رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حصين بن غانم الخيارين

مساحة إعلانية

مقالات

66

حصين بن غانم الخيارين

حين يدفع الشرق الأوسط ثمن حسابات الآخرين

18 سبتمبر 2026 , 12:15ص

إلحاقاً بمقالي «القرار الأحمق» المنشور في 25 يوليو 2018، أعود إلى الفكرة نفسها من زاوية أوسع. فالقرار الأحمق ليس حادثة معزولة، بل نمط يتكرر في أزمات الشرق الأوسط حين تتقدم الحسابات الضيقة على الحكمة، وتُستبدل السياسة بمنطق القوة، وتُقدَّم الحرب حلاً سريعاً لمشكلات معقدة. ليست كل القرارات الخاطئة حمقاء؛ فقد تخطئ الدول في تقدير موقف ثم تصحح مسارها. أما القرار الأحمق فهو الذي يُتخذ رغم وضوح المخاطر ودروس التاريخ، انطلاقاً من وهم أن القوة قادرة على اختصار السياسة، وأن الحرب الخاطفة تستطيع حل ما عجز الحوار عن حله. وتكمن خطورته في أن نتائجه لا تبقى محصورة في صاحبه. ففي منطقة تتداخل فيها الحدود والتحالفات والممرات البحرية وأسواق الطاقة، قد تتحول أزمة محدودة إلى صراع إقليمي واسع. وغالباً ما تسبق القرارات الكارثية حملة لشيطنة الخصم، فيصبح التفاوض ضعفاً والحرب الخيار الوحيد، مع أن الحروب نادراً ما تنتهي وفق الخطط التي بدأت بها. ويبقى العراق من أقسى الأمثلة على ذلك. فقد استند قرار الولايات المتحدة وحلفائها غزو العراق عام 2003 إلى اتهامات بامتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل وبرامج مرتبطة بها، لكن عمليات التفتيش اللاحقة لم تعثر على مخزونات عاملة من تلك الأسلحة. سقط النظام سريعاً، إلا أن الاحتلال وتفكك مؤسسات الدولة والعنف الطائفي والصراع المسلح أدخلت العراق في سنوات طويلة من الاضطراب، وامتدت تداعيات الحرب إلى المنطقة. وكان الدرس الأهم أن إسقاط الخصم لا يعني انتهاء المشكلة؛ فالقوة قد تدمر منشأة أو تسقط حكومة، لكنها لا تبني وحدها دولة مستقرة ولا تعالج جذور الصراع. وتكرر المشهد، بدرجات وسياقات مختلفة، في سوريا منذ اندلاع الاحتجاجات في مارس 2011 وتحولها إلى نزاع مسلح متعدد الأطراف، وفي اليمن منذ تصاعد القتال بين جماعة أنصار الله والقوات الحكومية وحلفائها خلال عام 2014، ثم اتساع التدخل العسكري الإقليمي بقيادة السعودية في مارس 2015. وفي غزة، شهد القطاع جولات قتال وتصعيد متكررة منذ سيطرة حماس عليه عام 2007، من بينها الحروب الكبرى في 2008-2009 و2012 و2014 و2021، ثم الحرب التي اندلعت بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة. أما لبنان، فلا يصح اختزاله في حالة واحدة؛ فقد تأثر بحرب يوليو وأغسطس 2006، وبأزمات سياسية واقتصادية وأمنية لاحقة، وبامتداد الحرب السورية إلى أراضيه وتداعياتها على مؤسساته ومجتمعه. وفي السودان، اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، وتحول إلى حرب واسعة ذات آثار إنسانية وإقليمية كبيرة. ولا يعني جمع هذه الحالات أنها متطابقة، بل يوضح أن قرارات عسكرية وسياسية اتُّخذت في ظروف مختلفة قد تنتج، كلٌّ بحسب سياقه، أزمات تتجاوز قدرة أصحابها على التحكم في مساراتها. يمكن اتخاذ قرار الحرب في ساعات، لكن نتائجها قد تحتاج أجيالاً حتى تنتهي. لذلك لا بد أن يسبق القرار سؤال أساسي: ماذا بعد؟ من يحمي المدنيين، ويضبط الفوضى، ويعيد بناء المؤسسات، ويمنع اتساع الصراع؟ هذه ليست أسئلة المترددين، بل أسئلة المسؤولين عن أمن الدول ومستقبل شعوبها. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى بديل لا يكتفي بانتقاد الحرب بعد وقوعها، بل يعمل على منعها قبل أن تبدأ. فإذا كانت القوة تستطيع فتح الصراع، فإن السياسة وحدها تملك فرصة إغلاقه. وإذا كان القرار العسكري قد يُتخذ في ساعات، فإن بناء الثقة وفتح قنوات الاتصال يحتاجان إلى عمل مستمر يسبق لحظة الانفجار.

