رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الخوف الحقيقي على الشريعة ليس من خصومها على كثرتهم وعلو صوتهم، لكنه من أنصارها الذين ابتذلوها وأهانوها.
(1)
يوم الجمعة الماضي حين خرج بضعة ألوف من الرجال والنساء إلى ميدان التحرير مطالبين بتطبيق الشريعة في هتافاتهم ولافتاتهم، نشرت جريدة الأهرام تقريرا تحت العنوان التالي: 40 مليون مصري في خطر. وفيه أن 50 في المائة من قرى مصر محرومة من الصرف الصحي، وتأكل وتشرب من الزراعات والمياه المختلطة بمخلفات الصرف، وتطاردها الأمراض والأوبئة الفتاكة. ولحل هذا الإشكال مطلوب توفير نحو 80 مليون جنيه، وعمل يستغرق زمنا يتراوح ما بين 10 و15 سنة.
في الصباح ذاته نشرت الجريدة تقريرا مطولا عن الديون التي تكبل القرار الوطني في مصر، ذكرنا بأننا ورثنا عن النظام السابق بلدا مدينا ومقصوم الظهر، وأن الدين العام المحلي وصل في شهر مارس من العام الحالي 1183 مليار جنيه، وأن كل مواطن مصري أصبح مدينا بمبلغ 14232 جنيها.
إخواننا وأخواتنا الذين خرجوا إلى الميدان يومذاك أداروا ظهورهم للحاصل في البلد. لم يقرأوا أخباره ولا تحسسوا أوجاعه ولا سمعوا بأحزانه. لم يكن أحد منهم مشغولا بما يحدث على الأرض، وإنما ظلوا مهجوسين بشيء واحد هو تلك الوصفة السحرية التي اختزلوها في ثلاث كلمات هي «تطبيق شرع الله». وهو ما يمكن أن يكون مفهوما إذا ترجم إلى فعل ينفع الناس ويضيف شيئا يخفف عنهم بعض أوجاعهم وأحزانهم، لكنك تفاجأ بأن المطلوب لقيام شرع الله أن ينص عليه في الدستور بصياغات صريحة مختلفة. كأنها مسألة أدبية ولغوية تحسمها الصياغة، ولا علاقة لها بالواقع أو بالتاريخ.
ما لاحظته أن أغلب الذين ارتفعت أصواتهم منادين بتطبيق شرع الله ومتصورين أن شرع الله كان غائبا عن مصر طوال السنين التي خلت. هم من دخلوا إلى الساحة حديثا، بعدما قبعوا في الظل طويلا. وعاشوا منكفئين على أنفسهم، فلم يفقهوا شيئا من الواقع، ولذلك فإنهم لم يحتكوا بمحيطهم ولا بالعالم من حولهم. وهذا الانكفاء انعكس على فهمهم للدين. فلم يروا مقاصده أو قيمه وجوهره، وإنما اختزلوه في النصوص والطقوس وبعض المظاهر التي تتعلق بالمحرمات أو بالهيئة والزي.
يؤيد ذلك أن الذين استعادوا وعيهم وأدركوا شيئا من الواقع المحيط بهم لم يخرجوا في مظاهرة الجمعة، وهو ما لاحظناه في غياب الإخوان والدعوة السلفية وما لمسناه في خطاب قادة الجماعة الإسلامية، متمثلا في قول الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة وقوله عن الذين تظاهروا مطالبين بتطبيق الشريعة إنهم «مزايدون يدغدغون مشاعر الناس».
(2)
هؤلاء الوافدون الجدد الذين قدموا من وعاء النصوص والطقوس هم أكثر من يسيء إلى الإسلام ويشوه صورته. وتجربة حركة طالبان في أفغانستان يصعب نسيانها، وما يفعله أقرانهم في مالي وبعض دول غرب إفريقيا هذه الأيام يجدد سلبيات التجربة الأفغانية، من حيث إنهم اعتبروا أن معركتهم ضد الأضرحة وليس ضد الفقر والجهل والتخلف. ولهؤلاء نظائر في تونس الآن لم يهتموا باستعادة البلد لحريته وزوال الطغيان عنه، ولم يكترثوا بالأزمة الاقتصادية التي يواجهها من جراء تراجع السياحة وتعثر الاستثمارات الأجنبية، ولم ينشغلوا بإعادة بناء البلد وتحقيق حلم نهضته. ولكنهم زايدوا على الجميع في الصياح مطالبين بتطبيق شرع الله من خلال إعلان الحرب على دور السينما والملاهي الليلية ومحال بيع الخمور، واعتبروا من خالفهم في ذلك كفارا ومفرطين في شرع الله. وقد وصفهم الشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة هناك بأنهم «متطفلون على التدين»، وانتقدهم قائلا: لقد كفرتمونا (يقصد قادة الحركة وفي مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشي وأقرانه المؤسسون) في حين سكتم على «بن علي» (الرئيس السابق) ولم تكفروه.
