رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يأتي الحديث هذه الأيام عن إرهاب "إسرائيل" في سياق فعاليات أسبوع مقاومة "الأبارتهايد" الصهيوني ضد الفلسطينيين، وبعد تصريحات رئيس الوزراء التركي "أردوغان" أمام منتدى تحالف الحضارات الأممي في فيينا قبل أسبوعين التي ذكر فيها الحاضرين والمتحالفين بعنصرية وجرائمية الصهيونية وقارنها بمعاداة السامية وفوبيا الخوف من الإسلام.. وما تبع ذلك من ردات فعل مؤيدة له أو معقبة عليه أو رافضة ومستنكرة لما أدلى به..
وأرى أن موضوع الإرهاب الإسرائيلي لا يجوز أن يظل رهن التذكر أو النسيان وأحيانية التوسع والتضيّق أو حسب الاهتمام وعدمه فإرهاب "إسرائيل" إرهاب أصيل ولابد من تناوله بما يستحق من التأصيل والتفصيل وأن يكون ثقافة الناشئة حتى لا تتكرر العثرة في الأجيال القادمة كما هي في جيلنا والذي سبقه.. وأقول:
إرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " ليس لاقترانه بوقت الأصيل الذي يستطيب الشعراء التغني به دون بقية الأوقات فهو يتجاوز التوقيت ليل ونهار، وهو أصيل ليس من الأصالة التي تعني شرف الأصل فما هو ولا أصله إلا عفونات متراكبة وقذارات منفلتة.. ولكن من التأصل بمعنى التوطن والثبات والديمومة كما تتأصل النباتات أو الحيوانات في مكان بعينه، وكما يقال " فلان أصيل في جهته أو في عرقه " أي قادر على تصدير الطباع والعادات لورّاثه وأتباعه.. ومن هذه الوجهة فقط يمكن وصف الإرهاب " الإسرائيلي " بأنه أصيل لأنه بلا شك متأصل في صفاتهم وسلوكهم ووجدانهم وأدمغتهم كما تتوطن النباتات والحيوانات موطنا لا تغادره، ولأن له القدرة على التسلسل من الأجداد إلى الآباء ثم الأبناء والأحفاد حتى سوَّد وجه تاريخهم كله وشوَّه علاقاتهم بكل من واطنهم وعايشهم قبل الذين ناكروهم وعادوهم.
إرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " بشهاداتهم أنفسهم فقد نشرت الصحف " الإسرائيلية " قبل أربعة أشهر تقريبا استطلاعا للرأي أشار إلى أن 58% من الإسرائيليين اليهود يؤيدون نظام " الأبارتهايد " في حال ضمت " إسرائيل " المناطق المحتلة – للعلم فالأبارتهايد: تسمية إفريقية لنظام الفصل العنصري الذي حكمت الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من خلاله في الفترة بين (1948 – 1993) نتائج الاستطلاع المشار إليه أثارت القلق لدى القيادات العربية بقدر ما أخزت بعض أوساط الليبراليين اليهود غير المتدينين.. والحقيقة أنه لا جديد في هذا الاستطلاع لأنه مجرد كشف للقناع عن المعنى الحقيقي لدولة يهودية مذهبية وإن من ميزة فيه فإنه أظهر قذارة العنصرية المتفشية في شرائح واسعة في هذا الكيان العنصري البغيض.
وإرهاب " إسرائيل " إرهاب أصيل.. لأنه ليس مجرد فكرة طارئة على ثقافتهم في لحظة انفلات وعدم اتزان ولا هو بتأثير مفكر استثنائي أو زعيم سادي مر على حياتهم ووصم تاريخهم كموسوليني أو لينين.. ولكن لأنه تجاوز دائما كل القواسم وكل تشابك المصالح وكل تقارب بين الثقافات وكل المصالح وكل مقتضيات المعايشة والمجاورة ولأنه احتفظ دائما بالحد الأعلى من العدوانية والكراهية.. والنموذج ماثل اليوم في معزل عن كل ثقافة السلام والانفتاح والعولمة والحريات وحقوق الإنسان وحيث يفشلون كل مساعي السلام والتسوية منذ عشرات السنين ويحرجون كل من يقترب منهم أو يتوقع سلمهم رغم زهادة المطلوب وعظم المأمول!!
وإرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " لأنه ينبع من أفكار ظلامية تخيلوها ونسجوها وكتبوها منذ تاريخهم الأول حتى صارت عقيدة فكرية وهوية تاريخية من السابق إلى اللاحق ومن السلف إلى لخلف.. مثال على ذلك - مجرد مثال دون استقصاء - جاء في سفر الأعداد من توراتهم المحرفة 7 – 18 ( سخط موسى وقال لهم : هل أبقيتم كل أنثى حية؟ فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلا بزواج.. ) وفي سفر يشوع 28 – 34 يتحدث عن مدن أعدائهم فيقول: (فنزلوا عليها وحاربوها وضربوها بحد السيف.. هي وكل نفس بها حتى لم يبق منها شارد) لاحظ عبارات اقتلوا كل ذكر وكل امرأة! وعبارة كل نفس بها! التي تؤصل فيهم عقيدة الكراهية وسلوك التطهير العرقي وجرائم الحرب.. فهل هذا كلام رب أو حتى أناس أسوياء أم كلام وسواس خناس وشيطان رجيم؟
إرهاب " إسرائيل " أيضا إرهاب أصيل لأنهم مارسوه على أنبيائهم قبل أن يمارسوه على أحد سواهم؛ فهم الذين قال القرآن فيهم (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) ووصمهم بأنهم حرفوا دينهم ووسخوا عقيدتهم – دينهم هم وعقيدتهم هم – فقال: (يحرفون الكلم عن مواضعه) وأثبت أنهم حاولوا قتل النبي عيسى - عليه السلام - لولا أن ألقى الله تعالى شبهه على يهودي منهم فقتلوه بدلا منه فقال: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وبين أن قباحتهم ووقاحتهم وصلت أن طعنوا في رب العزة ذاته جل قدره وعلا شأنه وأنهم قالوا ( يد الله مغلولة ) وقالوا ( إن الله فقير ونحن أغنياء ).. ولولا أن الموضع لا يحتمل الاستفاضة في نقل الشواهد والنصوص التي تدمغهم بالإرهاب المتأصل المتوارث لأفضت وأفضيت وأوفيت..
وإرهاب إسرائيل إرهاب " أصيل " لأنه استمر في المراحل الثلاث لكيانهم منذ قيام هذا المسخ إلى توسعة مرحلة التسوية ومحاولة الاندماج في المحيط الديموغرافي حوله فقد قام على التهجير وهدم مئات القرى وعلى المجازر الجماعية؟ ثم توسع فاحتل كل فلسطين وأراضي من سوريا ومصر ولبنان والأردن احتلالا كولونياليا استيطانيا غير عابئ بحقوق الإنسان والمعاهدات والمؤسسات والرأي العام العالمي الحافظ لها! ثم هو يمارس يوميا ولحظيا ضد المدنيين العزل كل أنواع وأشكال الإرهاب من قتل ممنهج ومستهدف وعقاب جماعي وتضييق على الحريات والحقوق الإنسانية والاجتماعية والصحية والاقتصادية والأمنية ومن انتهاكات حقوق الملكية الخاصة ومصادرة الأراضي وإقامة المستعمرات العسكرية والأمنية والاقتصادية والديموغرافية، ومن إذلال الناس على الحواجز العسكرية وعرقلة حركتهم ومنعها، ومن تخريب زراعتهم وتعويق ترميم البنى التحتية لمدنهم وقراهم التي لا يقوم أي مجتمع إنساني في أبسط صوره إلا عليها.. وحتى الأمم المتحدة التي حضنت هذا الكيان العاقّ الإرهابي ومنحته النسب وشهادة الميلاد وجدناه يحتقرها ويعادي مؤسساتها لمجرد أنها جاملت القيم الأخلاقية أحيانا فطاولته بنقد خجول ولسان متلجلج.
وإرهاب " إسرائيل " إرهاب أصيل لأنها في زمن الانفتاح والعولمة والتسامح الإنساني تبني أسوارا مادية ومعنوية حول نفسها وشعبها وتقرر عزل مواطنيها من اليهود في أتوبيسات منفصلة عن الأعراق الأخرى، ولأنها في زمن الوطنيات والإقليميات والعلمانيات تنادي لنفسها بدولة يهودية دينية توراتية عنصرية متطرفة.. ولأنها في زمن التوسع الإعلامي وانفتاح الآفاق والأجواء ليس على القارات السبع فقط بل وعلى الكواكب من حول الأرض تمارس كل أنواع الفظائع وكل ألوان التخريب والتدمير الممنهج للإنسان.. ولأنها في زمن المساواة والتبادل الثقافي تصف غير اليهود بالصراصير والأفاعي والجراذين والعقارب ويفتي حاخاماتها بقتل الناس على جنسهم وجنسياتهم.. ليراجع في ذلك ما ورد أكثر من مرة على لسان السادي المأفون " عوفاديا يوسف " الحاخام والرمز الديني..
آخر القول: لا يجوز أن يظل الحديث عن الإرهاب " الإسرائيلي " رهن التصعيد والتخفيض حسب حالة المواجهة ونوع الملفات المطروحة على الطاولة أو التفرغ والانشغال.. ولا يجوز أن يظل هذا الموضوع الإستراتيجي والخطير خاضعا للأحيانية ولكن يجب أن يظل على أجندة كل كاتب وكل وطني وأن يتحول لمنهجية بنائية.. هذا – بالطبع - إن أردنا أن نعرف عدونا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3033
| 24 سبتمبر 2026