رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران مستبعدة الحرب رغم أن ما رشح عن زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية من "توقعات" تفيد بأن هدف الزيارة هو دفع الرئيس الأمريكي الى شن حرب خاطفة تشل القوة الصاروخية الإيرانية وطبعا فهم الجميع أن خوف إسرائيل متصاعد من تهديدات إيرانية معروفة. وهنا لا بد أن نلقي نظرة تفاؤل على تحرك قطري في اتجاه السلام حيث جرى اتصال هاتفي بين حضرة صاحب السمو الأمير المفدى وبين فخامة الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) وتم خلال الاتصال تبادل وجهات النظر حول أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية لا سيما تطورات الأوضاع الراهنة في المنطقة والجهود الدولية الرامية الى خفض التصعيد وتعزيز الأمن والسلم الإقليميين كما جرى التأكيد على مواصلة التنسيق والتشاور إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك ودعم المساعي الدبلوماسية الهادفة الى معالجة الأزمات عبر الحوار والوسائل السلمية. كما تم استعراض العلاقات الاستراتيجية بين البلدين الصديقين وسبل دعمها وتعزيزها في كل المجالات." أردنا افتتاح هذا المقال بالإشارة الى جهود حضرة صاحب السمو من أجل إطفاء فتيل خطير يكاد يشعل المنطقة والعالم بمخاطر حرب وغايتنا هي التأكيد على أن دولة قطر مؤهلة بفضل مبادئها ونجاح تجاربها السابقة في وساطات الخير والسلام. وفي نفس السياق أدى وزير الخارجية الإيراني زيارة للدوحة في طريق عودته من مسقط حيث تمت مشاورات بين واشنطن وطهران والتقى بمعالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية . وتمت مقابلة بين معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وبين السيد علي لاريجاني رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في ظروف عسيرة تهدد بأقسى المخاطر. وفي هذا الصدد أفادت الخارجية القطرية بأن الاجتماع استعرض الجهود المستمرة لخفض التصعيد في المنطقة وجددت خلاله الدوحة دعمها لكافة الجهود الرامية لخفض منسوب التوتر وإيجاد حلول سلمية بما يعزز الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره. وبدوره أكد وزير الخارجية الإيراني السيد (عباس عراقجي) من تركيا بأن إيران مستعدة لمفاوضات نووية مع الولايات المتحدة إن كانت هذه المفاوضات عادلة ومنصفة وعلى قدم المساواة. ونحن نبدأ مقالنا هذا بالإشارة الى رسالة الدبلوماسية القطرية التي تتمسك بتوجيه من حضرة صاحب السمو أميرها المفدى بقيم القانون الدولي وعلوية مبدأ الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. ولو قرأنا مشهد المفاوضات الجارية في مسقط عاصمة السلطنة العمانية لأدركنا أن لغة المدافع أفسحت المجال -ولو مؤقتا- للغة الدبلوماسية في كل خطوة محفوفة بمخاطر الانزلاق نحو مواجهة لا يريدها أحد لكن الجميع يستعد لها. ورد ذلك في تقرير لصحيفة (نيويورك تايمز) أعده مراسلها للشؤون الدبلوماسية في برلين (ستيفن إرلانغر) ويقول فيه إن الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) يجد نفسه مجددا أمام طاولة المفاوضات مع خصمه اللدود في طهران وذلك بعد التحول الدراماتيكي الذي يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وعاد (إرلانغر) ليقول إن مسار المفاوضات -الذي بدأ "بداية جيدة" وبمصافحات بروتوكولية- يواجه اليوم تحديات بنيوية! لأن الرئيس الأمريكي يدرك أن أي صراع طويل الأمد سيستنزف الاقتصاد ويغضب قاعدته الشعبية الرافضة للحروب حسب (أسوشيتد برس). وحول الهوة بين إستراتيجية طهران ورغبة واشنطن أشار مراسل الصحيفة الأمريكية إلى أن طهران تراهن -في هذه المرحلة- على إستراتيجيتها القديمة المتمثلة في "إطالة أمد التفاوض" لكسب الوقت، آملة أن يكون الرئيس الأمريكي مدفوعا برغبة ملحة في تحقيق "انتصار سريع" يعزز رصيده السياسي دون الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة. وفي المقابل يرى (إرلانغر) أن الرئيس (ترامب) يدرك أن أي صراع طويل الأمد قد يستنزف الاقتصاد الأمريكي كما أنه سيغضب قاعدته الشعبية الرافضة للحروب الأبدية المرهقة لأمنه ولرصيده المالي وهو ما اضطر سيد البيت الأبيض الى تفضيل اتفاق يمنحه لقب "صانع السلام" دون التورط في وحل الرمال المتحركة في المنطقة!
