رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

579

د. قيس عبد العزيز الدوري

من طارق بن زياد إلى ترامب: الأسماء تكتب تاريخ المضائق

13 سبتمبر 2026 , 02:00ص

هل يمكن لرجل واحد أن يترك اسمه على مضيق يفصل بين قارتين؟

التاريخ يقول: نعم.

لكن التاريخ يقول لنا أيضاً إن الأسماء الجغرافية ليست مجرد كلمات تُكتب على الخرائط؛ إنها ذاكرة الأمم، وعلامات الهوية، وشواهد القوة، وأحياناً سجلات صامتة للصراع بين الحضارات.

ومن هنا تبدو المفارقة لافتة بين اسمين تفصل بينهما قرون طويلة: طارق بن زياد وترامب.

فقد عاد إلى واجهة الأحداث اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسمية مضيق هرمز باسم «مضيق ترامب». وقد أثار الاقتراح اهتماماً واسعاً، لأنه لا يتعلق بتغيير كلمة على خريطة فحسب، بل يفتح سؤالاً أعمق: هل تستطيع القوة السياسية أن تعيد تسمية الجغرافيا؟

ولعل أبلغ مثال عربي إسلامي على انتقال اسم رجل إلى مضيق هو مضيق جبل طارق.

كان الجبل المطل على المضيق معروفاً في العصور القديمة باسم «جبل كالبي» (Mons Calpe)، وكان الجبل المقابل في الضفة الإفريقية مع الجبل الأوروبي يشكلان ما عرفه اليونان والرومان باسم «أعمدة هرقل». كما عُرفت المنطقة والمضيق عبر التاريخ بأسماء متعددة، تعكس تعاقب الحضارات واللغات والسلطات عليها.

ثم جاء الإسلام، وجاء معه طارق بن زياد.

كان طارق بن زياد قائداً في جيش موسى بن نصير، وارتبط اسمه بالفتح الإسلامي للأندلس في مطلع القرن الثامن الميلادي. وتروي الذاكرة الإسلامية رواية شهيرة عن تلك اللحظة، مفادها أن طارقاً رأى في المنام النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعن يمينه أبو بكر الصديق وعن شماله عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهم يحملون السيوف ويحثونه على العبور، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في الرؤيا، بمعناها المتداول: اعبر إلى هذا الجبل، وسيُسمّى باسمك إلى قيام الساعة.

وهنا ينبغي للمؤرخ أن يفرق بين الرواية التراثية وبين الواقعة التاريخية الموثقة؛ فالرؤيا تنتمي إلى المرويات التي تداولتها كتب الأخبار والذاكرة الشعبية، ولا يصح تقديمها باعتبارها وثيقة تاريخية قطعية. أما الثابت تاريخياً فهو أن طارق بن زياد عبر إلى الأندلس سنة 92هـ/711م، وأن الجبل ارتبط باسمه بعد ذلك، فأصبح يعرف بـجبل طارق، ثم انتقل الاسم في اللغات الأوروبية إلى Gibraltar، وأصبح المضيق يعرف عالمياً باسم مضيق جبل طارق.

وهنا تكمن روعة التاريخ.

المكان بقي، لكن الاسم تغير؛ والاسم الجديد حمل معه ذاكرة رجل ومرحلة وحضارة.

وهذه ليست حالة استثنائية.

فالتاريخ الجغرافي العالمي مليء بأسماء أشخاص انتقلت إلى الأنهار والبحار والمضائق. لدينا نهر هدسون في الولايات المتحدة نسبة إلى المستكشف هنري هدسون، وبحر بيرنغ نسبة إلى المستكشف فيتوس بيرنغ، وبحر تسمان نسبة إلى أبيل تسمان، ومضيق ديفيس نسبة إلى جون ديفيس، وبحر ويدل نسبة إلى جيمس ويدل.

وهكذا تحولت أسماء بشر إلى علامات جغرافية تعيش أحياناً أطول من أصحابها، حتى أصبح الاسم في بعض الحالات أشهر من الشخص الذي حمله.

لكن ثمة فارق جوهري بين هذه الحالات وبين اقتراح تسمية هرمز بـ«مضيق ترامب».

فطارق بن زياد لم يكن يملك سلطة دولية تعلن تغيير اسم المضيق، ولم يجتمع مع هيئة دولية لإصدار قرار بهذا الشأن. لقد ارتبط اسمه أولاً بالجبل بعد حدث تاريخي كبير، ثم ترسخ الاسم تدريجياً في الاستعمال واللغة والخرائط، حتى أصبح جزءاً من الجغرافيا العالمية.

أما هرمز، فهو مضيق دولي عريق يحمل اسماً تاريخياً متجذراً في جغرافية المنطقة، ولذلك فإن إطلاق اسم جديد عليه من جانب دولة واحدة لا يعني بالضرورة أن الاسم الجديد سيصبح اسماً دولياً معترفاً به.

