، ولا تصنعه مدينة، ولا يختصره فصل من فصول السنة. إنه ثقافة، وأسلوب حياة، وروح تعرف كيف ترى الجمال فيما حولها. وفي قطر، لا ننعم ببحر وشواطئ وصحراء ومنتجعات ومرافق عالمية فحسب، بل ننعم أيضًا بالأمن، وجودة الحياة، وبنية تحتية متطورة، وتكييف أصبح جزءًا من تفاصيل يومنا حتى نسينا أنه نعمة. ولعل أعظم استثمار تصنعه الدول ليس في بناء الأماكن فحسب، بل في صناعة التجارب والذكريات. وهذا ما نجحت قطر في ترسيخه؛ فكل موسم يحمل فعالياته، وكل زيارة تفتح بابًا لاكتشاف جديد، حتى أصبح الوطن وجهة تتجدد في كل فصل من فصول العام. وما أجمل أن نرى وطننا بعين السائح، وقلب المحب، فنكتشف أن أجمل الإجازات ليست دائمًا تلك التي تبدأ من صالة المغادرة، بل قد تكون تلك التي تبدأ من لحظة امتنان، ومن قرار بأن نستمتع بما وهبنا الله من نعم العائلة والصحبة والأمن والامان في وطننا الغالي قطر.
1227
| 08 يوليو 2026