رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالعزيز الحمادي

كاتب وصحفي

مساحة إعلانية

مقالات

240

عبدالعزيز الحمادي

زيادة القضايا الإدارية للموظفين.. أين الخلل؟

09 فبراير 2026 , 07:43ص

تشهد ساحات المحاكم في الآونة الأخيرة تزايدا ملحوظا في القضايا الإدارية المرتبطة بالموظفين وخلافاتهم مع جهات أعمالهم، وتتنوع تلك المنازعات سواء تلك المتعلقة بالعقوبات التأديبية أو الترقيات أو التقييم الوظيفي أو إنهاء الخدمة، وهذا التصاعد الواضح لا يعكس بالضرورة ارتفاعاً في حجم المخالفات الوظيفية بقدر ما يكشف عن خلل إداري متراكم داخل بعض إدارات شؤون الموظفين، حيث تصبح القرارات الإدارية نفسها سبباً للنزاع بدلا من أن تكون أداة لتنظيم العمل واستقراره، فكما يعرف الجميع أن إدارات الموارد البشرية أنشئت وتكونت في الجهات الحكومية لحماية حقوق الموظف وضمان التزامه بالقوانين وتسيير أمور العمل التي تخدم الأهداف العامة، لكنها للأسف في حالات كثيرة تتحول دون قصد أحيانا إلى طرف في النزاع نتيجة سوء تفسير الأنظمة أو تطبيقها بصورة انتقائية أو متسرعة وهو ما يؤدي إلى إصدار قرارات جزائية أو إدارية غير مكتملة الأركان القانونية، فيجد الموظف نفسه مضطرا للجوء إلى القضاء طلبا للإنصاف، فتتضاعف أعداد القضايا وتتراكم الأعباء على القضاء والموظف معا فيما من يتخذ القرارات الخاطئة غير مقدر للتبعات التي كان سببا لها.

ولا شك أن هذه المنازعات لها آثار سلبية كثيرة على كل الأطراف ذات العلاقة من أبرزها  تعطيل الترقيات والهيكل التنظيمي وتوتر بيئة العمل وانخفاض الإنتاجية، هذا الى جانب زيادة الإنفاق الحكومي في التقاضي والتعويضات، حيث نرى أن بعض القضايا يحصل فيها الموظفون على مبالغ كبيرة كتعويض عن الاضرار الادارية التي وقعت عليهم، هذا الى جانب فقدان الكفاءات الوظيفية نتيجة الإحباط أو الاستقالة، وبالتالي تتحول القضية الفردية إلى مشكلة مؤسسية تمس جودة الخدمة العامة.

وهنا لابد من معرفة ان المطلوب اليوم ليس تقليل محاسبة الموظف، بل تحسين جودة القرار الإداري، فالإدارة العادلة لا تقاس بعدد العقوبات بل بقلة الطعون عليها، وكلما انخفضت القضايا أمام القضاء الإداري، دل ذلك على نضج النظام الوظيفي داخل الجهة الحكومية وإلزام إدارات الموارد البشرية بمراجعة قانونية قبل أي جزاء مؤثر مع توحيد الأدلة الإجرائية للعقوبات والتقييمات.

وكذلك تدريب مسؤولي شؤون الموظفين تدريبا قانونيا متخصصا وتفعيل لجان التظلم الداخلية المستقلة حتى يجد الموظف فرصة كافية للحصول على حقوقه قبل أن يلجأ الى الجهات القضائية لإنصافه.

ويرى بعض المختصين في الشأن الاداري أن هذه الإشكالات تأتي لأسباب وجيهة أبرزها ضعف التأهيل القانوني لبعض الموظفين العاملين في إدارات شؤون الموظفين، والاعتماد على اجتهادات شخصية بدلاً من الأدلة الإجرائية الموحدة مع غياب التدقيق المسبق قبل إصدار العقوبات أو القرارات المؤثرة على المسار الوظيفي، وكذلك عدم تمكين الموظف من حق الرد أو التظلم الداخلي بصورة فعالة، هذا الى جانب الخلط بين المخالفة الإدارية البسيطة والمخالفة التأديبية الجسيمة.

وهو ما يؤدي بالمحصلة إلى قرارات قد تلغى لاحقا بحكم قضائي، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار الوظيفي ويضعف الثقة في المؤسسة الإدارية. ومن المفارقات الواضحة أن الرقابة غالبا ما تفرض على الموظف، بينما الجهة التي تصدر القرار لا تخضع في بعض الجهات لرقابة إجرائية دقيقة قبل نفاذ القرار، وهو ما يبرز الحاجة إلى منظومة رقابية متكاملة تحاسب الموظف عند الخطأ، وتراجع الجهة الإدارية عند إساءة استخدام السلطة، فوجود وحدة رقابية قانونية مستقلة داخل كل مؤسسة، أو مراجعة مركزية للقرارات التأديبية قبل اعتمادها، من شأنه تقليل نسبة الأخطاء بشكل كبير لأن الرقابة المسبقة أرخص بكثير من التقاضي اللاحق، وتحمي سمعة الجهة الحكومية كما تحمي حقوق العاملين فيها.

وفي كل الأحوال فإن زيادة القضايا الإدارية ليست مجرد مشكلة قضائية، بل مؤشر على خلل إداري قابل للإصلاح والتعديل والتطوير ولا شك أنه حين تخضع إدارات الموظفين نفسها للرقابة المهنية والقانونية، ستنخفض المخالفات تلقائيا، ليس لأن الموظف أصبح أكثر التزاماً فحسب، بل لأن القرار الإداري أصبح أكثر عدلا، فالعدالة الوظيفية المفترض ان تبدأ من جهة إصدار القرار.

مساحة إعلانية