رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هابس محمد حويل

- باحث دكتوراه في كلية لندن الجامعية UCL

مساحة إعلانية

مقالات

234

هابس محمد حويل

المدينة التعليمية.. كيف تصبح المعرفة فعلًا للصمود؟

14 أبريل 2026 , 12:53ص

ليست المؤسسات الكبرى تلك التي تكتفي بما أنجزته، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتتأمل ذاتها، وتعيد مساءلة أدوارها كلما تغيّر السياق واتسعت المسؤولية. وفي المدينة التعليمية، لا يبدو هذا التأمل ترفًا فكريًا، بقدر ما هو امتداد طبيعي لفكرة وُلدت على إيمان عميق بأن التعليم ليس غاية، بل فعلٌ مستمر لإعادة تشكيل الإنسان والعالم.

وبينما أكتب هذه الكلمات، لا أفعل ذلك من موقع المراقب، بل من موقع الانتماء؛ كطالب علم في مجال التعليم والممارسة والمجتمع، وكأحد أبناء هذه المؤسسة التي لم تكن يومًا مجرد فضاء للدراسة، بل بيئة تُعيد تعريف معنى التعلّم، وتزرع في منتسبيها حسّ المسؤولية تجاه ما يتجاوز ذواتهم.

لقد كانت قضايا الأمن الغذائي، وأمن المياه، وأمن الطاقة، والصحة، حاضرة بوضوح في مسيرة المدينة التعليمية، وشكّلت محورًا لجهود بحثية وابتكارية جديرة بالتقدير. غير أن قيمة هذه الجهود لا تقاس فقط بما حققته، بل بما يمكن أن تؤول إليه إذا ما قُرئت ضمن إطار أوسع، يمنحها ترابطًا أوضح، واتجاهًا أكثر تماسكًا.

فالتحدي لم يعد في اختيار القضايا، بل في كيفية النظر إليها؛ ليس بوصفها ملفات متجاورة، بل باعتبارها تعبيرًا عن فكرة واحدة: فكرة الصمود. ذلك الصمود الذي لا يُختزل في مواجهة الأزمات، بل يتجلى في القدرة على التعلّم منها، وتحويلها إلى فرص للنمو، وإعادة البناء على أسس أكثر وعيًا واستدامة.

ومن هذا المنظور، تبدو المدينة التعليمية مؤهلة لأن تتقدم خطوة أخرى في مسارها، لا بتغيير وجهتها، بل بتعميقها. أن تُرى مكوناتها—من جامعات ومراكز بحث وبيئات ابتكار—كأجزاء في منظومة واحدة، لا يربطها المكان فقط، بل يجمعها معنى. معنى يجعل من المعرفة ممارسة، ومن التعليم تجربةً حية، ومن التحديات مادةً للفهم والإبداع.

إن الجامعات، بما تحمله من تنوع، قادرة على أن تجعل من قضايا الصمود جزءًا من نسيجها التعليمي، بحيث لا يتعلّم الطالب عن العالم من مسافة، بل من داخله.

كما أن منظومات الابتكار تستطيع أن تجسّد هذا التوجه، حين تلتقط الأسئلة الحقيقية، وتحوّلها إلى حلول قابلة للحياة. أما المسارات التعليمية، فهي التي تملك القدرة على إعادة تشكيل الرحلة كلها، بحيث تخرج إنسانًا لا يكتفي بالمعرفة، بل يحسن توظيفها في موضع الحاجة.

ما يُطرح هنا ليس دعوة إلى البدء من جديد، بل إلى النظر بعمقٍ أكبر في ما بدأ بالفعل. فالأفكار، مثلها مثل المدن، لا تبلغ نضجها إلا حين تُعاد قراءتها في ضوء ما حولها. والمدينة التعليمية، بما تحمله من إرث وما تفتحه من آفاق، تقف اليوم أمام فرصة أن تُقدّم نموذجًا لا في ما تفعله فحسب، بل في الكيفية التي تفكّر بها.

في النهاية، قد لا يكون الأثر الحقيقي لما نبنيه فيما نراه اليوم، بل فيما نُهيّئ له غدًا. وهنا، يصبح السؤال الأهم: كيف نجعل من المعرفة مسؤولية، ومن التعليم فعلًا مستمرًا للصمود؟

مساحة إعلانية