رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حامد أحمد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

15

د. حامد أحمد المرواني

من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟

29 سبتمبر 2026 , 12:00ص

بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء حول الطاولة التي كان يتصدرها طوال عقود. الكرسي نفسه موجود، والشركة ما زالت تعمل، والموظفون في مواقعهم، لكن السؤال الذي يتجنب الجميع طرحه يصبح حاضرًا بقوة: من يقود الشركة الآن؟

أسهمت الشركات العائلية الكبرى في قطر في بناء قطاعات مهمة من الاقتصاد الوطني، وتحولت بعض المشروعات التي بدأها الآباء قبل عقود إلى مجموعات كبيرة تعمل في التجارة والعقار والمقاولات والصناعة والضيافة والخدمات. ولم تعد أهميتها محصورة في الثروة التي حققتها لملاكها، بل أصبحت تمثل قيمة مضافة للاقتصاد؛ فهي توظف أعدادًا كبيرة من العاملين، وتحرك شبكة واسعة من الموردين والمقاولين، وتستثمر رؤوس الأموال داخل الدولة، وتنقل الخبرة بين الأجيال، وتسهم في تنويع النشاط الاقتصادي.

ولهذا فإن استمرارها لا يخص العائلة صاحبة الشركة وحدها. فعندما تنجح شركة عائلية كبرى في الانتقال من جيل إلى آخر، يحتفظ الاقتصاد بمؤسسة بنت اسمها وخبرتها وعلاقاتها خلال عقود. أما عندما تتعثر بسبب صراع الورثة، فقد لا تخسر العائلة جزءًا من ثروتها فقط، بل يخسر الاقتصاد شركة فاعلة ووظائف وخبرات ومصالح مرتبطة بها.

في حياة المؤسس، تبدو الأمور مستقرة. فهو غالبًا صاحب القرار والمرجع الذي يعود إليه الأبناء والمديرون عند الاختلاف، سواء تولى رئاسة مجلس الإدارة بنفسه أو ظل حاضرًا خلف القرارات الكبرى. كما يعرف العملاء والموردين، وتثق به البنوك، ويستطيع بحكم مكانته داخل الأسرة أن يحسم خلال دقائق خلافًا قد يحتاج غيره إلى اجتماعات طويلة.

لكن هذه القوة قد تخفي نقطة ضعف خطيرة: أن تكون الشركة قائمة على المؤسس أكثر من قيامها على نظام مؤسسي واضح.

ولعل الاختبار الأبسط هو أن يسأل المؤسس نفسه: هل تستطيع الشركة اتخاذ قراراتها والاستمرار ثلاثة أشهر إذا ابتعدتُ عنها تمامًا؟ إذا كانت الإجابة لا، فإن الشركة ما زالت تعتمد على الشخص أكثر من اعتمادها على النظام.

بعد رحيل المؤسس، لا تنتقل إلى الورثة الأموال والعقارات والحصص أو الأسهم فقط، بل تنتقل إليهم أيضًا مسؤولية القيادة، وهنا يظهر السؤال الحساس: من يقود الشركة؟

قد يرى الابن الأكبر أن الرئاسة حق طبيعي له، بينما يعتقد أخوه الأكثر خبرة أنه الأجدر. وقد يكون بين الأبناء من عمل مع والده سنوات طويلة، ومن لم يعمل في الشركة يومًا واحدًا، ومع ذلك فإن الجميع شركاء في الملكية. وقد يرغب بعض الورثة في التوسع وإعادة استثمار الأرباح، بينما يفضل آخرون الحصول على توزيعات نقدية أكبر. ومع دخول الأحفاد، يزداد عدد الملاك وتتباعد اهتماماتهم، ويصبح اتخاذ القرار أكثر صعوبة.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الخلط بين الملكية والإدارة.

من يملك حصصًا أو أسهمًا في الشركة له حقوق مالية وتصويتية، لكنه لا يصبح بذلك مؤهلًا لإدارتها. فالملكية تنتقل بالإرث، أما الكفاءة الإدارية فلا تنتقل بالطريقة نفسها. وقد يكون أحد أفراد العائلة مالكًا كبيرًا، لكنه لا يمتلك الخبرة أو الوقت أو الرغبة في تولي منصب تنفيذي.

وعندما لا يكون هذا الفرق واضحًا، تتحول المناصب إلى وسيلة لإرضاء أفراد الأسرة. يُعيَّن أحد الأبناء مديرًا لأنه ابن المؤسس، ويُمنح آخر منصبًا مماثلًا حتى لا يشعر بالتمييز، ثم تبدأ المنافسة على الصلاحيات والرواتب والمكاتب. وبعد فترة قد يجد الموظفون أنفسهم أمام أكثر من مركز للقرار؛ فكل فرد من العائلة يصدر توجيهاته، وكل طرف يتوقع من الإدارة التنفيذية أن تقف إلى جانبه.

