رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

414

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

الصين ونحن.. لماذا يُصنَعُ المستقبل هناك ويتعثر هنا؟

14 يناير 2026 , 12:00ص

العالم يتغير بوتيرة لم يسبق لها مثيل، اللاعبون الجدد يظهرون على المسرح الدولي، يصنعون المستقبل بينما نحن نراقب، ننتظر، أو نحاول اللحاق بالركب، السؤال اليوم: لماذا يصنع الآخرون نهضتهم بينما نتمسك نحن بالفرص الضائعة؟

من يتابع حركة العالم اليوم يدرك أن الخريطة لم تعد كما كانت، وأن موازين القوة تتحرك خارج الأطر التقليدية، فالصين التي كانت قبل سبعين عامًا تبحث عن القوت، أصبحت اليوم مصنعًا ومختبرًا وممرًا للمستقبل، بينما بقيت منطقتنا العربية، رغم اتساعها وثرواتها، ساحةً يتنافس فيها الآخرون بدل أن تكون طرفًا في صنع قواعد اللعبة.

هذه المقارنة ليست من باب النحيب السياسي ولا جلد الذات، بل من باب التشخيص، فالصين لم تكن دولة موارد طبيعية، ولم تكن تملك نفطًا ولا غازًا ولا امتيازات جغرافية تشبه ما في منطقتنا من ممرات ومضائق وموانئ، لكنها امتلكت شيئًا واحدًا حاسمًا: المشروع، مشروع الدولة لا مشروع الخطاب، مشروع البناء لا مشروع الاستهلاك، مشروع الفعل لا مشروع الترقب.

الصين بدأت بمعركة الداخل، رتبت القرار، ورفعت قيمة التعليم، ودفعت بالبحث العلمي إلى المصانع والجامعات، وربطت اقتصادها بالعالم عبر التجارة لا عبر الأمنيات، ثم خرجت للعالم بحزام وطريق وسلاسل توريد وموانئ وخريطة نفوذ تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وإفريقيا.

في المقابل، بقيت المنطقة العربية منشغلة بصراعات متتابعة لم تنتج دولة قوية ولا اقتصادًا تنافسيًا ولا إنسانًا مهيأً للعصر الجديد، فالصين صنعت نهضتها بمهندسيها وعلمائها ومدرسيها، بينما بقي كثير من العرب ينتظرون أن تصنعهم أسعار النفط أو التحولات الدولية.

قد يعتقد البعض أن النظام السياسي في الصين هو من صنع هذه النهضة، لكن الحقيقة أن الفارق ليس في شكل النظام، بل في المشروع والرؤية والفعل، فكل أنواع الأنظمة موجودة في المنطقة العربية، من ملكيات إلى جمهوريات، فلماذا فشلت في أن تصنع ما صنعته الصين؟، أو سنغافورة؟ أو كوريا؟ فضلًا عن باقي نمور آسيا، الجواب: لأنها لم تبنِ مشروعًا حقيقيًا يرتكز على الإنسان والتعليم والتنظيم، وعلى رؤية حقيقية مستدامة ومستقرة تتبناها مؤسسات الدولة.

لم تنتظر الصين، ولا دول نمور آسيا، أن تطالبها الأمم المتحدة بوضع خطة وطنية استراتيجية، بل كانت خططها دائمًا ثمرة حرص على مستقبل شعوبها، ومشروعا حقيقيا يبني الأمة، في المقابل، كثير من دول منطقتنا العربية، أقولها للأسف، منشغلة بالشكليات أكثر من الجوهر، فتُقدَّم الرؤى الوطنية في إطارات جميلة، لكنها خالية من المضمون، وغير مرتبطة بالواقع، هي مجرد تنفيذ لما يُطلب خارجيًا، ولذلك لم نبن مشروعًا حتى الآن، وكانت نتيجة هذه الاستراتيجيات أن ما يُقدَّم لا يرتقي لتطلعات شعوبنا.

واليوم يشهد الشرق الأوسط التنافس الأمريكي الصيني عن كثب، لكنه غالبًا يراقب اللعبة من موقع الممر بدل أن يكون صانعها، فالطاقة، والموانئ، والأمن الغذائي، وخطوط النقل، والممرات البحرية كلها ملفات يتعامل معها الآخرون كمدخل للقوة، ونتعامل معها نحن كعوائد أو فرص مؤقتة.

ومع ذلك، فإن دول الخليج، ومنها قطر، تمتلك فرصة تاريخية نادرة: استقرار سياسي، قدرة مالية، ورؤية تنموية، وموقع جغرافي حيوي يجعل من الدولة لاعبًا لا متلقيًا، وإذا كان العالم يدخل مرحلة إعادة تشكيل الأوراق، فمن الحكمة ألا نكتفي بمقاعد المتفرجين ولا أن نحصر دورنا في التمويل أو الوساطة.

الفرصة الحقيقية اليوم تكمن في الإنسان لا الموارد فقط، التعليم المتقدم، البحث العلمي، الابتكار التكنولوجي، وتطوير المهارات، كلها عوامل يمكن أن تحول دول المنطقة من مجرد ممر استراتيجي إلى قوة فاعلة في القرن الحادي والعشرين.

إن المشاريع الكبرى، مثل مبادرات التعليم في قطر، أو الاستثمار في الطاقة النظيفة، أو الصناعة المعرفية، ليست رفاهية، بل أدوات لبناء المستقبل إذا استثمرت الدول مواردها في الإنسان، سيصبح هذا الأخير هو الذي يصنع الاقتصاد، ويحدد موازين القوة، ويعيد للمنطقة دورها الريادي، بدل أن يظل التاريخ يكتبها بدلاً عنها.

وختامًا، علينا كعرب أن نسأل أنفسنا: ما هي وجهتنا؟ وماذا نريد أن نصنع؟ وبأي مشروع ندخل إلى المستقبل؟ وعندما يتأخر الجواب، لن يتأخر الآخرون في كتابة بقية النص لحسابهم لا لحسابنا.

مساحة إعلانية