رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الملاحظ أن الكثير من أصحاب الرأي والخبرة والعلم والمعرفة ممن استلموا مهمات قيادية في أوطانهم في مرحلة من المراحل ووصلوا إلى أعلى الهرم الإداري في وزارات ومؤسسات الدولة سواء كانوا وزراء أو وكلاء وزراء أو قضاة أو عمداء كليات أو رؤساء جامعات أو أساتذة تربويين أو إعلاميّين مخضرمين أو رؤساء تحرير وصحفيين محترفين أو علماء أفاضل وغيرهم.. تجدهم عندما كانوا على رأس عملهم كانوا متفانين في أعمالهم ونشطاء في الكثير من الأحداث والفعاليات في المجتمع، وكان لهم نشاط وحضور واضحان بين الناس وفي الإعلام بشكل خاص، وسرعان ما انتقلوا من دائرة الضوء والنشاط إلى دائرة الظلام والفتور، فسرعان ما اختفوا من الإعلام ومن التواجد الفعّال بين الناس ومن الفعاليات والمبادرات المهمة في أوطانهم، كل ذلك لأنهم تركوا (مناصبهم) وفي لحظة واحدة أصبحوا على أعتاب مرحلة أخرى من الانزواء والانطواء والإهمال وبالتالي أصبحوا رهن الإحباط والفشل ومغادرة الحياة والاستعداد للموت.
هذه الظاهرة تعاني منها الكثير من الدول العربية والخليجية بشكل عام ولكننا في قطر نعاني منها بشكل لافت وواضح، حيث تختفي تلك القيادات التي كانت تقود وزارات ومؤسسات وكان لها شأن وأثر عظيمان في الكثير من القرارات، فبعد أن كانت شعلة من النشاط وكتلة من الحماس وحزمة من العلاقات إذا بها تخفت وتبهت ويتلاشى بريقها وتغيب في غياهب (الماضي) الذي بدأ مع انتهاء (الوظيفة الرسمية أو المنصب الرسمي) الذي كان يتقلّده في آخر عهده.
عندما يترك وزير الوزارة أو رئيس المؤسسة أو عميد الكليّة أو الجامعة أو نحوهم فيذيّل تاريخه الحافل بكلمة (السابق أو الأسبق) بعد أن أمضوا عدة سنوات في مناصبهم تلك – دون الخوض في إنجازاتهم أو إخفاقاتهم أثناء فترة عملهم – فإنهم بعد ذلك يمارسون دوراً (هامشيّا وتقليدياً) في مجتمعاتهم وفي مجتمعنا القطري تحديداً، حيث لا تصبح لديهم أنشطة أو مشاركات رسمية أو شعبية، بل ويتجاوز الأمر إلى مرحلة الغياب الفعلي أو الكلّي واختفاء الحضور الحقيقي في المجتمع. ولا أقصد هنا الحضور الحقيقي أو التواجد العادي كأن يحضر وزير سابق لحفل عرس أو أن يحضر قاضي محكمة سابق أو عميد كلية سابق أو ضابط عسكري سابق إلى وليمة عشاء أو دعوة شخصية لمناسبة اجتماعية.. فالجميع يفعل ذلك، وإنما أقصد الحضور الفعّال الذي ينتج عنه التأثير والمشاركة، فما العيب مثلاً أن يحضر مثل هذه الرموز أو النخب لبعض المحاضرات العامة أو الفعاليات المجتمعية المختلفة وأن يساهموا بتواجدهم في إضفاء نوع من الدعم والتقدير للمنظمين وللبرنامج وللفكرة أو الحدث الذي يحضره، فعلى سبيل المثال: إن حضور رئيس جامعة (سابق) أو عميد كلية (سابق) لمحاضرة ثقافية عامة إنما هو دليل اهتمامه وحضوره ومتابعته ورغبته في المشاركة بتعليق أو شهادة أو رأي أو حفاوة للحضور أو للمنظمين أو مجرد الاستماع إلى معلومة أو فائدة جديدة، فما الضير في ذلك؟! إذ إن الإنسان لا ينبغي أن يقف عند حد معين من العلم والمعرفة والاطلاع، وكلّما ازداد علمه ازداد معرفة بجهله، ولنا في العلماء وفي السلف الصالح خير أسوة وكان ابن عبّاس رضي الله عنه يتواضع – رغم مكانته – أمام كل من يحفظ حديثاً للنبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن قد سمعه من قبل فيذهب قاصداً إليه ليتعلّم منه حتى أصبح حبر الأمة بعلمه وتواضعه الذي أوصله لتلك المكانة، ولذا كان ومازال العلماء أشد خشية لله تعالى، لأنهم يزدادون معرفة به سبحانه وتعالى كلما ازداد علمهم وأيقنوا بجهلهم فيما مضى فعدّلوا من أفكارهم وآرائهم واستغفروا لذنوبهم ولم يصّروا على أخطائهم بجهالة.