في هذه البيئة لا تتعطل القرارات فقط، بل تبدأ الكفاءات المهنية في مغادرة الشركة. فالمدير المحترف يستطيع التعامل مع مجلس إدارة قوي، لكنه لا يستطيع العمل طويلًا داخل صراع عائلي لا يعرف فيه لمن تكون الكلمة الأخيرة. وقد يستغل بعض المديرين الخلاف، فيقترب كل منهم من أحد أطراف العائلة ويحمي موقعه بالولاء للأشخاص بدلًا من تحقيق مصلحة الشركة.

ومع ذلك، يمكن تجنب كثير من هذه المشكلات إذا بدأ المؤسس التخطيط في الوقت المناسب.

الخطوة الأولى هي إعداد خطة مكتوبة للخلافة القيادية، تحدد من سيتولى المسؤولية، وكيف سيتم اختياره، وما المؤهلات المطلوبة، ومن يملك حق تعيينه ومحاسبته. وقد يتولى أحد الأبناء المؤهلين القيادة، أو يُعيَّن رئيس تنفيذي محترف من خارج العائلة. المهم ألا يُبنى القرار على العمر أو القرب من المؤسس، بل على الكفاءة والقدرة على حماية الشركة وتطويرها.

والخطوة الثانية هي وضع قواعد واضحة لعمل أفراد العائلة. هل يحق لكل ابن أو حفيد أن يعمل في الشركة؟ ما المؤهلات المطلوبة؟ هل يجب أن يكتسب خبرة خارجية أولًا؟ ومن يحدد راتبه ويقيّم أداءه ويقرر ترقيته؟ عندما تكون الشروط معروفة مسبقًا، يصبح التعيين قرارًا مهنيًا، ولا يتحول رفض توظيف أحد أفراد العائلة أو ترقيته إلى خلاف شخصي.

ويمكن جمع هذه القواعد في «دستور عائلي» يحدد علاقة الأسرة بالشركة، وشروط العمل فيها، وانتقال الملكية، وآلية تسوية الخلافات. فالحوكمة لا تُخرج الشركة من يد العائلة، بل تمنع الخلافات العائلية من إخراج الشركة من السوق.

أما الخطوة الثالثة فهي الفصل بين مجلس العائلة ومجلس الإدارة. فمجلس العائلة يناقش شؤون الملاك، مثل توزيع الأرباح، ودخول أفراد الأسرة إلى العمل، وانتقال الحصص وتسوية الخلافات. أما مجلس الإدارة فمهمته اعتماد استراتيجية الشركة، ومتابعة أدائها، واختيار الإدارة التنفيذية ومحاسبتها.

وتأتي بعد ذلك أهمية وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة. فالعضو المستقل لا يمثل أحد فروع العائلة، ويمكنه تقديم رأي مهني عند اختلاف الأطراف. لكن استقلاله يجب أن يكون حقيقيًا؛ فلا يكون صديقًا لأحد الملاك أو اسمًا يضاف لاستكمال الشكل القانوني، بل صاحب خبرة قادرًا على الاعتراض وطرح الأسئلة الصعبة.

كذلك تحتاج الشركة إلى اتفاق واضح ينظم انتقال الحصص أو الأسهم وبيعها. فقد يرغب أحد الورثة في الخروج، بينما يتمسك الآخرون ببقاء الملكية داخل العائلة. وإذا لم توجد آلية مسبقة لتقييم الحصص وشرائها، فقد يتحول خروج شريك واحد إلى نزاع طويل.

ومن المهم أيضًا الاتفاق على سياسة توزيع الأرباح. فبعض أفراد العائلة يعتمدون عليها لتغطية التزاماتهم، بينما ترى الإدارة أن التوسع يحتاج إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من الأرباح. وعندما لا توجد سياسة معلنة، يتحول القرار المالي كل عام إلى مواجهة بين من يريد حماية سيولة الشركة ومن يريد زيادة دخله الشخصي.

وأفضل وقت لتنظيم هذه المسائل هو عندما تكون العلاقة بين أفراد الأسرة جيدة، والمؤسس حاضرًا وقادرًا على جمعهم. أما الانتظار حتى يقع الخلاف، فيجعل كل قاعدة مقترحة تبدو وكأنها وضعت لمصلحة طرف ضد آخر.

وعلى الرغم من أن ملكية هذه الشركات تعود إلى عائلاتها، فإن أثرها يتجاوز ملاكها ويمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. ولذلك فإن حمايتها من صراعات ما بعد المؤسس لا تمثل مصلحة عائلية فحسب، بل مصلحة للاقتصاد الوطني أيضًا.

ولا يعني التخطيط لما بعد المؤسس التشاؤم أو استعجال الغياب، بل هو آخر وأهم قرار قيادي يتخذه المؤسس لحماية ما بناه. فأعظم ما يتركه ليس المباني والأصول والاسم التجاري فقط، بل نظام قادر على حماية هذه الإنجازات بعد رحيله.

فالشركة التي لا تستطيع الاستمرار من دون مؤسسها قد تكون مشروعًا ناجحًا، لكنها لم تتحول بعد إلى مؤسسة حقيقية.

اقرأ المزيد

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟ لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات... اقرأ المزيد

8994

| 20 سبتمبر 2026

المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة

في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة... اقرأ المزيد

7233

| 15 سبتمبر 2026

غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها

لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة... اقرأ المزيد

5439

| 13 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية