رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرف العالم العديد من ألوان الحروب التقليدية والاقتصادية والثقافية والمعرفية والنفسية، وأكثر أنواع هذه الحروب أثرا هي حرب الهوية، تلك التي تصنع أخدودا عميقا بين الوطن والإنسان، وتفتح الباب إلى حالة انفصام بين معتقدات الإنسان التي تشكل الهوية الرابطة والجامعة له مع غيره ممن يعيشون معه فوق أرض الوطن جغرافيا، ويدركون معا تاريخ حياتهم فوقها بصدق الإدراك له، ويؤمنون بدينهم كما سعوا بحثا عنه عبر التاريخ تفسيرا لمعنى الوجود والخلق، وحسبما وصلتهم رسالاته السماوية، ولا يخلطون بين الرسالة في جوهرها والتفسيرات الوضعية لها، وهذه الهوية تميز الشعوب عن بعضها بعضا، فبقدر اشتراك الشعوب بالعيش فوق الأرض، غير أن التمايز بين الشعوب واقع نشأ من تمايز مكونات الهوية ذاتها. وما كانت الحروب بألوانها رغبات بشرية مجردة، فأولى الوصايا العشر ألا تقتل، وحرمة النفس البشرية مقدسة، ولكن الحروب هي صراع مصالح أيا كانت ألوان تلك الحروب أو شرعية تلك المصالح، دفاعا عن وجود أو أطماع تنتاب العلاقات بين البشر.
والحرب على الهوية الوطنية الجامعة لأمة، تسلخ الإنسان من مكوناتها، فلا أرض ينتمي إليها ولا وضوح وجلاء للمعتقدات وتتضارب صور التاريخ في رأسه وتتعدد التأويلات فيصير البشر كالزغب تتقاذفه نسمات الريح، وكلما اشتدت الريح تعاظمت حالة انعدام الوزن، فيفقد الأرض ولا يدرك انتماءه إليها، ويفقد الانتماء لمن حوله وتأخذ بعقله أوهام وخرافات لا وجود لها، أوهام وخرافات انقلبت على العقل فتنقلب على كل ما يجب إدراكه.
المشهد في مصر الآن يعاني من حالة من التشرذم الاجتماعي والسياسي والديني، ولم تكتفِ كل شرذمة بانعزالها عمن حولها لا تسمع غير نفسها، ولكن كل منها أصابته حالة من الانفصام، فهي تعتقد غير ما تقول، وما تقول غير ما تفعل، ولم تعد الشراذم مرشحة للعلاج، ولكنها أصابت الوطن ذاته بحالة الاغتراب عن تاريخه وعصره ومكوناته، وصار في حاجة إلى عودة الروح.
كانت البدايات مبكرة فيما نعاصره، وكما كانت الحالة في عصور الضعف في تاريخنا، عندما يمحو الفرعون اسم سابقه ويضع اسمه، المطلب محو ما سبق بفعل مادي ولكن الفعل المادي لا يمحو الذاكرة، وجل ما يمكنه هو محاولة التشويش من حولها، فيصنع شرخا في مصداقية الفرعون الجديد، ولا يملك الأخير غير الكذب والادعاء ليفرض ما يراه الفرعون الإله الجديد. ولم تستسلم الذاكرة وأبدعت إحالة التاريخ إلى حكمة شعبية هي زاد الهوية وعامل استقرارها على مر العصور، كلما ألم بالوطن خطب استعادتها، وزادت الخطوب من إبداعاتها لتزداد صلابتها، وتمكنت الهوية من الصمود أمام صنوف الغزوات الخارجية، ونجحت أن تأخذ منها ما تملكه من معرفة تخصب به إدراكها، وتدعم شخصيتها، وتصنع لنفسها إستراتيجية المصالح والنفوذ والأمن، وتحدد أدواتها.
المشهد في مصر الآن عبثي لا يرقى إلى مستوى التحديات التي تحيق بالوطن، مشهد يستلزم "عودة الوعي" وبلغة الثورة يستلزم "ثورة في الثورة"، لمراجعة بديهيات الهوية الوطنية، ليعرف كل حجمه وقدره ويلزم دوره إن كان له دور في مهام وتحديات يواجهها الوطن وليس عبئا عليها..