أغلب الذين خرجوا في مصر يوم الجمعة من أولئك المتطفلين على التدين الذين يتطلعون إلى إضافة بما لا يخالف شرع الله على كل نص في الدستور. ولا يرون في القانون سوى الحدود الشرعية، التي هي عندهم علامة إقامة الدولة الإسلامية أو تأسيس الخلافة، بعَلَمها الأسود الذي يقال إنه كان يرفع في غزوات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا يهم بعد ذلك كيف سيكون حال الاقتصاد والتعليم والصحة والإسكان، أو أي شيء آخر في حياة الناس.
المشكلة لا تكمن في هذه النماذج فقط، وإنما تكمن أيضا في إعلام غير بريء يهلل لتلك المقولات والنداءات، فيروج لها ويقدمها بحسبانها إرهاصات «الأسلمة» التي تتجه إليها مصر، حاملة إلى الناس أجواء الشقاء والبؤس.
لك أن تتصور مثلا شعور المواطن العادي حين يقرأ في صحيفة الصباح الصادرة في 26/10 العنوان الرئيسي التالي: الإخوان والسلفيون اتفقوا على تقييد مواد الحريات بعبارة: بما لا يخالف شرع الله. أو تقرأ في الجريدة ذاتها عنوانا رئيسيا للعدد الصادر في 8/11 يقول: إلغاء المساواة بين الرجل والمرأة في الدستور. بسبب من ذلك فلا غرابة إذا ما وقع المحظور واتسع نطاق الخوف من شرع الله. وهو خوف أزعم أنه بات ينتاب قطاعات لا يستهان بها من المسلمين حتى المتدينين منهم، فما بالك بغير المسلمين.
(3)
اعتذرت ثلاث مرات في الآونة الأخيرة عن عدم المشاركة في برامج تليفزيونية دعيت إليها لمناقشة تطبيق الشريعة الإسلامية. ونصحت من سألني في حوار صحفي أن يركز في أسئلته على ما يجري على أرض الواقع، وأن يكف عن التساؤل عن النداءات التي تتردد في الفضاء.
لا أتردد في القول بأن أغلب الهرج الذي يثار الآن حول صياغات تطبيق الشريعة الإسلامية فيه من المزايدة والهرج بأكثر مما فيه من الموقف الجاد والمسؤول. وأضيف 4 ملاحظات هي: الأولى أن الأغلبية الساحقة ليست ضد تطبيق الشريعة ولكنها تختلف حول المقصود بكلمة الشريعة وكيفية التقدم على طريق التطبيق المنشود. وهل تكون البداية مثلا بإطلاق اللحى أم بإطلاق الحريات، وهل يكون الطريق إلى ذلك بوعظ الناس أم بخدمتهم والحفاظ على كرامتهم.
الملاحظة الثانية أن الصلة وثيقة بين تطبيق الشريعة وبين الاستقلال الوطني. ذلك أن مرجعية القوانين تشكل أحد عناصر هوية المجتمع. ولذلك لم يكن مستغربا ـ بل كان مفهوما ومبررا ـ أن يلغى تطبيق الشريعة في مصر في العام التالي مباشرة لاحتلالها من قبل الإنجليز في عام 1882. ليصبح القانون الفرنسي بعد ذلك هو المصدر الأساسي للتشريع في البلد. وقد سعى فقهاء القانون المصريون بعد ذلك إلى تصحيح ذلك الوضع. حتى أصبح القانون المدني الذي وضعه الدكتور عبد الرزاق السنهوري مستلهما في أغلبه من الشريعة الإسلامية. وإدراك تلك الصلة الوثيقة بين الشريعة وبين استقلال الهوية الوطنية يكشف عن مدى تهافت وعبثية الهرج المثار حول الشريعة بالمفهوم السائد في الوقت الراهن.