وفي هذا السياق، تقدم دولة قطر نموذجاً مختلفاً يقوم على الوساطة والحوار والدبلوماسية الوقائية. فقد جعلت من إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الخصوم ركناً في سياستها الخارجية، انطلاقاً من قناعة بأن النزاعات، مهما تعقدت، تنتهي في النهاية إلى طاولة سياسية. ولا تأتي أهمية هذا الدور من كونه بديلاً عن موازين القوة، بل من كونه محاولة لمنع تلك الموازين من التحول إلى حرب مفتوحة. فالوساطة لا تلغي الخلافات، ولا تضمن نتائج فورية، لكنها توفر مساحة للتفاوض عندما تصبح لغة التصعيد هي اللغة السائدة.

وامتد الدور القطري في ملفات متعددة، من أفغانستان إلى غزة ولبنان والسودان وتشاد، لكن طبيعة هذا الدور وتوقيته اختلفا من ملف إلى آخر.

ففي غزة، ارتبطت جهود الوساطة القطرية، بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة في مراحل مختلفة، بمساعي وقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين والأسرى وتسهيل إدخال المساعدات، ولا سيما منذ الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023. وفي لبنان، ارتبط الدور القطري بمحطات محددة من الحوار السياسي، أبرزها اتفاق الدوحة في مايو 2008، الذي ساعد على إنهاء أزمة سياسية وأمنية داخلية، من دون أن يعني تسوية دائمة لجميع الخلافات اللبنانية. وفي السودان، استضافت الدوحة مفاوضات ومسارات مرتبطة بدارفور قبل اندلاع الحرب الحالية، كما شاركت في جهود إنسانية وسياسية لاحقة، لكن لا ينبغي وصف ذلك بأنه مسار سلام مكتمل أو تسوية للحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

أما في تشاد، فقد استضافت الدوحة مفاوضات بين الحكومة الانتقالية وجماعات مسلحة أفضت إلى توقيع «اتفاق الدوحة للسلام» في أغسطس 2022، قبل انعقاد الحوار الوطني في تشاد؛ ولم تنضم جميع الجماعات المسلحة إلى الاتفاق، كما لم ينهِ وحده التوترات السياسية والأمنية في البلاد.

ولا ينبغي فهم هذه الأمثلة على أنها تسويات نهائية أو حلول مكتملة، بل بوصفها محاولات تفاوضية محددة لفتح قنوات اتصال في أزمات معقدة ومتغيرة.

وهنا تبرز قاعدة أساسية في العمل الوساطي: الحديث مع الخصم لا يعني الاتفاق معه. فالوسيط لا يتبنى بالضرورة مواقف الأطراف، بل يحافظ على الطريق المؤدي إلى التسوية عندما تُغلق الطرق الأخرى. وقد ظهر ذلك في الجهود المتعلقة بغزة، بما شمل، بحسب كل مرحلة تفاوضية، بحث وقف إطلاق النار، وإطلاق المحتجزين والأسرى، وإيصال المساعدات الإنسانية، مع بقاء النتائج مرتبطة بمواقف الأطراف وبالظروف الميدانية والسياسية.

وبهذا المعنى، تمثل الوساطة القطرية نقيضاً عملياً لمنطق «القرار الأحمق». فذلك القرار ينطلق من الاعتقاد بأن الحرب تختصر الطريق، بينما تنطلق الوساطة من إدراك أن الطريق الأقصر ظاهرياً قد يكون الأطول والأكثر كلفة. الحرب قد تؤجل المشكلة أو توسعها، أما الحوار فيمنح الأطراف فرصة لمعالجة أسبابها قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره.

وتحتاج المنطقة اليوم إلى ترسيخ ثقافة تجعل منع الحرب إنجازاً يوازي الانتصار فيها. فدول الخليج لا تستطيع التعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها حرائق بعيدة؛ إذ إن أي مواجهة واسعة تهدد أمنها واقتصاداتها والملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد. ولا يعني تفضيل الحوار التخلي عن الردع أو حق الدول في حماية سيادتها.

فالمعادلة الصحيحة ليست القوة أو الحوار، بل قوة تحمي السلام، وحوار يمنع الاضطرار إلى استخدام القوة. ومن هنا يمكن لقطر، إلى جانب الدول القادرة على الوساطة، أن تسهم في بناء منظومة إقليمية للحوار ومنع التصعيد، بدلاً من انتظار اندلاع الحروب ثم محاولة إطفائها.

ولكي ينجح هذا الدور، لا بد من النظر إلى الوساطة باعتبارها مساراً مستمراً لا تدخلاً مؤقتاً. فالمنطقة تحتاج إلى قنوات اتصال دائمة، ودبلوماسية وقائية تعمل قبل إطلاق الصاروخ الأول، وآليات إقليمية لحماية الملاحة والطاقة والمصالح المشتركة، وخطاب سياسي وإعلامي يرفض تحويل الشعوب إلى أعداء دائمين.

ليس المطلوب أن تتفق دول المنطقة على كل شيء، بل ألا يتحول كل خلاف إلى مشروع حرب، وكل خصم إلى عدو يجب إلغاؤه.

فقد أثبت التاريخ أن القوة تستطيع بدء الحرب، لكنها لا تضمن السلام الذي يليها، وأن الدول التي تحتفظ بقنوات اتصال مع الأطراف المختلفة قد تصبح الجسر الوحيد المتبقي عندما ينقطع الجميع عن الجميع. ولهذا فإن رسالة الدوحة تستحق أن تُقرأ باعتبارها مبدأ سياسياً: مهما اشتد الخلاف، يجب ألا يُغلق باب الحوار. فالتفاوض بعد آلاف القتلى اعتراف متأخر بأن السياسة كان يجب أن تبدأ قبل الحرب، لا بعدها.

وقد تتغير الأزمنة والوجوه والخصوم، لكن الحقيقة تبقى واحدة: أخطر الحروب ليست تلك التي تبدأ لأن الخيارات انتهت، بل تلك التي تبدأ لأن أحدهم أقنع نفسه بأن الحرب هي أسهل الخيارات. وعندما يحدث ذلك، قد نحتاج بعد سنوات إلى آلاف الصفحات لشرح ما جرى، بينما كان يكفي منذ البداية وصفه بكلمتين: قرار أحمق.

اقرأ المزيد

الأمير الوالد.. ستظل القلب النابض لهذا الوطن الأمير الوالد.. ستظل القلب النابض لهذا الوطن

ليست الأوطان العظيمة وليدة الصدفة، ولا تُبنى نهضتها في لحظة عابرة من الزمن، بل تنهض برؤية قائد يؤمن... اقرأ المزيد

237

| 18 يوليو 2026

خليجنا واحد خليجنا واحد

مبادئ دول الخليج واستقلالها هي الاهم، حيث إنها تتحمل المسؤوليه لتحقيق النمو ومواكبة منجزات الحضارة الانسانية المعاصرة، في... اقرأ المزيد

315

| 08 يوليو 2026

مساحة إعلانية