وهنا نصل إلى سؤال أكثر عمقاً:

من يملك حق تسمية الجغرافيا؟

فالخرائط ليست أوراقاً محايدة دائماً. الاسم الجغرافي قد يحمل وراءه تاريخاً من الحضارات والهجرات والحروب والتجارة والسيادة، وقد يتحول إلى رمز سياسي بقدر ما هو تعريف مكاني.

وليس بعيداً عن هرمز يقف اسم آخر في قلب الذاكرة الجغرافية والسياسية للمنطقة: الخليج العربي.

فالتسمية هنا ليست مجرد اختلاف في الاصطلاح، وإنما ترتبط بتاريخ طويل من الجغرافيا والخرائط والاستعمال العربي للمكان. والخليج جزء أصيل من المجال الجغرافي للحضارة العربية، وقد ارتبطت سواحله ومدنه وموانئه ومجتمعاته بالتاريخ العربي والإسلامي عبر قرون متطاولة.

ولذلك فإن الخليج العربي بالنسبة إلى قطر ودول الخليج العربية وشعوب المنطقة ليس اسماً عابراً يمكن أن تمحوه موجة سياسية أو أن تستبدله إرادة طرف واحد؛ فالذاكرة الجغرافية لا تُصنع بقرار منفرد، وإنما تتشكل عبر التاريخ والاستعمال والتراكم الحضاري.

ومن هنا يصبح التمسك باسم الخليج العربي تعبيراً عن حقيقة راسخة في الوعي العربي والجغرافيا السياسية للمنطقة، وفي مقدمتها دولة قطر ودول الخليج العربية التي تشكل جزءاً أصيلاً من هذا الفضاء البحري والحضاري.

وهنا تتضح المفارقة أكثر.

إذا كان من الممكن أن يصبح اسم طارق بن زياد جزءاً من خريطة العالم، فلماذا لا يمكن لرئيس أمريكي أن يحاول إطلاق اسمه على مضيق؟

بلى، يستطيع أن يقترح.

وقد يستطيع أن يستخدم الاسم في بعض الخطابات والوثائق الأمريكية.

لكن هناك مسافة هائلة بين اقتراح الاسم وصناعة الاسم.

فالاسم الجغرافي لا يصبح دولياً لمجرد أن رئيساً أو حكومة أطلقته. إنه يحتاج إلى الانتشار والاستعمال والاستقرار والقبول، وإلى أن تعترف به المؤسسات والخرائط والمراجع، والأهم أن تتبناه الأجيال.

وهنا يعلمنا التاريخ درساً مهماً:

القوة تستطيع أن تقترح اسماً، لكنها لا تستطيع دائماً أن تفرضه على الذاكرة.

لقد سقطت إمبراطوريات، وتغيرت حدود، وانتهت دول، وتبدلت خرائط، لكن بعض الأسماء بقيت لأنها أصبحت جزءاً من الوعي الإنساني.

طارق بن زياد رحل، لكن جبل طارق بقي.

والسفن التي تعبر مضيق جبل طارق اليوم قد لا تعرف شيئاً عن تفاصيل حياة قائده، لكنها تحمل اسمه في الخرائط والموانئ والملاحة الدولية.

وهكذا فإن الجغرافيا تمنح الإنسان نوعاً غريباً من الخلود.

قد لا يبقى لك قصر، ولا جيش، ولا دولة، ولا حتى تمثال، لكن ربما يبقى اسمك على جبل أو نهر أو بحر أو مضيق.

ومن هنا فإن قصة مضيق جبل طارق ليست مجرد قصة اسم، بل قصة تحول حدث تاريخي إلى ذاكرة جغرافية.

أما قصة «مضيق ترامب»، فإنها لا تزال في بدايتها، ولذلك فإن الحكم عليها ليس في لحظة الإعلان، وإنما في قدرة الاسم على عبور الزمن.

وربما كان السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه:

هل يستطيع ترامب أن يسمي مضيق هرمز باسمه؟

بل:

هل يستطيع أن يجعل العالم كله يسميه بذلك؟

وهنا يظهر الفارق بين السلطة والتاريخ.

فالسلطة تستطيع أن تصدر قراراً في يوم، أما التاريخ فيحتاج إلى عقود وقرون.

والسياسي يستطيع أن يكتب اسماً على ورقة، أما الجغرافيا فلا تكتب أسماءها بسهولة؛ إنها تكتبها بالحدث، وتثبتها بالزمن، وتحفظها الذاكرة.

ومن طارق بن زياد إلى ترامب، ومن جبل طارق إلى هرمز، ومن الخليج العربي إلى خرائط العالم، تبقى الحقيقة الأعمق:

المضائق ليست ممرات للمياه والسفن فقط؛ إنها ممرات للذاكرة والحضارة والسياسة أيضاً.

وحين يحاول رجل أن يضع اسمه على مضيق، فإنه لا يحاول تغيير كلمة على خريطة فحسب، بل يحاول أن يقول للتاريخ:

كنت هنا.

لكن التاريخ لا يجيب دائماً بسرعة.

إنه ينتظر.

ثم يقرر بنفسه أي الأسماء يبقى، وأيها يعبر مثل سفينة عابرة، ثم يختفي في الأفق.

مساحة إعلانية