الملاحظة الثالثة أن مرجعية الشريعة ـ أو مبادئها ـ للقوانين لا تتعارض مع اعتبار الأمة مصدر السلطات، لأن التفرقة واجبة بين مصدر التشريع ومصدر السلطة. وكون القانون الروماني مصدرا للقوانين في الدول الغربية الأوروبية، لم يلغ حق المجتمعات في إقامة أنظمتها الديمقراطية، وكذلك الحال في المجتمعات الإسلامية، التي لها أن تستلهم قوانينها من شريعتها، في حين تعمل إرادتها الكاملة في اختيار السلطة التي تمثلها.
الملاحظة الرابعة أننا لا نتحدث عن خلافة إسلامية يعتز بها الجميع ويحن إليها البعض باعتبارها مظلة حمت الأمة. ولكننا نتحدث عن نظام ديمقراطي يعبر عن هوية الأمة فيحقق مصالحها العليا ويحترم قيمها الأساسية. والذين يعتبرون الخلافة النظام الوحيد المعبر عن النظام الإسلامي، يتزيدون ويبتدعون، لأننا نفهم أن الإسلام لم يحدد شكلا لنظام الحكم، ولكنه حدد قيمة للنظام السياسي، تمثلت في الشورى، التي يمكن أن تصاغ على أي نحو، لأن الوظيفة أهم من المصطلح.
(4)
يعرف أهل القانون جيدا أن مجرد النص في الدستور على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي يكفي في تحديد دور الشريعة ومرجعيتها. والمادة الثانية المقررة في دستور 1971 التي تحدثت عن مرجعية مبادئ الشريعة تؤكد المعنى وتعززه. وكل ما عدا ذلك من صياغات إضافية تعبر عن ذات المعنى تعد تكرارا لا لزوم له، ومزايدة من جانب المتطفلين على التدين وعلى القانون. ولعل كثيرين يذكرون أن الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة في تونس قبل بالاكتفاء في نص الدستور الجديد على الهوية الإسلامية للدولة، بعدما أثار البعض لغطا حول ضرورة النص على الشريعة، معتبرا أن تحديد الهوية يكفي في تحديد مكانة الشريعة والإسلام في النظام الجديد، وهو النص الذي حقق التوافق بين مختلف القوى السياسية، وقطع الطريق على احتمالات الخلاف والشقاق في الساحة الوطنية.
أستغرب أيضا من الذين صاغوا مشروع الدستور سعيهم إلى محاصرة مبادئ الشريعة في تعريف صاغوه هم بحيث لا يتجاوز «القواعد المعتبرة عند أهل السنة والجماعة»، وهم بذلك ضيقوا واسعا كما يقول الأصوليون. وأشم في هذه الصياغة رائحة السلفيين الذين لا يرون في الكون خصما غير الشيعة من أتباع المذهب الجعفري. ولا أفهم لماذا نحرم الفقه والتطبيق من خير لدى المذاهب الأخرى إعمالا للنص القائل بأن الحكمة ضالة المؤمن. وفي حدود علمي فإن قانون الأحوال الشخصية أخذ من المذهب الجعفري بعض ما وجده مفيدا وصالحا.
إن أسوأ ما في اللغط الحاصل حول الدستور الجديد أن بعض القوى الإسلامية المشاركة فيه مشغولة بإبراز الحضور الإسلامي بأكثر من انشغالها بتماسك الجماعة الوطنية، رغم أن العناد حاصل من الطرفين. وقد أشرت من قبل إلى دلالة القصة التي أوردها القرآن (في سورة طه) عما فعله بنو إسرائيل مع النبي موسى وأخيه هارون، حين غاب عنهم الأول وتركهم في عهدة أخيه، لكنهم خالفوه وعبدوا العجل أثناء غيابه. وبعد عودة النبي موسى أغضبه مسلكهم وعنَّف أخاه الذي سكت عليهم. فكان رد هارون أنه خشي أن ينفرط عقدهم إذا هو حملهم على التمسك بدينهم. الأمر الذي تفهمه موسى عليه السلام فسكت عما جرى مقدما وحدة القوم في ذلك الظرف على سلامة الاعتقاد.
قد يستطيع المزايدون أن يتبنوا حضورهم كما يشاءون في مشروع الدستور، لكنني أثق في أن ذلك لا يقيم الدولة الإسلامية، في حين أنهم سيسهمون في تفتيت الصف الوطني، وسيضاعفون من مخاوف الناس. وسيكون الإنجاز الوحيد الذي حققوه أنهم كسبوا نصا مكتوبا وخسروا كل ما عداه.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
633
| 12 أكتوبر 2026