عجزت جماعة الإخوان عن هدم الدولة، بل إن خداعها للنفس أودى بأن يكشف الشعب حقيقة مقاصدها وتحالفاتها الداخلية المتغيرة حسب ما يقتضيه هدف التمكن من السلطة، وأيا كان الثمن، وهو ما استدعى تحرك فاق التوقعات ليطيح بسلطة الإخوان، ولم يبقَ أمامها غير الاستعانة بالخارج، وأدواته، واستخدام فيالق الإرهاب الديني ليوجه ضرباته في "كعب أخيل" المتمثل في سيناء والتي تحدد أبعاد القوة فيها اتفاقات كامب ديفيد وملاحقها العسكرية، بغير اكتراث بمضمون الهوية الوطنية والاستقلال الوطني، وخرجت نداءات الاستدعاء لأمريكا والناتو، موازية لنداءات الدم في الداخل، وفرضه واقعا جديدا للعلاقة بين المصريين في كل الربوع.
الحروب تستمد مسوغات شرعيتها من أهداف معلنة، شرعية، وقابلة للتحقق، وذات مصداقية تؤكدها الهوية الوطنية ومشروع الأمة للمستقبل كما تتجه إليها الوقائع، وتتناسب الأساليب والأدوات شرفا مع نبل المقاصد النهائية لها.
ولكن الجزء البادي للعيان من الحرب المستعرة، ليس سوى المعارك الافتتاحية لحرب قادمة ستؤثر بالقطع على عالم أحادي القطبية الذي تتصدره عسكريا أمريكا، وإن كانت معاركه الاقتصادية لا تدور لصالحها.
المعارك الافتتاحية الدائرة في مصر لا تحمل المسوغات التي تمنح الحروب شرعيتها، فهي تتحدث عن الديمقراطية، وعن الدين والإمارة الإسلامية، وتتحدث عن التعايش وعدم الإقصاء، وتتحدث عن حق التعبير السياسي والاحتكام للشعب، ولكنها معارك افتتاحية مدفوعة الثمن مقدما، حروب بالوكالة كما كان حكم الإخوان حكومة بالوكالة عمن يدفعون ويديرون ويحمون، سواء كانت أجهزة مخابرات تحت ستار حكوماتها أو أجهزة مباشرة، تخطط وترتب وتدفع وتدرب وتورد السلاح وترسل وفود الإنسانية والديمقراطية وتتحكم في إنتاج الآلة الإعلامية العالمية.
ما شهدته القاهرة من وفود للوساطة ترتدي مسوح الديمقراطية والخشية على السلام في مصر، هم ذاتهم مبعوثو الشيطان سواء كانوا يعلمون أم هم موظفون لهذا. وعندما يشهد مندوبو الشيطان لجماعة أو أفراد، فلا تأخذ بألسنتهم، ولكن خذ على أيديهم.
إن استباحة دم المصريين في كل محافظات مصر تحت دعاوى الشرعية، تعني بالإطلاق أن مطلب المشاركة معدوم، وأن القصد هو الإقصاء وإن كان بالقتل.
إن استباحة حرمة الكنائس ومنازل المسيحيين وأرواحهم، تحمل ذات المعنى، ولعل رسل الشيطان الغربي يشرحون لدافعي الضرائب في الغرب وأمريكا كيف استباحوا الدم المصري سواء كان مسلما أو مسيحيا.
إن ما يجري في سيناء هو معركة الوطن البديل للإرهاب العالمي، إنها معركة البقاء أو الفناء لهم ولأجهزتهم، هي معركة ميلاد جديد للدين والوطن والبشر. إنها معركة الوطنية والقومية معا بعد أن سقطت كل الأقنعة، وثبت كذب أولئك يدعون أنهم القيمون على الدين والإنسان.
إن متطلبات تحقيق خطة المرحلة الانتقالية تتطلب تجاوز حالة يد الإرهاب المطلقة الآن تقتل البشر وتخون الوطن، وتجد أن هذا كله حق إلهي لها.
الشعب يدرك حقيقة المواجهة وعمقها، وقابل بدفع الثمن، ويدفعه كل لحظة تمر به، وهو يدرك حقيقة وجود الجيش المصري وانتمائه، فهو جيش الشعب، كان الشعب دائما منشأة في مواجهة الغاصب، وكانت اللحمة بين الشعب والجيش هي ما أنتج أن مصر مقبرة للغزاة.
إن لحمة الشعب والجيش يجب أن تعي درس تفريط السياسة في نتائج المواجهة، كما فرطت السياسة في نتائج حرب 1973. وما زلنا ندفع ثمنه إلى الآن.
