رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبحث هذه المقالة الأسباب التي أدت إلى تراجع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة في هولندا والدانمارك، وخسارتها لجُلّ مقاعدها في البرلمان، في حين صعدت هذه الأحزاب في بلدان أوروبية أخرى وحققت فوزاً كبيراً.
ويمكن رصد أربعة أسباب لهذا الانحسار، جميعُها يدور في فلك الفشل الذريع الذي لحق بركب اليمين المتطرف في هولندا والدانمارك، والذي حاول من خلاله سحب البساط من تحت أقدام اللاجئين، وتعتيم صورتهم في الوسط المدني الأوروبي.
بين الانتصار والانكسار
وحدها صناديق الانتخابات هي التي تُجبر المهزوم في معركتها على الاعتراف بهزيمته، على أن يحدوه أمل النجاح في الانتخابات المقبلة. وهذا هو حال انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة -وكذلك انتخابات البرلمان الدانماركي- التي كانت عدوة للأحزاب اليمينية المتطرفة في بعض البلدان الأوروبية.
وفي الوقت نفسه؛ لا يمكن إنكار الفوز الكاسح الذي حققته مجموعة من هذه الأحزاب في المجر واليونان وإيطاليا وألمانيا، ولكنّ الأمر كان قد بلغ ذروته في المجر التي حقق فيها حزب فيكتور لوبان فوزاً ثميناً، بعدما حصده غالبية المقاعد.
ورغم أنّ النتائج التي أسفرت عنها انتخابات البرلمان الأوروبي لم تصبّ في صالح اللاجئين المقيمين في أوروبا؛ فإنها شهدت في بعض البلدان الأوروبية عكس ذلك تماماً، إذ تلتها انتخابات البرلمان الدانماركي التي أثلجت صدور اللاجئين بعدما أثبتت تراجع شعبية اليمين المتطرف الدانماركي الذي كان ينادي بطرد اللاجئين، وإرغامهم على العودة إلى ديارهم، وبهذه النتيجة يشعر اللاجئون في الدانمارك بارتياح شديد.
فقد مُنِي حزب الشعب الدانماركي اليميني في هذه الانتخابات بهزيمة مدويّة هي الأقسى له منذ عشرين عاماً، إذ تراجعت شعبيته إلى النصف تقريباً بعد حصوله على 75 مقعداً في البرلمان، بينما حصلت كتلة المعارضة اليسارية والاشتراكيون الديمقراطيون على 91 مقعداً من أصل 179 مقعداً.
وقد أقر زعيم حزب الشعب الدانماركي اليميني كريستيان ثوليسين بهذه الهزيمة، فعلّق قائلاً: "لن أترك السفينة تغرق وحدها في وسط العاصفة، كلي أمل أننا سوف نستعيد عافيتنا في الانتخابات المقبلة".
وفي هولندا أيضاً لم يأتِ حزب الحرية الذي يتزعمه خيرت فيلدرز بما يناسب التوقعات خلال خوضه الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة، إذ تراجعت شعبيته هو الآخر وخسر مقاعده الأربعة في البرلمان، وذلك رغم كل الدعايات الانتخابية التي استحضرها قُبيل الانتخابات لحشد أنصاره والتحريض على اللاجئين، وقد وصف الحزب خسارته هذه بأنها مخيّبة للآمال متعهدا بأنه سيعود إلى الواجهة في الانتخابات المقبلة.
فشل شيطنة اللاجئين
السؤال الذي يطرح نفسه بجدارة هو: لماذا تتراجع شعبية الأحزاب اليمينية في هولندا والدانمارك في الوقت الذي بدأت فيه هذه الأحزاب تنشط وتتقدم في بلدان أوروبية أخرى؟! للإجابة على هذا التساؤل نقدم جملةً من الأسباب لذلك، وفي مقدمتها:
أولاً: فشل هذه الأحزاب في تمرير مشاريعها التي تحرض على العداء والكراهية للاجئين، من خلال تسليط الأضواء على جوانب الفشل في حياة اللاجئين، والادعاء بأنهم مصدر القلق والإرهاب والجريمة في أوروبا. وهذا الترويج قد يكون عبر التصريحات الصحفية، أو تنظيم المظاهرات المعادية للإسلام والمهاجرين، أو ببعض التصرفات البهلوانية التي تهدف إلى استفزاز مشاعر المسلمين.
