رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

249

الدكتورة حصة حامد المرواني

التعليم غير النظامي.. أداة ناعمة لصناعة النفوذ

09 فبراير 2026 , 06:34ص

لم تعد القوة في عالم اليوم تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد أو امتلاك الموارد الطبيعية، العالم دخل مرحلة جديدة من النفوذ، حيث أصبحت الدول الأكثر تأثيرًا هي تلك التي تملك عقلًا عالميًا قادرًا على تشكيل الوعي، وتصدير المعرفة، وصناعة الإنسان قبل صناعة السلاح، وهنا يظهر التعليم غير النظامي بمفهومه الشامل الذي يتضمن التدريب المهني، والتأهيل المجتمعي وبرامج بناء القدرات كإحدى أكثر الأدوات تأثيرًا في صناعة النفوذ الدولي، بل كقوة ناعمة تسبق السياسة وتؤسس للاقتصاد وتدعم الاستقرار.

التعليم غير النظامي لم يعد خيارًا تكميليًا، بل أصبح أحد المسارات الأكثر حضورًا في سياسات الدول الذكية، لأنه يتعامل مع الإنسان كقيمة استراتيجية، وليس كرقم ضمن إحصائيات التعليم التقليدي، وفي زمن التحولات العالمية، يصبح الاستثمار في التدريب وبناء القدرات هو الاستثمار الأكثر ضمانًا لصناعة المستقبل.

التدريب ليس ترفًا بل سياسة دولة

تتعامل الدول المتقدمة مع التعليم غير النظامي باعتباره أداة استجابة سريعة للمتغيرات. فالتعليم الرسمي، رغم أهميته، يتحرك ببطء بسبب البيروقراطية وطول دورة تحديث المناهج، بينما التدريب قادر على تعديل المسار فورًا.

وهنا تتشكل الحقيقة السياسية الأوضح: الدول التي تملك منظومة تدريب قوية هي الدول التي تستطيع حماية مستقبلها دون ضجيج.

نقل المعرفة من التعليم إلى إعادة تشكيل الوعي

التعليم غير النظامي لا يقتصر على نقل مهارة أو تدريب موظف. بل هو أداة لإعادة تشكيل الثقافة.

فعندما تستثمر دولة في تدريب الشباب على القيادة، أو تدريب موظفيها على الابتكار، أو تدريب مجتمعها على ريادة الأعمال، فهي لا تصنع أفرادًا فقط، بل تعيد صياغة عقل الدولة بالكامل.

وهذا تحديدًا ما يجعل التعليم غير النظامي قادرًا على خلق موجات تغيير واسعة تتجاوز الفرد وتصل إلى نمط التفكير الوطني، وهو ما تفتقده كثير من الأنظمة التي تعتمد فقط على التعليم التقليدي.

أمثلة دولية.. كيف صنعت الدول نفوذها عبر التعليم غير النظامي؟

من يقرأ التاريخ الحديث للتنمية يدرك أن كثيرًا من الدول لم تصعد عبر الموارد، بل عبر الإنسان ومن أبرز الأمثلة:

سنغافورة جعلت التدريب المستمر جزءًا من هوية الدولة. فالمواطن هناك لا يتوقف عن إعادة التأهيل، لأن الدولة تعتبر تطوير المهارات شرطًا للاستقرار الاقتصادي والتنافس العالمي.

ألمانيا رسخت قوتها الصناعية من خلال منظومة التدريب المهني المزدوج، حيث يتعلم الفرد داخل المؤسسة كما يتعلم داخل الأكاديمية، مما جعل مهارات العمالة الألمانية معيارًا عالميًا في الجودة.

كوريا الجنوبية انتقلت من دولة متعثرة إلى دولة مؤثرة عالميًا عبر الاستثمار المكثف في التدريب والمهارات التقنية والابتكار، مما ساهم في بناء اقتصاد صناعي ثم معرفي ثم رقمي.

كندا استخدمت التعليم غير النظامي كأداة استقرار اجتماعي، خصوصًا عبر برامج التدريب ودمج المهاجرين، وهو ما جعل التنوع مصدر قوة لا مصدر اضطراب.

هذه الدول لم تعتبر التدريب خيارًا بل اعتبرته أداة بناء دولة حديثة.

اليونسكو تؤكد: التعليم مدى الحياة هو معيار الدول المتقدمة

اليونسكو لم تعد تركز فقط على التعليم المدرسي، بل تضع التعليم غير النظامي ضمن أولوياتها العالمية خصوصًا من خلال مفهوم التعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) باعتباره حقًا إنسانيًا وأداة استراتيجية للتنمية.

وقد ركزت اليونسكو في تقاريرها ومبادراتها على أن التعليم غير النظامي يمثل مسارًا ضروريًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبشكل خاص الهدف الرابع الذي ينص على ضمان تعليم شامل وعادل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع.

كما أن اليونسكو تدعم بشكل واضح مبادرات بناء القدرات المجتمعية، والتدريب المهني للشباب وتمكين النساء عبر التعليم المستمر، وتطوير مهارات العمل والابتكار، ودعم التعلم خارج الإطار الرسمي.

وهذا يؤكد أن التعليم غير النظامي ليس نشاطًا تدريبيًا عابرًا، بل أحد أهم محاور السياسات الدولية الحديثة.

النفوذ الحقيقي يبدأ من التعليم غير النظامي:

لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل نحتاج التدريب؟ بل السؤال الحقيقي: هل يمكن لدولة أن تنافس عالميًا دون منظومة تعليم غير نظامي قوية؟

التعليم غير النظامي هو خط الدفاع الأول عن المستقبل، وهو الأداة الأذكى لصناعة القوة الناعمة وهو الطريق الأكثر تأثيرًا لبناء إنسان قادر على قيادة التنمية.

مساحة إعلانية