ويوضح الكاتب أن "ضيق الطريق" يكمن في الفجوة الهائلة بين سقف التوقعات وبين المطالب فواشنطن لا تزال تصر على "صفر تخصيب" وتفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية وقطع أذرع إيران الإقليمية وهي مطالب تصفها طهران بأنها "دعوة إلى الاستسلام الكامل" وليست منطلقا للتفاوض بدون شروط مسبقة وعلى أساس حفظ مصالح وسيادة الطرفين. ويرى محللون من مختلف مراكز الأبحاث ووكالات الأنباء أن رئيس الولايات المتحدة يواجه معضلة حقيقية لأنه إذا قدم تنازلات تتعلق بنسبة التخصيب فإنه سيعيد إنتاج اتفاق 2015 الذي وصفه سابقا بأنه "الأسوأ في التاريخ" ثم قرر الانسحاب منه! وإذا تمسك بمواقفه المتشددة فإن المسار الدبلوماسي سيصطدم بجدار مسدود. ويرى (إرلانغر) أن إصرار الإدارة الأمريكية على أن يكون أي اتفاق جديد "دائما" وخاليا من "انتهاء تاريخ السريان" يضع المفاوض الإيراني في زاوية حرجة حيث يرى في ذلك مساسا بجوهر النظام وقدرته على الردع. علاوة على ذلك يقول التقرير إن مخاوف إسرائيل الحقيقية من هجومات محتملة عليها بصواريخ إيران تجعل رئيس حكومتها يدفع الرئيس الأمريكي الى الإسراع بضرب إيران وأذرعها خارج حدودها في حرب خاطفة تشل جميع ردود فعلها وهو ما يضع دولة الاحتلال في مأمن من قوة صواريخ إيران البالستية. وينسب الكاتب إلى محللين رأيهم القائل بأن الرئيس (ترامب) يواجه معضلة حقيقية لأنه يشعر أنه من الصعب، بل من المستحيل إرضاء جميع الأطراف التي هي:
1) رأيه العام الأمريكي
2) حليفته إسرائيل
3) مساندوه من داخل حلف الناتو
4) وبعد ذلك الأهم هي دول الشرق الأوسط التي ما تزال تثق في رعاية الولايات المتحدة لمسار السلام. ويخلص (إرلانغر) إلى القول بأن العودة إلى الدبلوماسية تبدو بمثابة "فرصة أخيرة" لتجنب الانفجار الكبير لكنها فرصة مكبلة بانعدام الثقة التاريخي بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة منذ انهيار نظام الشاه بهلوي وقيام نظام الملالي عام 1979 وبالطبع تضارب المصالح الإستراتيجية بين الجانبين وعلينا ألا ننسى ارتباط قضية العلاقات الأمريكية الإيرانية بأزمات العالم وفي هذا السياق قالت المحللة السياسية في وكالة (أسوشيتد برس):"لا نستبعد أن تكون الصين منتظرة لاندلاع المواجهة المسلحة بين واشنطن و طهران لتحتل جزيرة تايوان كما لا نستبعد أن تكون كوريا الشمالية منتظرة أول ضربة لتحتل كوريا الجنوبية وكذلك قيام صراعات إقليمية لتغيير خريطة العالم مثل تهديد رئيس حكومة الاحتلال بضم الضفة الغربية الى ما سماه إسرائيل الكبرى!
alqadidi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
15648
| 23 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2613
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2118
| 25 فبراير 2026