وقد لجأت حركة "بيغيدا" المعادية للإسلام إلى هذا النوع من الأساليب، من خلال حراكها العنصري في هولندا الذي كثيراً ما تحول إلى صِدام مباشر مع اللاجئين عندما يتم تجاوز الخطوط الحُمْر، وتُعرَف هذه الحركة بجرأتها في الاستفزاز وعدم مبالاتها بالنتائج، وذلك من خلال تنظيم حفلات شواء لحم الخنزير أمام المساجد، أو الإساءة لشعيرة الصيام في شهر رمضان المبارك، أو حمل لافتات مسيئة إلى نبي الرحمة.
وكان آخر أفعالها تلك في العشر الأواخر من رمضان؛ إذ نظمت الحركة فعالية مستفزة في مدينة آيندهوفن الهولندية تحولت إلى مواجهة بين أنصارها ومصلين غاضبين من هذه التصرفات.
إن هذه المحاولات الرامية إلى عزل اللاجئين وجعلِهم فئة منبوذة في أوروبا باءت كلها بالفشل، وقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أنّ منهج اليمين المتطرف هو المنبوذ وهو الذي لا ترتضيه شريحة كبيرة من الأوروبيين.
ثانياً: فشلت الأحزاب اليمينية بهولندا والدانمارك في حشد الوسط المدني ضد اللاجئين اقتصادياً؛ إذ طالما ادعت هذه الأحزاب أنّ اللاجئين يتلقون رواتب المساعدات الشهرية من البلديات، على حساب الضرائب التي يدفعها المواطن الأوروبي.
ولأن ساعات العمل في أوروبا جِدّ طويلة وشاقة؛ فقد حاول اليمين اللعب على هذا الوتر، وقدّم للحشود روايته التي تفيد بأنكم أنتم تعملون وتكدّون وتدفعون الضرائب الباهظة للحكومات، التي بدورها تقدم هذه الأموال المقتطعة من أجوركم -على طبقٍ من ذهب- إلى اللاجئين، الذين يتلذذون بهذه الأموال دون أيّ جُهدٍ يُذكَر.
وقد جاؤوا لهم بقميصٍ كذبٍ لعلهم يمرّرون عليهم خرافة ذئب اللاجئين الذي سيفترسهم ويفترس أموالهم وقوت يومهم، لكنّ المكتب المركزي للإحصاء (CBS) في هولندا قدّم تقريره السنوي الذي أبطل كل هذه المزاعم، إذ ذكر في بيانه أنّ هناك تراجعاً كبيراً في أعداد اللاجئين الذين يتلقون رواتب المساعدة الشهرية وخاصةً السوريين الذين اندمجوا في سوق العمل.
ليس هذا فحسب؛ بل إنّ عدد اللاجئين الذين استغنوا عن راتب المساعدة أكبر من عدد المواطنين الهولنديين أيضاً، وهذا الأمر تكرر في عامين متتاليين. وبالتالي فقد تم دحض الرواية التي يتبناها اليمين المتطرف وبالإثباتات والأرقام الرسمية، وهذا ما كان سبباً ربّما في فقدان الثقة بينهم وبين أنصارهم.
احتواء الأنشطة الاستفزازية
ثالثاً: قدرة اللاجئين على ضبط النفس بعد كل محاولة استفزازية يقوم بها أنصار اليمين المتطرف، وعدم انجرارهم إلى ما يتجاوز القانون إلا ما ندر، وهذا الأمر يُحسب للاجئين لا عليهم. ولعلّ من أهم الدوافع التي تقف خلف هذه المحاولات هو محاولة استقدام اللاجئين إلى حلبة المواجهة، ليتم استغلال غضبهم واستنفارهم بهذه الاستفزازات وتسويقه في المجتمع الأوروبي على أنه عملٌ مُدان ووحشي وغير مقبول.
وربما كان الهدف من حرق نسخ القرآن الكريم في الدانمارك مثلا هو جرّ المسلمين إلى ردة فعل لا يرتضيها المجتمع الدانماركي، الذي لا يقدّس القرآن الكريم كما يقدّسه المسلمون.
