رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من قال تلك المقولة ؟! إنها مريم عليها السلام، ومتى قالتها؟! عندما جاءها المخاض أي "الطلق" وأعراض الولادة وهي تحمل عيسى عليه السلام في بطنها، قالتها بعد أن استسلمت لأمر الله تعالى " قال كذلكِ قال ربكِ هو عليّ هيّن، ولنجعله آيةً للناس ورحمة منّا وكان أمراً مقضيا" عندما أخبرها جبريل عليه السلام الروح الأمين والمَلَكُ العظيم الذي وكّل بالوحي وبكل أمر عظيم من الله تعالى، فلم يكن هناك بدٌّ لها من الاستسلام والإيمان المطلق لأمر الله تعالى بعد قوله "وكان أمراً مقضيا" وهكذا شأن المؤمنين الذين ليس لهم الخيرة من أمرهم شيئاً عندما يأتي أمر الله إلا القبول والتسليم المطلق.. وكذلك فعل إبراهيم عليه السلام عندما أُمر بقتل ابنه اسماعيل عليه السلام وكذلك فعل نوح عليه السلام عندما أُمر بصنع السفية وحمل كل من آمن معه ومن أزواج الطيور والحيوانات، وكذلك فعل لوط عليه السلام عندما أُمر بالخروج من قريته وعدم الالتفات خلفه وترك امرأته مع قومه يصيبها ما أصابهم.. وهكذا فعل كل الأنبياء والصالحين من عباد الله المؤمنين المنقادين لأمر الله تعالى.
"ياليتني متّ قبل هذا"... قالتها مريم عليها السلام في ذلك الموقف العصيب والمحنة الكبرى التي تعرّضت لها وهي تخشى على نفسها وتفكّر في تلك اللحظة العصيبة والفتنة العظيمة التي ستواجه بها قومها عندما تأتيهم بمولود صغير دون أن يمسسها بشرّ ولم تك بغيّاً وإنما كانت مثالاً للطهر والتقوى والعبادة يُضرب إلى يوم القيامة..
قالتها مريم عليها السلام رغم أنها تنفذ أمر الله تعالى ورغم أنها حُبلى بنبي كريم مرسل، فهو روح الله وكلمته ألقاها إلى بني إسرائيل، فهو ليس بجنين عادي ولا مولود طبيعي وإنما آية من آيات الله العظمى في هذا الكون، وبالرغم من كل ذلّك... قالتها وكان الموقف أشد عليها وأقسى عندما أُمرت أيضاً بعدم الحديث مع قومها وعدم النطق بكلمة واحدة لتبرير موقفها! إذ أن العقل البشري سينادي بأعلى صوته صارخاً ومتعلّقاً بالأسباب "وكيف تدافع عن نفسها بدون أن تتكلم؟!" فتأتي المعجزة الأخرى تباعاً للمعجزة الأولى من رب السماوات والأرض وخالق كل شيء ومسبب الأسباب.. فيتكلم المولود في مهده "قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيّاً، وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً".
إذاً، فتلك مقولةُ من آمنت بكلمة الله وأسلمت له وأذعنت لذلك الأمر السماوي! فكيف بمن عصى الله تعالى ويرتكب الذنوب تلو الذنوب يوماً بعد آخر.. وهو في غفلة من أمره.. حتى إذا هداه الله وتاب عليه واستذكر ماضيه ومعاصيه وذاق طعم الندم والحسرة واعتصر قلبه ألماً وندماً على ما مضى من أيام وسنوات ضاعت من عمره في غير مرضاة الله؟!، فكيف بمن يعيش بقيّة حياته وهو يستذكر ماضيه وذنوبه ومعاصيه ويقول في نفسه "كيف ألقى الله بهذه المعاصي والذنوب والسيئات؟!"، ياله من موقف عظيم يتساقط فيه لحم الوجوه خجلاً وخوفاً من الله تعالى بعد أن يقف المرء بين يدي خالقه وهو يحاسبه على كل صغيرة وكبيرة فعلها في حياته.. بل على كل مثقال ذرة من خير أو شر! إنه لن يواجه قومه كما واجهت مريم عليها السلام قومها في موقف عصيب.. وإنما سيواجه الله تعالى في موقف أشدّ هولاً منه.. كما أنه لن يأتي كما أتت مريم عليها السلام وهي تحمل عيسى عليه السلام بين ذراعيها.. وإنما سيأتي بذنوب كالجبال يحملها فوق ظهره.
