رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الأحداث الأخيرة في مصر مؤسفة ومحزنة ومؤلمة جداً تلك التي جرت مؤخراً وتحديداً بعد الإعلان الدستوري المؤقت للرئيس المصري "المنتخب" محمد مرسي والتي كتب عنها الكثيرون وتحدث فيها الكثيرون بل وتقاتل من أجلها المصريون ممن لا يريدون لمصر خيراً أبداً عندما رأوا في مصر "الجديدة" بعد اندلاع الثورة الشعبية المباركة فيها على الطغاة وعلى الظلم والفساد..رأوا فيها زوال مصالحهم التي كانوا يسرقونها وينهبونها من ثروات وخير مصر ومن جيب الشعب المصري "المسلم الأصيل"..بل ورأى فيها أعداؤها كذلك بداية انتفاضة إسلامية ونهضة حضارية تقودها مصر الجديدة التي انتخبت رئيساً شرعياً "لأول مرة" دون أن يتنازل هو أو شعبه عن دينهم ومبادئهم وقيمهم ودون أن يتبرأوا من إخوانهم في فلسطين ودون أن يطأطئ رأسه لليهود ويكون ذراعهم الممتدة على أبناء الأمة الإسلامية ودون أن يكون معول هدم يستخدمه الأمريكان لتنفيذ مخططاتهم ومؤامراتهم على الوطن العربي والعالم الإسلامي.
لقد نزل "الغوغائيون" و "الظلاميون" و "الفوضويون" و "الهمجيون" و "المخرّبون" إلى شوارع مصر الجديدة كلياً بعد الثورة برئيسها الذي افتخر واستبشر به العالم الإسلامي بأكمله وبشعبها الثائر على الظلم والفساد والراغب في العودة إلى أمته والتمسك بدينه من جديد، نزلوا فعاثوا فيها فساداً وتخريباً وإزهاقاً لمزيد من أرواح الأبرياء من المصريين، خرجوا لا ليعلنوا عن رفضهم لقرارات الرئيس أو لإعلانه الدستوري وإنما لحاجة خبيثة في نفوسهم الدنيئة التي لا تريد للإسلام ولا للإسلاميين أن يحكموا مصر فيعيدوها إلى أمتها وإلى نصرة قضاياها العادلة في فلسطين وغيرها من قضايا المسلمين، نزلوا لا ليرفضوا قرارات الرئيس المصري بل ليرفضوا الرئيس المنتخب شخصياً ولسان حالهم يقول يريدون الإعلان الدستوري وغيره من قرارات الرئيس محمد مرسي ذريعة و "مسمار جحا" ليعاودوا الذهاب والمجيء والصيد في الماء العكر على كل صغيرة وكبيرة يقوم بها الرئيس أو جماعة الإخوان المسلمين، ولقد سألت أحد المصريين مؤخراً ممن خُدعوا بهذه الفوضى والمظاهرات الأخيرة على الرئيس محمد مرسي، وقلت له بصراحة: هل تتوقع بأنه لو لم يصدر الرئيس قراره الدستوري الأخير..هل تتوقع بأن أعداء مصر في الداخل والخارج سيدعونه وشأنه أم أنهم سيبحثون عن مبررات وأسباب أخرى لمعارضته؟ فأجابني بصدق: "لا..لن يدعوه وشأنه"، وهذا شأن كل من اختار طريق الإسلام نهجاً للحكم، ولنا في تجربة الإسلاميين في الجزائر وتركيا وغزة تجارب واضحة تؤكد محاربة أعداء الأمة لكل من يقترب من نظام الحكم ويرغب في تغيير الواقع المرير الذي تعيشه أمتنا أو يرغب بإحداث نهضة وتنمية في وطنه أو يرغب في إحداث ثورة على الظلم والفساد فإن "أدعياء الديمقراطية" سينقلبون عليه كما انقلبوا على الديمقراطية نفسها عندما أوصلت الإسلاميين للحكم.
ولا نزعم طبعاً بأن كل من تظاهر في مصر مؤخراً هم من أولئك الذين وصفناهم سلفاً بتلك الأوصاف لأنه كان من بينهم جزء بسيط من الشعب المصري من المخدوعين بتلك الافتراءات فهي ليست بـ"حق أريد به باطل" وإنما "باطلٌ أريد به باطلٌ أكبر منه" فهؤلاء قد خدعهم زعماء "التخريب والفساد" واستغلوا حب المصريين لمصر ووطنيتهم لها وطيبة أهلها فصدّقوا تلك الاتهامات وانساقوا وراءها، تماماً كما فعل النظام السابق عندما أخذ يشوّه في صورة المتديّنين والملتزمين وأظهرهم في أبشع وأقبح صورة كما صوّرهم عادل إمام وأمثاله في معظم أفلامهم بأن الإسلاميين "مرتشون وكاذبون وإرهابيون ومتعطشون للدماء ويلهثون وراء النساء!!" بينما الواقع يثبت بأن أهل الفن والعفن الذي يمثلهم عادل إمام و "أشكاله" هم الذين يتصفون بذلك كلّه، لذلك فلا عجب أن ينزل إلى الشارع ضدّ الرئيس محمد مرسي بعض الفنانات جنباً إلى جنب "أدعياء الوطنية" الزائفون لأن كلا الطرفين يزعم بأنه "شريف عفيف"!!
