رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء حول الطاولة التي كان يتصدرها طوال عقود. الكرسي نفسه موجود، والشركة ما زالت تعمل، والموظفون في مواقعهم، لكن السؤال الذي يتجنب الجميع طرحه يصبح حاضرًا بقوة: من يقود الشركة الآن؟
أسهمت الشركات العائلية الكبرى في قطر في بناء قطاعات مهمة من الاقتصاد الوطني، وتحولت بعض المشروعات التي بدأها الآباء قبل عقود إلى مجموعات كبيرة تعمل في التجارة والعقار والمقاولات والصناعة والضيافة والخدمات. ولم تعد أهميتها محصورة في الثروة التي حققتها لملاكها، بل أصبحت تمثل قيمة مضافة للاقتصاد؛ فهي توظف أعدادًا كبيرة من العاملين، وتحرك شبكة واسعة من الموردين والمقاولين، وتستثمر رؤوس الأموال داخل الدولة، وتنقل الخبرة بين الأجيال، وتسهم في تنويع النشاط الاقتصادي.
ولهذا فإن استمرارها لا يخص العائلة صاحبة الشركة وحدها. فعندما تنجح شركة عائلية كبرى في الانتقال من جيل إلى آخر، يحتفظ الاقتصاد بمؤسسة بنت اسمها وخبرتها وعلاقاتها خلال عقود. أما عندما تتعثر بسبب صراع الورثة، فقد لا تخسر العائلة جزءًا من ثروتها فقط، بل يخسر الاقتصاد شركة فاعلة ووظائف وخبرات ومصالح مرتبطة بها.
في حياة المؤسس، تبدو الأمور مستقرة. فهو غالبًا صاحب القرار والمرجع الذي يعود إليه الأبناء والمديرون عند الاختلاف، سواء تولى رئاسة مجلس الإدارة بنفسه أو ظل حاضرًا خلف القرارات الكبرى. كما يعرف العملاء والموردين، وتثق به البنوك، ويستطيع بحكم مكانته داخل الأسرة أن يحسم خلال دقائق خلافًا قد يحتاج غيره إلى اجتماعات طويلة.
لكن هذه القوة قد تخفي نقطة ضعف خطيرة: أن تكون الشركة قائمة على المؤسس أكثر من قيامها على نظام مؤسسي واضح.
ولعل الاختبار الأبسط هو أن يسأل المؤسس نفسه: هل تستطيع الشركة اتخاذ قراراتها والاستمرار ثلاثة أشهر إذا ابتعدتُ عنها تمامًا؟ إذا كانت الإجابة لا، فإن الشركة ما زالت تعتمد على الشخص أكثر من اعتمادها على النظام.
بعد رحيل المؤسس، لا تنتقل إلى الورثة الأموال والعقارات والحصص أو الأسهم فقط، بل تنتقل إليهم أيضًا مسؤولية القيادة، وهنا يظهر السؤال الحساس: من يقود الشركة؟
قد يرى الابن الأكبر أن الرئاسة حق طبيعي له، بينما يعتقد أخوه الأكثر خبرة أنه الأجدر. وقد يكون بين الأبناء من عمل مع والده سنوات طويلة، ومن لم يعمل في الشركة يومًا واحدًا، ومع ذلك فإن الجميع شركاء في الملكية. وقد يرغب بعض الورثة في التوسع وإعادة استثمار الأرباح، بينما يفضل آخرون الحصول على توزيعات نقدية أكبر. ومع دخول الأحفاد، يزداد عدد الملاك وتتباعد اهتماماتهم، ويصبح اتخاذ القرار أكثر صعوبة.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: الخلط بين الملكية والإدارة.
من يملك حصصًا أو أسهمًا في الشركة له حقوق مالية وتصويتية، لكنه لا يصبح بذلك مؤهلًا لإدارتها. فالملكية تنتقل بالإرث، أما الكفاءة الإدارية فلا تنتقل بالطريقة نفسها. وقد يكون أحد أفراد العائلة مالكًا كبيرًا، لكنه لا يمتلك الخبرة أو الوقت أو الرغبة في تولي منصب تنفيذي.
وعندما لا يكون هذا الفرق واضحًا، تتحول المناصب إلى وسيلة لإرضاء أفراد الأسرة. يُعيَّن أحد الأبناء مديرًا لأنه ابن المؤسس، ويُمنح آخر منصبًا مماثلًا حتى لا يشعر بالتمييز، ثم تبدأ المنافسة على الصلاحيات والرواتب والمكاتب. وبعد فترة قد يجد الموظفون أنفسهم أمام أكثر من مركز للقرار؛ فكل فرد من العائلة يصدر توجيهاته، وكل طرف يتوقع من الإدارة التنفيذية أن تقف إلى جانبه.
في هذه البيئة لا تتعطل القرارات فقط، بل تبدأ الكفاءات المهنية في مغادرة الشركة. فالمدير المحترف يستطيع التعامل مع مجلس إدارة قوي، لكنه لا يستطيع العمل طويلًا داخل صراع عائلي لا يعرف فيه لمن تكون الكلمة الأخيرة. وقد يستغل بعض المديرين الخلاف، فيقترب كل منهم من أحد أطراف العائلة ويحمي موقعه بالولاء للأشخاص بدلًا من تحقيق مصلحة الشركة.
ومع ذلك، يمكن تجنب كثير من هذه المشكلات إذا بدأ المؤسس التخطيط في الوقت المناسب.
الخطوة الأولى هي إعداد خطة مكتوبة للخلافة القيادية، تحدد من سيتولى المسؤولية، وكيف سيتم اختياره، وما المؤهلات المطلوبة، ومن يملك حق تعيينه ومحاسبته. وقد يتولى أحد الأبناء المؤهلين القيادة، أو يُعيَّن رئيس تنفيذي محترف من خارج العائلة. المهم ألا يُبنى القرار على العمر أو القرب من المؤسس، بل على الكفاءة والقدرة على حماية الشركة وتطويرها.
والخطوة الثانية هي وضع قواعد واضحة لعمل أفراد العائلة. هل يحق لكل ابن أو حفيد أن يعمل في الشركة؟ ما المؤهلات المطلوبة؟ هل يجب أن يكتسب خبرة خارجية أولًا؟ ومن يحدد راتبه ويقيّم أداءه ويقرر ترقيته؟ عندما تكون الشروط معروفة مسبقًا، يصبح التعيين قرارًا مهنيًا، ولا يتحول رفض توظيف أحد أفراد العائلة أو ترقيته إلى خلاف شخصي.
ويمكن جمع هذه القواعد في «دستور عائلي» يحدد علاقة الأسرة بالشركة، وشروط العمل فيها، وانتقال الملكية، وآلية تسوية الخلافات. فالحوكمة لا تُخرج الشركة من يد العائلة، بل تمنع الخلافات العائلية من إخراج الشركة من السوق.
أما الخطوة الثالثة فهي الفصل بين مجلس العائلة ومجلس الإدارة. فمجلس العائلة يناقش شؤون الملاك، مثل توزيع الأرباح، ودخول أفراد الأسرة إلى العمل، وانتقال الحصص وتسوية الخلافات. أما مجلس الإدارة فمهمته اعتماد استراتيجية الشركة، ومتابعة أدائها، واختيار الإدارة التنفيذية ومحاسبتها.
وتأتي بعد ذلك أهمية وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة. فالعضو المستقل لا يمثل أحد فروع العائلة، ويمكنه تقديم رأي مهني عند اختلاف الأطراف. لكن استقلاله يجب أن يكون حقيقيًا؛ فلا يكون صديقًا لأحد الملاك أو اسمًا يضاف لاستكمال الشكل القانوني، بل صاحب خبرة قادرًا على الاعتراض وطرح الأسئلة الصعبة.
كذلك تحتاج الشركة إلى اتفاق واضح ينظم انتقال الحصص أو الأسهم وبيعها. فقد يرغب أحد الورثة في الخروج، بينما يتمسك الآخرون ببقاء الملكية داخل العائلة. وإذا لم توجد آلية مسبقة لتقييم الحصص وشرائها، فقد يتحول خروج شريك واحد إلى نزاع طويل.
ومن المهم أيضًا الاتفاق على سياسة توزيع الأرباح. فبعض أفراد العائلة يعتمدون عليها لتغطية التزاماتهم، بينما ترى الإدارة أن التوسع يحتاج إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من الأرباح. وعندما لا توجد سياسة معلنة، يتحول القرار المالي كل عام إلى مواجهة بين من يريد حماية سيولة الشركة ومن يريد زيادة دخله الشخصي.
وأفضل وقت لتنظيم هذه المسائل هو عندما تكون العلاقة بين أفراد الأسرة جيدة، والمؤسس حاضرًا وقادرًا على جمعهم. أما الانتظار حتى يقع الخلاف، فيجعل كل قاعدة مقترحة تبدو وكأنها وضعت لمصلحة طرف ضد آخر.
وعلى الرغم من أن ملكية هذه الشركات تعود إلى عائلاتها، فإن أثرها يتجاوز ملاكها ويمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. ولذلك فإن حمايتها من صراعات ما بعد المؤسس لا تمثل مصلحة عائلية فحسب، بل مصلحة للاقتصاد الوطني أيضًا.
ولا يعني التخطيط لما بعد المؤسس التشاؤم أو استعجال الغياب، بل هو آخر وأهم قرار قيادي يتخذه المؤسس لحماية ما بناه. فأعظم ما يتركه ليس المباني والأصول والاسم التجاري فقط، بل نظام قادر على حماية هذه الإنجازات بعد رحيله.
فالشركة التي لا تستطيع الاستمرار من دون مؤسسها قد تكون مشروعًا ناجحًا، لكنها لم تتحول بعد إلى مؤسسة حقيقية.
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات... اقرأ المزيد
8994
| 20 سبتمبر 2026
المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة... اقرأ المزيد
7233
| 15 سبتمبر 2026
غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة... اقرأ المزيد
5439
| 13 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3033
| 24 سبتمبر 2026