إذا كانت تلك مقولة الطاهرة المطهّرة المؤمنة العابدة " ياليتني مت قبل هذا" فماذا سيقول من زنى وفعل الفواحش؟! وماذا ستقول من زنت أو حملت سفاحاً؟! وماذا سيقول من ترك الصلاة عمداً؟ً وماذا سيقول من منع الزكاة؟! وماذا سيقول من شرب الخمر وارتكب المحرّمات؟! وماذا سيقول من كذب وخان الأمانة والعهد أو اغتاب وخاض في أعراض إخوانه؟! وماذا سيقول من قتل نفساً مؤمنة عمداً بغير حق؟! وماذا سيقول من آذى المؤمنين بلسانه ويده؟! حين نلقى الله بذنوبنا أجمعين.. ويحاسبنا فرادى! ياله من موقف عصيب تشيب له الولدان ويتمنى المرء لو كان ترابا، حين يلقى الله كلَ مسؤول يحمل أوزار رعيّته الذين ضيّعهم، وحين يلقى الله كل راعٍ ليُسأل عن رعيّته، وحين يلقى الله كل عبد فيُسأل عن عمره وشبابه وماله وعلمه.. ماذا فعل بهم جميعاً؟!
إذا كانت تلك مقولة مريم عليها السلام الطاهرة المطهّرة التي خضعت لأوامر الله وصدّقت بكلمات ربها وكانت من القانتين حينما أرادت أن تضع عيسى عليه السلام وقد تمنّت في تلك اللحظة العصيبة الموت على أن تلقى قومها وخشيت أن يقذفونها بالفاحشة وأن تواجههم في ذلك الموقف العصيب وتلك الفتنة العظيمة، وكما أشار العلماء بأنها حتى في تلك المقولة لم تقلها سخطاً واعتراضاً على قدر الله، وإنما كما أسلفنا خوفاً من ذلك الموقف العظيم وهي بذلك تمنّت الموت كما يقول العلماء عندما يخشى المرء على نفسه الفتنة فإنه يجوز له تمنّي الموت كما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما وقعت له المحن في آخر حياته قال "اللهم توفّني إليك"، وكما قال يوسف عليه السلام "توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين" أو كما قال سحرة فرعون بعد أن آمنوا بالله عندما هددهم فرعون بالقتل "ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفّنا مسلمين".. إذا كانت تلك مقولة مريم عليها السلام .."ياليتني متّ قبل هذا" فماذا سنقول نحن المذنبون الملطّخون بالسيئات والأدران عندما نتذكر بعد حينٍ ذنوبنا في لحظات الندم والتوبة والعودة إلى الله حينها يتمنى المرء منّا الموت أو يتمنّى أنه لو لم يفعل تلك المعصية أو الذنب أو يتمنّى أنه لو لم يسلم إلا بعد تلك اللحظة.. كما تمنّى أسامة بن زيد رضي الله عنه بعد أن قتل الرجل الذي قال "لا إله إلا الله" ثم تمنّى أنه لو لم يسلم إلا بعد تلك اللحظة كل لا تبدأ محاسبته الفعلية يوم القيامة إلا لحظة دخوله الإسلام.
هي ليست دعوة لليأس والقنوط من رحمة الله أو الانتحار والعياذ بالله، وإنما هي لحظة تأمل وتفكَر في آيات الله تعالى وفي القصص القرآني الذي ما ضُرب لنا من باب اللغو حاشا لله تعالى وإنما من باب العظة والعبرة، فهل سنقف وقفات أمام معاصينا وذنوبنا الماضية ونذرف دموع الندم والتوبة عليها؟! وهل ستموت النفس الأمّارة بالسوء في داخلنا ونكبت أنفاسها قبل أن توردنا جهنم في يوم القيامة؟! وهل سنوقظ النفس المطمئنة واللوّامة في داخلنا التي تحضَ صاحبها على فعل الخير حتى تدخله الجنة في يوم القيامة؟! وهل سنقبل على الحياة بروح جديدة بعد تلك الروح التي عاشت في المعاصي والذنوب .. حتى نلقى الله تعالى وهو راضٍ عنا.. نسأله سبحانه أن يغفر لنا وللمسلمين ما مضى ويصلح لنا ما بقي من أعمارنا.. اللهم آمين.
رسائل اعتداءات إيران على دول مجلس التعاون
حذّرت في مقالي الأسبوع الماضي في الشرق-"حذار أن ننجر إلى حرب ليست حربنا"-برغم استفزازات إيران واستمرارها بقصف أهداف... اقرأ المزيد
189
| 15 مارس 2026
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟
«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»، قالها الحارث بن عباد لبني شيبان عندما طلبوا منه الانضمام... اقرأ المزيد
213
| 15 مارس 2026
علاقتنا بالمسجد الأقصى
الحديث عن المسجد الأقصى ليس مُجرّد حديث عن مسجد ضمن الأوقاف الإسلامية، بل هو حديث عن قضية من... اقرأ المزيد
189
| 15 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8646
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4635
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1434
| 11 مارس 2026