رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

312

هديل رشاد

كابوس محمد عبد الغني

14 يناير 2026 , 02:30ص

قبل ثلاثين عاما، كان الطبيب المصري محمد عبد الغني قاسم عمر ـ من مدينة الزقازيق في محافظة الشرقية بمصر ـ على موعد مع حياة أخرى، فقد استطاع أن يحصل على عقد عمل مغر في المملكة العربية السعودية للعمل بأكبر المستشفيات كطبيب استشاري، كان العقد بالنسبة له بابا واسعا للخلاص من ضيق العيش وتأمين مستقبل كريم لأسرته وأبنائه الثلاثة، حلم بسيط ومشروع: أن يعود يوما إلى بلده وقد ترك أبناءه واقفين على أقدامهم دون حاجة.

ما كان الرجل يعلم أن عقد العمل ذاته سيصبح بعد عقود سيفا مسلطا على رقبته، وكابوسا يقض مضجعه، وأنَّ رياح الغربة التي ظن أنه سيبحر عبرها إلى برّ الأمان، ستعيده إلى الشاطئ مكسورا ومهددا ومجردا من أكثر ما حاول أن يبنيه: أسرتهُ.

القصة هنا لا تبدأ من الطائرة التي أقلته إلى الخليج، بل من اللحظة التي قرر فيها العودة إلى مسقط رأسه بعد ثلاثين عاما من العمل المتواصل، حين أعلن لأبنائه عبر اتصال هاتفي أنه سيعود أخيرا إليهم ليستريح، إلا أنه لمس رد فعل مناقض لتوقعاته، مغترب عاش حياته كي يعود، فبدل أن يُستقبل بكلمات الامتنان لصنيعه على مدار سنوات الغربة، واجهه ابنه الأكبر بنبرة صوت حادة، وبأسلوب لم يعتده من ابنه العاطل عن العمل، الذي يعتمد هو وأسرته على أموال والده، وتهديدات قانونية، وبالتحريض المباشر بالسجن من ابنته الكبرى، التي وصفها الأب في أحد مناشداته بـ «رأس الأفعى»، مذكّرا كيف كانت عاقة بوالدتها قبل وفاتها.

بعد هذا الإعلان، اكتشف الطبيب أن ابنه الأكبر استغل التوكيل العام الذي منحه إياه طوال السنوات لإدارة أملاكه، وباع حوالي عشر وحدات سكنية دون أن يحوّل جنيها واحدا إلى والده، في سياق خيانة مكتملة الأركان، إذ تتجسد فيها كل علامات العقوق: الإنكار، الجحود، استغلال السلطة، والتعدي على الروابط الأسرية بكل وقاحة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تفاقمت الأزمة بتحريض الابنة الكبرى، التي أدت دورها في التهديد بسجن والدها، ما جعله عالقا في بلد الاغتراب نفسه، بلا قدرة على العودة إلى مصر لتسوية أموره أو حماية نفسه، حتى أصيب الأب بنزيف دماغي نتيجة الصدمة النفسية الشديدة، وهو احتمال لا يستغربه أحد بعد ما مر به من صدمة عاطفية ومالية في وقت واحد.

القصة تكشف أكثر من زاوية اجتماعية من وجهة نظري، أولا.. غياب الأب التربوي في حياة الأبناء، على الرغم من حضوره المالي، غاب الحضور اليومي الذي يصنع الاحترام والامتنان، فالوقت المشترك، النقاشات، الاحتكاك، والقدوة اليومية أهم بكثير من المال وحده في بناء القيم لاسيما في حال غاب دور الأم التربوي، ثانيا.. الاستحقاق بدل الامتنان: الأبناء الذين تربوا على فكرة أن كل ما يقدمه الأب واجب مفترض لا يُشكر عليه، يتحول العطاء لديهم إلى حق مكتسب، ما يجعل العقوق سلوكا لا إراديا عند أول تجربة تمكِّن الأبناء من امتلاك قوة مالية أو قانونية، ثالثا.. هناك البعد النفسي للقسوة الأسرية، فالتعامل مع والد كريم وغياب الرادع الأخلاقي يؤدي إلى شعور بالانفصال عن الفطرة، حيث يُنظر إلى الوالد كمصدر دائم للمال، لا ككائن يحتاج إلى الاحترام والاعتراف بحقوقه وبره.

أما البعد القانوني، فالتوكيل العام أعطى للابن سُلطة التصرف في الأملاك، وأصبح أداة للاستيلاء المشروع قانونيا، والقانون لا يحمي «المغفلين»، ولا يحمي القيم الأخلاقية شفاهة، لأن القانون يتعامل مع أوراق ثبوتية وعقود لا مع المشاعر، لتتصادم العدالة القانونية مع العدالة الإنسانية.

وقد يكون البعد الديني في هذه القصة هو الأهم، فحتى لو حاول البعض تبرير العقوق بردّه إلى غياب الأب أو تقصيره التربوي، فإن الدين لا يسمح بذلك، الإسلام أمر بالإحسان للوالدين في كل الأحوال، حتى إذا كان الوالدان مقصرين أو مختلفين عقائديا، فالقرآن واضح وصريح، لقوله تعالى «وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفا» [لقمان: 15]. فبر الوالدين واجب لا محالة طالما لم يكن في معصية الخالق.

قصة الطبيب محمد عبد الغني قاسم عمر ليست خلافا عائليا عابرا، بل جرس إنذار ومرآة تعكس دواخل البعض ممن يحيون في مجتمعاتنا وهم منسلخون عن قيمهم الإنسانية ومبادئهم الدينية، حيث تتحول الروابط الأسرية إلى حسابات مالية، ويغيب الاحترام عمن بذلوا أعمارهم آباء وأمهات ليؤمنوا حياة كريمة لأبنائهم ولتنشئتهم التنشئة السليمة. 

ختاما...

العقوق ليس ممارسة، بل هو جنوح إلى اللا أخلاق من قبل الأبناء، وإلى التخفف من مبادئ الشريعة الإسلامية التي أكدت صراحة على بر الوالدين ولم تترك الأمر لاجتهاد الفقهاء، فقال الله تعالى في محكم تنزيله «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا» [الإسراء: 23]. وهذا ليس مجرد وصية أخلاقية، بل حكم حاسم يوضح لكل ابن وابنة أن الإحسان للوالدين واجب ثابت، والعقوق لا يبرره تقصير الوالدين.

مساحة إعلانية