وإلا فما الغاية من إقدام زعيم حزب النهج الصلب في الدانمارك على تنظيم فعالية وسط حيّ تقطنه الغالبية المسلمة في العاصمة كوبنهاغن، وتلاعبه بالقرآن مع صحبه على أنه كرة تُركَل بالأيادي والأقدام -وهو يعلم أنّ هذا التصرف قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهة مفتوحة- سوى أنه يريد جرّ المسلمين إلى تبنّي مواقف غاضبة وتصرفات تخالف القانون بتصديهم لهذه الفعالية؟
ولماذا اعتزمَ رئيس حزب الحرية خيرت فيلدرز تنظيم مسابقة في الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهَمَّ بها ثم تراجع عنها في اللحظات الأخيرة تحت ذريعة أنه يخشى على أنصاره من ردة الفعل؟ ألا يُعتبر ذلك محاولة واضحة من هذه الأحزاب للتصعيد من أجل أن يفقد اللاجئون المسلمون شعبيتهم في الأوساط الأوروبية إذا خالفوا القوانين والأنظمة؟!
لكنّ اللاجئين كانوا -في كل مرة- على قدر كبير من الوعي؛ إذ اكتفوا بما يمنحه لهم القانون باستثناء بعض المخالفات هنا وهناك، وكثيراً ما ألغت البلديات أنشطة وفعاليات لأنصار حزب الحرية وأنصار حركة "بيغيدا"، وأجبرتهم على فضّ التجمعات كي لا تخرج الأمور عن السيطرة. وبهذا تمكن اللاجئون من التحلي بالصبر رغم قساوة المشهد ورغم الإساءة إلى أهم مقدس في الإسلام، ألا وهو القرآن الكريم.
رابعاً: ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى انحسار اليمين المتطرف في هولندا والدانمارك الحراكُ الذي يقوم به أبناء الجاليات، وقلبوا به الطاولة على أحزاب اليمين المتطرف. فعندما استشعر اللاجئون الخطر المحدق بهم وبمستقبلهم؛ قاموا بما يلزم لكي يفهم المواطن الأوروبي حقيقة ما يجري، وتصله الحقيقة كما هي لا كما يقدمها اليمين المتطرف.
أضف إلى ذلك أنّ المواطن الأوروبي يجد نفسه مضطراً إلى الاحتكاك باللاجئين في حياته اليومية، في المدرسة والجامعة والعمل وفي الشارع ومواقف الحافلات والقطارات والأسواق، وبالتالي يأخذ هو بنفسه انطباعه الخاص عن اللاجئين دون الحاجة إلى انتظار رواية اليمين المتطرف.
ولا بد في هذا الصدد من الإشارة إلى المبادرة العربية الفلسطينية التي قام بها بعض الأشخاص بالدانمارك في صلاة العيد، عندما شجّعوا الحضور فيها على خوض الانتخابات كي تفوَّت الفرصة على اليمين المتطرف، وذلك من خلال شعار المبادرة الذي انتشر على نطاق واسع: "هيّا بنا إلى التصويت بدل التصويت عنا".
وقد لاقت هذه المبادرة تفاعلاً شعبياً كبيرا حتى على الصعيد الدانماركي، إذ راهنت عليها وعلى أصوات أصحابها أحزاب دانماركية، فأدلى كل واحدٍ بصوته وكانت النتيجة مثلجة للصدور بعدما أوقف اليمين المتطرف عند حده، لاسيما أنّ بعض هذه الأحزاب في الدانمارك توعد في حملته الانتخابية بإفراغ الدانمارك من المسلمين، وبأنه لن يبقى مسلم واحد في الدانمارك في الليلة التي يصل فيها مرشَّحوه إلى سدة البرلمان.
الجدير بالذكر أنّ اللاجئين يقع عليهم دور كبير في قلب المعادلة، وتكذيب رواية اليمين المتطرف، وذلك بإعطاء الصورة النضرة عن مجتمع اللاجئين، وحشد أنصارهم وتقديم قضيتهم بما يليق بحجمهم وحجم طموحاتهم كي لا يكونوا وحيدين في الميدان، وحتى يصيروا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعهم الجديد الذي ولجوه من بوابة القارة الأوروبية.
الجزيرة نت
حروب ما بعد الحرب!
الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو أو الطرف المقابل بكافة الوسائل المتاحة: الميدانية العسكرية والسياسية والاقتصادية... اقرأ المزيد
330
| 13 فبراير 2026
لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر
جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران... اقرأ المزيد
186
| 13 فبراير 2026
ما أصعب الفراق
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك يا عبدالعزيز لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... اقرأ المزيد
138
| 13 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15186
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1815
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1641
| 10 فبراير 2026