رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاد الاستعمار والاحتلال العسكرى التقليدى ..ولم تعد حالة الحركة الوطنية في المقابل.
لقد غاب الحديث عن الحركة الوطنية في مختلف الدول العربية منذ مرحلة ما بعد تحقيق الاستقلال وخروج قوات الاحتلال،فيما كان مثل هذا الحديث رائجا استخدامه خلال حقبة المقاومة للاستعمار في الخمسينات والستينات.وقتها كانت القوى المطالبة والساعية للاستقلال يطلق عليها مصطلح «القوى الوطنية» ،فكان الحديث عن الحركة الوطنية المصرية والجزائرية و العراقية واللبنانية الخ.وفي تلك المرحلة جرى تقديم المسألة الوطنية باعتبار ما يجري هو تحرير للوطن ،وعقب التحرير جرت أعمال تأميم للممتلكات الأجنبية لاسترداد المقدرات الاقتصادية الوطنية تحت عناوين الاستقلال الاقتصادى،كما جرى تشكيل نظم حكم تحظى بتمثيل دولي في الأمم المتحدة تحت عنوان الاستقلال السياسي الوطني ..الخ.لقد قدمت تلك القضايا على ما عداها من القضايا وبشكل خاص على قضية الديموقراطية وقضايا الحريات إجمالا.
جاء الاستقلال دون تحقيق الديموقراطية ودون تطبيق لمفاهيم الحرية ،فتشكلت نظم حكم جمهورية رفع بعضها شعارات اشتراكية وانحازت أخرى لنموذج الحكم الملكي ،وفى كلتا الحالتين كان القاسم المشترك هو غياب الديموقراطية ومنع قيام الأحزاب وفرض الوصاية على النقابات أو منع تشكيلها أصلا .
والآن إذ يعود عدد متصاعد من الدول العربية إلى حالة الاحتلال العسكرى –وفق النسخه الإمبريالية القديمة- وإذ كان متوقعا أن تعود المجتمعات لإنتاج وطرح فكرة وحالة الحركات الوطنية في تلك البلدان ،فاللافت أن مثل هذا الأمر لم يحدث ،بل اقترن ظهور حركات الاستقلال والتحرير والمقاومة للاحتلال في المرحلة الراهنة بظهور واعتناق أفكار إيديولوجية وعقائدية متضاربة ومتصارعة داخل المجتمع الواحد ،لتحل فكرة الهوية عند البعض محل الوطنية ولتحل الطائفية عند البعض الآخر محل المشترك الوطني العام ،ولتطرح قضية الديموقراطية كحالة إقصائية لطرف ضد آخر،وليسود نمط من الاقتتال الداخلى والتفكك المجتمعي .
وتبدو طبيعة الاحتلال والطرح الإيديولوجي والإعلامي للدول الاستعمارية ، أحد أسباب وقوع تلك الحالة ،ففي حالتي الاحتلال الإيراني للعراق ثم سوريا ،صارت عمليات المقاومة حالة دينية داخلية مضادة ،بعد أن نجح المستعمر الإيراني في تشكيل منظومات ميليشاوية ذات طابع مذهبي أو تحت الادعاء المذهبي،وبحكم تقديم المستعمر نفسه إعلاميا –وعبر فعل وسلوك قتالي-باعتباره متدخلا لأسباب طائفية أيضا .ويمكن القول بأن عمليات الاحتلال الراهنة –أمريكيا وإيرانيا وروسيا-قد جاءت في مواجهة صحوات إسلامية أو فى مرحلة توسع فيها نفوذ ودور الحركات والاتجاهات الإسلامية ،ولذا كان طبيعيا أن يطرح فكر التحرير الوطني عبر بوابة الرؤية الإسلامية .ولعل أحد أهم المؤشرات على مدى تأثير تلك الظاهرة هو هذا التغيير والتطور الواقع في حركة الاستقلال الفلسطينية ،فإذا كانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني»فتح» هي القوة الرئيسية المهيمنة على الشعبية والقرار الفلسطينى خلال مرحلة ما قبل الصحوة الإسلامية ،فقد جرت عملية انتقال كبيرة في توازنات القوى ،بظهور حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وحركة الجهاد الفلسطيني « ولعبها دورا أساسيا على ساحة حركة الاستقلال الفلسطينى .
وكذلك يمكن القول بأن اتساع حركة الصراع وأعمال الاحتلال لتشمل دولا إسلامية لا عربية فقط ،وظهور مفاهيم الصراع الديني والحضاري في الساحه الغربية الإعلامية والسياسية –وهو ما ورد في دراسات نظرية وفي تصريحات رسمية-كان له تأثيره هو الآخر في صبغ المقاومات وحركات التحرر بالصبغة الإسلامية والتعبير عن نفسها بتلك الصيغه بدلا من فكرة وحالة الحالة الوطنية العامة ،خاصة مع ظهور تمايزات واختلافات في رؤية و فكرة القوى والتيارات الوطنية العامة عن تلك الإسلامية في داخل المجتمعات ، بما وسع الشقاق والصراع وأبعد حالة الإجماع الوطني على نحو أو آخر .
وبالإجمال يمكن القول بأن انشقاقا عميقا يضرب الحركة الوطنية العربية المناهضة للاحتلال ،وأن الحركة الوطنية بمفهومها القديم قد أخلت مكانها لنمط جديد من التمايز والاختلاف والصراع بين القوى الفكرية والسياسية ،وأن مجتمعاتنا صارت تعيش وقائع معركتين في وقت واحد ،أولاهما ضد المحتل والأخرى بين القوى والتيارات المجتمعية وبعضها البعض .
وهذا ما يعيد طرح سؤال الديموقراطية مجددا.لقد غابت الديموقراطية في الحركة الوطنية العربية خلال الخمسينات ،فحضر الاستقلال وغاب بناء نظم قادرة على تحقيق البناء والاستقرار ،والآن تغيب الديموقراطية أو التوافق حولها ،بما يشعل الصراع قبل الاستقلال ويرسم علامات خطر حول نظم ما بعد الاستقلال .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3717
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1125
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
753
| 27 أبريل 2026