رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تسارعت وتيرة الأحداث السياسية في الآونة الأخيرة وتلاحقت خطاها بشكل ملحوظ، فبعد عامين من الربيع العربي وسيطرة الإسلاميين على حكومات دول الربيع العربي، وأحداث سوريا الدامية وخروج خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس من دمشق وفك الارتباط الإيراني الحمساوي، وزيارة حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى قطاع غزة المحاصرة - والتي كانت خطوة مهمة نحو كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ عدة سنوات - والتوصل إلى اتفاق الهدنة بين الإسرائيليين وحركة حماس بعد مرور أكثر من أسبوع من القتال، تحت إشراف مصر التي ترأست المباحثات بين الطرفين ونتجت على ضوئها توقيع الهدنة بينهما، واعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين بصفة دولة غير عضو بأغلبية ساحقة، جاءت زيارة خالد مشعل إلى غزة لتفتح صفحة جديدة في العلاقات الإسرائيلية العربية والعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية ورسم خارطة جديدة للشرق الأوسط.
ومع إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس)، وبعد سبعة وثلاثين عاماً، زار خالد مشعل قطاع غزة، حيث كان المشهد عاطفياً بين بكاء وسجود وفرحة وانتصار، امتزجت فيه دموع الفرح بتراب غزة، وكان في استقباله الآلاف من جميع الأحزاب والقوى السياسية الفلسطينية، في زيارته الأولى لهذه البقعة الغالية من أرض فلسطين منذ عشرات السنين من الفراق بعدما كان قد غادر الضفة الغربية وهو فتى.
ووصف مشعل الزيارة بأنها "ولادة ثالثة"، بعد مولده الفعلي عام 1956، ونجاته من محاولة اغتيال في الأردن والتي كان وراءها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في محاولة فاشلة بأحد شوارع العاصمة الأردنية عمان.
لقد كشف خالد مشعل عن مرحلة جديدة لحركة حماس تبدو أقرب إلى العملية السياسية، ليس فقط لتوحيد جميع الأطياف الفلسطينية ولكن لتغيير إستراتيجية التعامل مع الجانب الإسرائيلي، وهي فرصة لكي يكشف عن تطورات سياسية في رؤية حماس للمرحلة القادمة، ولعل الحديث عن قبول حماس بدولة على حدود 1967 لهو دليل على التوجه نحو تطوير العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية بما أنها قابلة للاعتراف بإسرائيل. فلقد اعتبر خالد مشعل أن "المقاومة وسيلة وليست غاية" و"إذا وجد العالم طريقا ليس فيه مقاومة ودم يعيد لنا فلسطين والقدس وحق العودة وينهي الاحتلال الصهيوني البغيض فأهلاً وسهلاً".
وفي هذا السياق؛ قال معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في اجتماع اللجنة الوزارية لمبادرة السلام العربية الذي عقد في الدوحة هذا الأسبوع: "إن من أبرز التطورات والمتغيرات في منطقتنا هذه الثورات الشعبية التي اجتاحت عالمنا العربي وهي في بعدها تتطلع إلى سلام حقيقي تصنعه الشعوب وليس سلاما وهميا تفرضه الحكومات، وهذه حقيقة نرجو أن تدركها إسرائيل وأن تعي مضامينها واستحقاقاتها". وأيضاً قال معاليه: "إسرائيل، إن لم تستوعب المتغيرات الإقليمية والدولية وتنحاز بصدق إلى السلام، فإن القوة لن تحقق لها الأمن، وأن السلام وحده كفيل بضمان أمنها ومستقبلها".
وبعد انطلاق الثورات العربية ومغادرة مشعل لسوريا، أصبحت إسرائيل تنظر للرجل بشكل مختلف بعض الشيء، ويقول المحللون أنه رغم ذلك فقد يكون مشعل هو الرجل القادر على فتح حوار بين حماس وإسرائيل، حيث كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية هذا الأسبوع عن أن حكومة بنيامين نتنياهو قررت اتخاذ إجراءات جذرية لتخفيف الحصار عن قطاع غزة، في تغير دراماتيكي لسياستها تجاه حركة حماس.
وقال المحلل العسكري للصحيفة "أليكس فيشمان" في مقال افتتاحي: "إن نتنياهو قرر تغيير سياسة حكومته من إسقاط حكومة حماس إلى تخفيف إجراءات الحصار بصورة فاعلة، أملا في دفع حماس إلى أحضان ما وصفه بـ (المعسكر السني) الأكثر اعتدالاً في المنطقة.