الدبلوماسية ذراع آخر للبندقية، وليست بديلا عنها. ومواجهة العدو الذي يحمل السلاح، وخلفه ترسانة أعداء الخارج ليست مهمة الدبلوماسية، ولكنها مهمة المقاتلين.
الحديث عن حرمة الدم، وعن حقوق الإنسان، تبدأ من حرمة الوطن، وأمن أبنائه ومستقبلهم.
إن الفجوة واسعة بين حركة الشعب والثورة وبين التعبير السياسي عنها.
إن مصر لا تبحث عن ديمقراطية صماء تعجز عن أن توفي الإنسان حقه وتكتفي بلعبة الكراسي الموسيقية على السلطة.
إن مبحث مصر عن نظام سياسي يعبر عن إرادة الأمة ليست صيغة معلبة تكتفي بالمظهر دون المضمون.
إن مصر الثورة لم تنهِ دعائم نظام الفساد الأسبق ولم تتطهر من رؤوسه وخياراته الاقتصادية والسياسية.
ومصر الثورة تحتاج أن تنتج رؤية واضحة لنظامها الاقتصادي الذي يمكنه أن يحقق التنمية والعدالة الاجتماعية، وهي ليست مهمة فرد أيا كان قدره، وهي مهمة سابقة على الدستور القادم كما ظللنا ننادي.
ومصر الثورة تحتاج إعادة تخصيب الحياة السياسية داخل الوطن، وأن تتجاوز حالة التصحر والجمود أمام قيادات بلا إبداع ولا ترى سوى ذاتها سبيلا للوجود، مهما ادعت من أفكار أو انتماء للوطن. إن حوار الشعب حول النظام السياسي الذي يرغب فيه يجب أيضاً أن يسبق صياغات الدستور الفنية، إن تجاوز هذه الخطوة لن يساعد على بدايات صحيحة لمهام الثورة.
إن الحديث الذي بلغ فيه التجاوز مدى لا يقبله عاقل بشأن العسكرية المصرية، لن يتوقف أو يصل إلى مرفأه دون عقد مؤتمر حول الأمن القومي وعلاقة الجيش والدولة.
إن الحديث عن عسكرة الدولة بمعنى أن كافة المناصب يجرى تعيين عسكريون بها، تعني بالضرورة غياب رؤية حول البناء الوظيفي للدولة، إن التسريح المبكر للضباط هو إنقاص من قدرة القوات المسلحة ويحرمها من خبرات تراكمت، ولكن واقع المواجهة الجديد يفرض استثمار قدرات الضباط وخبراتهم في بناء جيش وطني قوي، وهو في إطار البناء الوظيفي للدولة يتطلب رؤية حول الإمكانات البشرية التي يحتاجها النظام الوظيفي للدولة، والقدرة على قياسها، والوصول بها إلى زيادة القدرة التنافسية بالتدريب.
إن غياب التدريب الإداري للخريجين، يضعف من قدرة الأداء، والالتزام بمهام التدريب والإعداد ضرورة للتنمية، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لتجاوز العجز الإداري ومواجهة الفساد.
إن الدخول العفوي للشعب في مواجهة الإرهاب يؤدي إلى ضياع للجهد والقدرة، إن الشعب مطالب بتكوينات "المقاومة الشعبية"، وهي تكوينات يمكنها دون السلاح أن تعيق حركة الإرهاب، وتحاصره، وتكشفه.
العديد من العناوين تفرض نفسها بعيدا عن ادعاءات التسامح، وتفرض تناولها بالجدية الواجبة حتى تحقق الانتصار في حركة الثورة.
الشعب رفض الجماعة السرية، تكوينا وامتدادا وتحالفات خارجية، ولم يرفض شخص الحاكم ويعزله فقط، وأي مناورة على الشعب في هذا الأمر ستفتح الباب وبحق لتكرار المثال العراقي والسوري في مصر.
والذين يفاوضون الآن حول الخروج الآمن لجماعة اقترفت من الجرائم ما تجاوز الخيانة العظمى، سيعكس الاتهام على من يعدون بما لا يملكون، لمن لا يستحقون.
إن إدارة المرحلة الراهنة في مصر، مطالبة بإعادة ترتيب العلاقات الخارجية لحساب الاستقلال الوطني وليس على حساب الأمن القومي أو إرادة الشعب. وليدرك الجميع أن الشعب حضر ولن ينصرف، وأن عودة الروح للإدارة والأشخاص مطلب جوهري لاستعادة الوطن من غربته.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
880
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
534
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5697
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4800
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2247
| 23 أغسطس 2026