رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فهد عبدالرحمن بادار

تويتر @Fahadbadar

مساحة إعلانية

مقالات

150

فهد عبدالرحمن بادار

هل يمهد «آفاق» الطريق لتكامل مالي خليجي؟

14 أبريل 2026 , 01:34ص

على مدى عقود، ظلّت المؤسسات المالية الغربية تتصدر المشهد الاقتصادي العالمي، فعلى صعيد وضع السياسات الاقتصادية وتقديم المشورة للحكومات المتعثرة، إلى جانب إقراض الاقتصادات الناشئة، تولى كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أدوارًا محوريةً. أما على مستوى البنية التحتية للنظام المالي العالمي، فقد احتكر نظام «سويفت» للتحويلات البنكية وشركتا البطاقات الائتمانية العملاقتان «فيزا» و«ماستركارد» موقع الصدارة بلا منازع. ويشهد هذا الواقع اليوم تحولاً ملموسًا، مع صعود اقتصادات ناشئة إلى مصاف الدول المتقدمة، وسعي القوى الاقتصادية الإقليمية إلى إيجاد بدائل للدولار، إضافة إلى الفرص التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية. ويرتبط ظهور أنظمة بديلة جزئيًا بالتنافس الجيوسياسي، لكنه يعكس أيضًا رغبةً متزايدةً في تعزيز الاستقلالية الاقتصادية وتسريع وتيرة النمو المحلي. وتتيح الثورة الرقمية خيارات جديدة لأنظمة دفع دولية فورية وأكثر سهولة، يمكن أن تكون تحت إدارة شركة خاصة، أو حكومة وطنية، أو تحالف إقليمي من الحكومات. وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت الدولار كسلاح عبر سياسة العقوبات التي تنتهجها، وهو ما دفع الدول المتضررة من هذه العقوبات، وفي مقدمتها روسيا في السياق الحالي، إلى البحث عن بدائل للمنصات المالية الغربية. وفي عام 2020 أطلقت البرازيل نظام Pix، وهو منصة مدفوعات فورية للتحويلات الرقمية تعمل بتقنية Reals، سرعان ما أصبحت وسيلة الدفع الأكثر استخداماً في البلاد. ويعمل النظام على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وهو ما جعله ركيزة أساسية في البنية المالية الرقمية للبرازيل. 

ويُمثل مشروع mBridge مبادرة مشتركة بين عدة بنوك مركزية لإنشاء منصة رقمية دولية للعملات، تتيح إمكانية تنفيذ المدفوعات العابرة للحدود بطريقة مباشرة بين الأطراف دون وسطاء. ويضم المشروع في عضويته كلاً من الصين والسعودية، ويُنظر إليه باعتباره بديلاً محتملاً لشبكة «سويفت». وقد بدأ استخدام المنصة يتوسع تدريجيًا من قِبل البنوك الصينية في تنفيذ المدفوعات الدولية، في خطوة تعكس توجهًا متناميًا نحو استخدام أنظمة دفع أكثر استقلالية وكفاءة. وتسعى أوروبا كذلك إلى تحقيق قدر من الاستقلالية عن الدولار. فقد روّجت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، لفكرة إطلاق عملة رقمية يشرف عليها البنك المركزي الأوروبي. وفي السياق نفسه، شكّلت تسعة بنوك أوروبية ائتلافاً لإصدار عملة مستقرة مربوطة باليورو. 

وأطلقت دول مجلس التعاون الخليجي نظام «آفاق»، وهو منظومة دفع إقليمية تتيح إمكانية تسوية المدفوعات بشكل فوري وبتكلفة منخفضة عبر منصة تعتمد أعلى معايير الأمان. ويأتي هذا النظام بديلاً للبنية التقليدية القائمة على ترتيبات المقاصة الثنائية بين البنوك المراسلة، فقد كان في المنطقة ستة أنظمة دفع مختلفة، لكل منها تنسيق ملفات خاص وأساليب اتصال مستقلة. ويدير هذا النظام شركة المدفوعات الخليجية، وهي شركة خاصة تمتلك أسهمها البنوكُ المركزية لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمنح المنظومة إطارًا مؤسسيًا موحدًا يعزز كفاءتها وموثوقيتها. 

ولا يقتصر دور نظام «آفاق» على تحسين كفاءة المعاملات فحسب؛ حيث يمكن لعمليات الدفع العابرة للحدود التي تتم بسرعة وسهولة وأمان المساهمة في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية في المنطقة. كما سيتمكن أمناء الخزائن في الشركات من إنشاء مركز إقليمي لإدارة المدفوعات والتحصيلات، بما يعزز انسيابية الحركة التجارية. وبينما كان أساس ثروة اقتصادات الخليج يعتمد على صادرات النفط والغاز إلى مختلف أنحاء العالم، تشهد المنطقة اليوم تنويعًا متسارعًا في مصادر الدخل ونموًا اقتصاديًا إقليميًا ملحوظًا. فقد ارتفعت قيمة التجارة البينية بين دول الخليج من 58 مليار دولار في عام 2010 إلى أكثر من 146 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بأن تتوسع هذه الأرقام بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة. وتشهد قطاعات متعددة، من بينها السياحة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية، نموًا لافتًا. ومن المتوقع أن يسهم في تسهيل العلاقات التجارية وتشجيع تدفق الاستثمارات، ويوفر بيئة أكثر تكاملاً للشركات والمستثمرين. ولا يُعدّ تطوير نظام «آفاق» بحد ذاته لعبة قوة جيوسياسية، بل هو مبادرة عملية تهدف إلى تحديث وتبسيط أنظمة الدفع الإقليمية لدعم التجارة والتنمية الاقتصادية. وقد يمثل هذا النظام تمهيدًا لإمكانية اعتماد عملة موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي الست في المستقبل، وهو ما يعزز التكامل المالي في المنطقة. ويعكس هذا ديناميكيتين رئيسيتين في الارتقاء التكنولوجي لأنظمة الدفع مع انتقالها نحو التسوية الفورية، والثانية هي التحول من عالم أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة والمؤسسات الغربية إلى جغرافيا سياسية متعددة الأقطاب.

مساحة إعلانية