وقال "شلومو بروم" كبير الباحثين بمعهد دراسات الأمن القومي، وهو معهد أبحاث مستقل في تل أبيب: "يلعب خالد مشعل حاليا دورا أكثر إيجابية من وجهة نظر إسرائيل، وبوجه عام، فإن حماس منقسمة إلى فصيلين، فصيل غزة والفصيل الخارجي، وهناك نقاش بين الاثنين على عدة مستويات، وفصيل مشعل الخارجي أكثر اعتدالا بكثير، وهذا سبب أهميته لإسرائيل".
وحيث يعتبر الكثير من السياسيين في إسرائيل أن خالد مشعل تبنى في السنوات الماضية موقفا يقوم على تأييد فكرة إبرام هدنة طويلة في مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل حرب عام 1967، (الأرض مقابل السلام)، وأن العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية سوف تتغير إذا استطاع خالد مشعل تغيير سياسة حماس والدخول في حوار جاد مع الجانب الإسرائيلي، إما مباشرةً أو عن طريق وسيط.
ويقول "عوزي رابي" مدير مركز موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط: "رسميا نقول إننا لا نتعامل معهم (أي حماس)، لكن الأمور تتغير أمام أعيننا، إذا ما كان خالد مشعل قادرا على إنفاذ كلمته فسوف يتباحث معه أحد من هنا حتى لو سراً".
وكان لدى بعض القادة الإسرائيليين وجهة نظر مختلفة في حرب غزة الأخيرة التي استمرت أكثر من أسبوع وانتهت بهدنة ووقف لإطلاق النار، خاصة بعد تطهير قيادات حماس وتدمير مراكز قوتها وشن سلسلة من الهجمات الجوية وابتعاد حماس عن المظلة الإيرانية، ودفعها إلى اتجاه المعسكر السني (مصر وقطر)، وهنا يلعب خالد مشعل الدور الرئيسي في هذا التغير الإقليمي.
عندما تناقلت وسائل الإعلام المختلفة ما قاله خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بأن الحركة تقبل بالدولة الفلسطينية على حدود 1967 استغرب البعض من هذا التغير المفاجئ الذي طرأ على النهج الاستراتيجي والأسلوب التكتيكي لدى حماس، ولكن لا بد أن تلعب مصر دور الوسيط تحت حكومة الدكتور مرسي للوصول إلى تحقيق أهداف حماس وحتماً ستضمن لإسرائيل أن تحقق أهدافها من جهة. حيث يرى الكثيرون أن استكمال مشروع حكم الإخوان المسلمين وسيطرتهم على حكومات دول الربيع العربي لتشمل فلسطين، وربما في المستقبل الأردن وسوريا، سوف تجعل المحادثات أكثر جدية، ولا يمكن حدوث هذا إلا بمباركة إسرائيلية أمريكية. وهنا لا بد لحماس أن تمتلك جميع أوراق اللعبة عسكريا وسياسياً، ولعل الإسرائيليين أبلغوا السيد محمود عباس بأن هناك سياسة جديدة في المنطقة، وأن إسرائيل يمكنها أن تجلس وتتحاور مع حماس.
ومؤخراً أعلن خالد مشعل أنه لن يترشح لرئاسة المكتب السياسي، في خطوة ربما تمهيدا لتهيئة نفسه كبديل لمحمود عباس في قيادة المرحلة القادمة، حيث بدا من الواضح أن الحركة ستسير قدما نحو المصالحة، لذا فإن حماس ترى أن عليها أن تتهيأ لقيادة مركز القرار الفلسطيني، من أجل وضع نهاية لعقود من الصراع في الشرق الأوسط، هذا إن أحسنت قيادة حركة حماس معالجة قضاياها الداخلية والخارجية، وانتهجت نفس سياسة جماعة الإخوان المسلمين، لأن الشعوب العربية تتعاطف مع المنهج الإسلامي وتتقبل سياستهم، ومن جهة أخرى تتماشى مع أمريكا ومصالحها في المنطقة.
يبدو أن الأيام القليلة القادمة سوف تكون حبلى بالكثير من المفاجآت، وستتكشف لنا الكثير من الحقائق، كما قال الشاعر طرفة بن العبد: ستبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلا، ويأتيك بالأخبارِ من لم تُزوِّدِ.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4800
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
801
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2517
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3342
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1191
| 01 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1020
| 06 أكتوبر 2026