رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شعوب العالم بأسره تكره وتشجب وترفض الحروب مهما كان نوعها، باردة كانت أو حارة مجمدة أو ملتهبة لأن هذه الشعوب تنشد حياة كريمة سالمة هانئة والشعب العربي من بين هذه الشعوب العالمية الذي يتمنى أن يرى العالم واحة للسلام والأمن والرخاء والتطور والازدهار.
لكن الأنظمة العالمية لا تترك لهذه الشعوب هذه الفرصة لتعيش بأمان واستقرار، خاصة الأنظمة الغربية والإدارات الأمريكية المتعاقبة والعدو الصهيوني الذي لا يمكن أن يعيش إلا على استمرار الحروب.
فأثناء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي سابقاً والغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية حاول هذا الشعب الوقوف على الحياد ما بين هذين المعسكرين إدراكاً منه بأن مصالح الأمة العربية تتضارب وتتعارض مع مصالح هذين المعسكرين وهذا الموقف العربي جسده قائد الأمة العربية الراحل جمال عبدالناصر عندما تزعم كتلة عدم الانحياز مع بقية زعماء العالم الثالث الحر ومنهم الزعيم نهرو والزعيم تيتو ورغم ذلك لم يسلم هذا العالم الثالث من محاولات تدخل المعسكرين في شؤون ومصالح وقضايا تلك الدول وحاولا بكل الوسائل التأثير والضغط على بعض دول عدم الانحياز، خاصة ما كان يتعلق بالصراع العربي-الصهيوني فكان المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يرى بالعدو الصهيوني الحليف الاستراتيجي في الحفاظ على وجود مصالحه في الوطن العربي وكان يساند ويدعم بعض الأنظمة الرسمية العربية بحجة محاربة المد الشيوعي القادم من المعسكر الاشتراكي وبنفس الوقت حاول المعسكر الاشتراكي أو الشيوعي إيجاد موطئ قدم له في الوطن العربي لكن هذا الموطئ لم يكن بقياس قدمه التي كان يريد ويتمنى لأنه كان يبحث عن قيام أنظمة رسمية عربية شيوعية فكنا نحن العرب نعيش بين هذين المعسكرين المتنافسين على تقاسم النفوذ على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان بالنسبة للعرب أقل خطراً من المعسكر الغربي لكنه لم يصل إلى دعم ومساندة العرب في الخلاص من العدو الصهيوني وكان وقتها يستطيع ذلك لكنه استطاع في مراحل متعددة كبح جماح هذا العدو ومعه الغرب في استمرار احتلال الأرض العربية واستطاع العرب بفضل من الله ثم خطة قائد الأمة العربية الراحل جمال عبدالناصر تحرير سيناء عندما أعاد هذا القائد بناء القوات المسلحة المصرية وبالسلاح الروسي وجاءت حرب أكتوبر المجيدة التي استطاع الجيش العربي المصري تحرير سيناء عسكرياً.
هذه المساندة الروسية لابد أن نسجلها للمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق ولكن هذا لا يعني اننا كشعب عربي نقف إلى جانب المعسكر الشرقي ونعادي المعسكر الغربي آنذاك ولكن كنا نبحث عن من يدفع عنا خطر العدو الصهيوني وحلفائه الغرب، فنحن أمة عربية نحمل روح القومية العربية وأهدافها وهذه الأهداف القومية تتعارض وتتضارب مع مصالح هذين المعسكرين.
وعندما انهار وتفكك المعسكر الشرقي وغاب الاتحاد السوفييتي لم نحزن ولم نشعر اننا فقدنا حليفاً بل أن أغلب الشعب العربي كان يتمنى أن تنتهي الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتي لينعم العالم بالراحة والأمان والاستقرار لكن حصيلة انتهاء هذه الحرب الباردة كانت حربا حارة وساخنة على الأمة العربية فتفرد بها المعسكر الغربي وازدادت شراسته وازداد دعمه ومساندته للعدو الصهيوني وبدأ هذا العدو بشن حروبه العدوانية الإرهابية فاجتاح لبنان ووصل إلى بيروت واحتل الجنوب اللبناني وتدفقت المساعدات العسكرية والمالية الغربية الأمريكية لمساعدة هذا العدو في استمرار احتلاله للأرض العربية وعدوانه وإرهابه والنظام الرسمي العربي لم يحرك ساكناً لأن أغلب هذا النظام إنحاز إلى الغرب بعد غياب المعسكر الشرقي وأصبحت حركة عدم الانحياز بلا انحياز وانحازت أغلب دول هذه الكتلة للمعسكر الغربي.
وأصبح الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية القطب الأوحد في هذا العالم ولأنه شعر بذلك بدأ يرسم الخطط التي تحقق مصالحه ومصالح العدو الصهيوني ولعل مخطط الشرق الأوسط الكبير كان من أهم أحلامه وتطلعاته ببسط سيطرته ونفوذه على الوطن العربي وبدأ بغزو واحتلال العراق أملاً في توسيع هذا الاحتلال ليشمل بقية الدول العربية الأخرى التي تقول له لا ولا لسياساته وأطماعه ومصالحه على حساب مصالح الأمة العربية.
الآن لا أخفي عليكم سراً لو قلت إنني سعيد جداً لاستخدام روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن الدولي ضد قرار العقوبات على سوريا ليس دفاعاً عن النظام السوري وإنما لبروز قوة تقول للقطب الأمريكي الغربي الصهيوني قف هنا فنحن قوة عالمية أخرى يجب أن تحسبوا لنا حساباً ولن نسمح بعد اليوم بسيطرتكم على مقادير العالم ولن نسمح لكم بعد اليوم برسم خريطة العالم كما تشاؤون حسب مصالحكم فقط، فنحن لنا مصالح أيضاً.. فإذا كانت هذه الرسالة من الفيتو الروسي-الصيني، فهي مقدمة لعودة الحرب الباردة من جديد.. فأهلاً بعودة الحرب الباردة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
2295
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2139
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
972
| 04 فبراير 2026