وقد يقول قائل: كيف لشخصية معروفة أن تحضر في محاضرة أو ندوة أو فعاليات بالمجتمع دون أن توّجه إليه دعوة للحضور؟! ولماذا لم يدع أصلاً ضمن المحاضرين لتلك المحاضرة أو تلك الندوة ناهيك عن دعوته للحضور والاستماع فقط؟! والجواب على ذلك التساؤل يعود إلى تلك الشخصية نفسها التي اعتادت أن تضع شروطها الخاصة للحضور والمشاركة الإيجابية في مجتمعها، فمن يضع شروطاً لنفسه بأنه لن يحضر إلا بدعوة شخصية أو ببطاقة تليق بمكانته السابقة إنما يرتكب خطأين بحق نفسه، الأول أنه ظهر بمظهر المتعالي والمتكبّر والمزهو بماضيه ومكانته السابقة مما يؤثر في علاقة الناس به، الثاني أنه حرم نفسه الخير الكثير والعلم الوفير بمجرد استماعه لصوت (الأنا) في داخله والتي غلّبت المظهر على المضمون، فإذا كان (البرستيج) يمنعه أو (المظهر الاجتماعي) يحول بينه وبين حضوره وتفاعله مع ما حوله، فإنه بذلك سيكون أول الخاسرين، أما إذا غلّب المضمون والجوهر على المظهر وشارك وتفاعل من دون (رسميّات) ولا (مظاهر) فإنه بذلك سيكون أول الفائزين، الذين كسبوا المزيد من العلم والمعرفة وكسبوا كذلك محبة الناس الذين رأوا فيه تواضعاً وحسن أخلاق.
وأذكر أنني التقيت مؤخراً بوزير سابق وكان ذا خلق رفيع وشخصية متواضعة، بل وعرّفني بنفسه، متواضعاً ثم تشرفت بمقابلته في مقهى لنتحادث معاً، فإذا به يلمّح إلى إحساسه بالفراغ والرغبة في تحقيق مزيد من الإنجازات لنفسه ووطنه، خاصة أنه كان طبيباً وهو الأمر الذي جعله (يتطوّع) لمعالجة الناس وخاصة (شيبان وعجايز) أهل قطر في أحد المراكز الصحية دون أن يأخذ أجراً رغم أنه (وزير سابق) ولكنه كان يذكر هذا الشيء ووجهه تغطيه ملامح الفرح والسعادة بما كان يفعله ويقول: (تكفيني دعواتهم الطيبة وفرحي بشفائهم بفضل الله تعالى). كما أنه يعكف على تدوين تجاربه ومذكراته بطريقة قصصية ممتعة ليستفيد منها الآخرون. فكم يحتاج مجتمعنا إلى مثل هذا الوزير السابق الذي رفض أن يستسلم للواقع ولم يجعل تأثيره ونشاطه رهين وظيفته السابقة كما يفعل الكثيرون وإنما تواضع وسعى لأن يساهم ويحضر ويتفاعل مع كل ما يجري حوله حتى بعد أن ترك منصبه أو حتى بعد تقاعده، ولعلّ في حديث نبينا العظيم خير تحفيز لنا: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، فما دام فيك قلب ينبض وما دام فيك أنفاس تصعد وتهبط، فلابد لنا أن نتفاعل وأن نكون إيجابيين وأن نسعى للتغيير وللخير حتى آخر لحظاتنا، ناهيك عن سؤال الله لنا عن أعمارنا وعلمنا وأموالنا، فكم لدينا من أهل خبرة واختصاص ينبغي أن يدلوا بدلوهم وأن يشاركوا في المجالس واللقاءات في الأحياء السكنية – على أقل تقدير – من باب زكاة ذلك العلم الذي تعلّموه، وأيضاً من باب (بلّغوا عنّي ولو آية).
ويبقى اللوم أيضاً على الكثير من الجهات الرسمية والشعبية والوسائل الإعلامية والثقافية التي أصبحت تنافق كثيراً وهي توجّه دعواتها لبعض النخب والرموز، إذ إنها تدعوهم لا لمكانتهم العلمية والحياتية وإنما لمكانتهم الوظيفية الحالية، بينما تتركهم إذا ذهبت مناصبهم أدراج الرياح، فينبغي على الجهات أن تسعى لتفعيل تلك النخب والرموز وأن تشجّعهم للمساهمة، فكم نستمع ونشاهد كثيراً من اللقاءات عبر قناة الجزيرة لضيوف بألقاب (عميد سابق) (وزير سابق) وهكذا للإدلاء بدلوهم وسماع رأيهم وشهادتهم في قضية ما، فلماذا لا تفعل قنواتنا الوطنية وجامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية ذلك مع أولئك الذين لديهم خبرات علمية وعملية وحياتية سابقة، فهم أحياء وليسوا بأموات، ولكن يريدون فقط.. من يتذكّرهم ويوّظف طاقاتهم، فكم ستكون سعادة ذلك الوزير (السابق) لو أن جمعية خيرية مثلاً في قطر جعلته سفيرها الفخري وجعلته يرأس طواقمها الطبية لمعالجة الفقراء والمرضى بالمجان في أنحاء العالم الإسلامي، كل ما نحتاجه هو أن ننظر للإنسان على أنه (إنسان وقيمة) لا على أنه (وظيفة ومنصب) زائلان لا محالة. والله المستعان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7419
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1248
| 30 يوليو 2026