تجمّع محمد البرادعي وعمرو موسى مع حمدين صبّاحي وأيمن نور وغيرهم من زعماء التخريب بعد أن أوعزت أمريكا للأول وإسرائيل للثاني بالتحرّك لنصرتهما لا للدفاع عن الدستور "ولاهم يحزنون" وفضح الله أمر هذين الاثنين بالكثير من الشكوك التي تؤكد تورّطهما باتصالات خارجية مع أمريكا وإسرائيل اللتين لم تصدقا أن مصر قد ضاعت من يديهما بعد أن كانت "حمامة سلام" في عهد المستسلمين المنهزمين من أمثال حسني مبارك وأنور السادات وغيرهم، وبعد أن انتفضت مصر الحرّة المسلمة في وجه كل اتفاقيات الغاز والسلام مع إسرائيل أو اتفاقيات المساعدات والمعونات الأمريكية المهينة لكرامة مصر العزيزة التي أعزّها الله من بين الدول وذكر اسمها في كتابه الكريم.
لقد هزّت مصر في فترة حكم محمد مرسي القصيرة حتى الآن والتي لم تتجاوز العام.. هزّت وزلزلت عرش إسرائيل الجاثمة فوق أرض فلسطين عندما وقفت وساندت إخوتها في غزّة ونصرتهم بشكل لم يسبق له مثيل فأصدر الرئيس محمد مرسي قراراته بفتح معبر رفح بشكل دائم ومتواصل، إن هذه الوقفة البسيطة من مصر جعلت أهل غزّة يشعرون بالأمن والاعتزاز فاستمدّت حركة حماس من تلك الروح الجديدة حماساً فوق حماسها وعزيمة على تحقيق النصر، فكيف إذا فعلت مصر أكثر من ذلك؟ وكيف إذا تحرّك الجيش المصري لنصرة ودعم إخوته في فلسطين؟، لاشك إن هذا المشهد المرعب قد تخيّله الإسرائيليون مباشرة بعد هدنة النصر مع حماس بل واستحضر حاخاماتهم صورة شجر الغرقد الذي يحتمي خلفه اليهود خوفاً من قتل المسلمين لهم، فهم يدركون حقيقة ذلك جيّداً لأنهم عرفوا الحق ولم يتبعوه استكباراً وغرورا.
ينبغي على المصريين الذين انخدعوا بتلك الزعامات المفسدة أن يدركوا أن هدف أولئك هو عودة مصر إلى سابق عهدها في الفساد والقهر والاستبداد وسابق عهدها في الذلّ والهوان مع أعداء الأمة، فعليهم أن يعرفوا حقيقة محمد البرادعي وعمرو موسى وغيرهما من زعماء الخيانة والتواطؤ والهزيمة، وأن يتحاكموا إلى شرع الله وسنة رسوله قبل أن يتحاكموا إلى العقل، لأن في حكم الله وهدي رسوله تمام العقل وكماله، فوالله الذي لا إله إلا هو إن هؤلاء لايريدون إلا "الإفساد" ما استطاعوا، ووالله الذي لا إله إلا هو إنهم سيخرجون عليكم في كل مرّة بأسباب وأعذار أخرى تستهدف الفوضى لاغير، فعلى المصريين أن ينظروا في أفعال الرئيس محمد مرسي وإنجازاته التنموية والنهضوية في هذه الفترة الوجيزة، وأن يمدوا له يد التعاون والحب والإخاء وأن يثبطوا كل جهد يفسد تجربتهم وثورتهم العظيمة.. ولا نملك إلا أن ندعو لهم في ظهر الغيب (رب اجعل مصر بلداً آمنا وسائر بلاد المسلمين) ولا نملك إلا أن نقول لهم كما قال يوسف عليه السلام لأبويه وإخوته: أيها المصريون..(ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)..في ظل حكم الرئيس محمد مرسي وإخوانه من رجال مصر المؤمنين..والله خير الحافظين.
إن أريد إلا الإصلاح
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) قالها سيدنا شعيب عليه السلام لقومه ويقولها في الماضي والحاضر أقوام وبشرٌ... اقرأ المزيد
4022
| 09 يناير 2015
الفساد والأربعين حرامي
ونحن نقرأ الصحف في وطننا وفي سائر دول الخليج والعالم العربي والإسلامي نلاحظ أن كثيراً ما تقع أعيننا... اقرأ المزيد
1095
| 02 يناير 2015
وزير سابق
من الملاحظ أن الكثير من أصحاب الرأي والخبرة والعلم والمعرفة ممن استلموا مهمات قيادية في أوطانهم في مرحلة... اقرأ المزيد
1148
| 26 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3726
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026